ذهب علماء العترة ومتبعوهم إلى أن طهارة الحدث غير معقولة المعنى، وأرادوا بما ذكروه من ذلك هو أنها جارية على صرف التعبد من جهة اللّه تعالى، منسدة عنها مسالك المعاني ومنحسمة فيها طرق القياس، وعن هذا قالوا: إنها مقصورة على الماء بحيث لايقوم غيره في تحصيلها من المائعات مقامه، وبه قال: أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ولايختلفون في ذلك.
والحجة على ذلك: هو أن الطهارة من الأحداث مختصة بأوقات وجارية على كيفيات مقررة من جهة الشرع، بحيث لاتهتدي العقول إلى معرفة أسرارها ولاتنتهي إلى غاياتها، فخصها بوقت الحدث دون غيره، وأوجبها في أعضاء مخصوصة عن موضع الحدث، ثم أوجب غسلها من غير نجاسة فيها لأجل نجاسة خارجة من غيرها، ثم أوجب غسل الأكثر منها، ومسح بعضها على هيئة مقدرة وكيفية مرتبة لاتخفى، وكل ماذكرناه من هذه التصرفات الجارية من جهة الشرع، فيها دلالة على أنها جارية على جهة التحكم من غير أن يكون للعقول إليها تطلع في فهم معناها، ومن أجل ذلك احتُكِمَ فيها بأنه لايجرى غير الماء في تأدية المقصود منها مجراه.
وذهب بعض متبعي الشافعي إلى أن طهارة الحدث معقولة المعنى، وزعموا أن الغرض هو تنقية هذه الأعضاء من القاذورات، وعن هذا قالوا: تجوز بغير الماء لَمَّا كان المعنى فيها مفهومًا، كماء الورد وغيره من الأمواء الطاهرة. وحكي عن الأوزاعي \s"\c 3 ( [1] ) : جواز التوضؤ بجميع الأنبذة بخلاف ماقاله أبو حنيفة فإنه قصره على نبيذ التمر دون غيره من سائر الأنبذة، وقد حكى عنه ابن أبي مريم \s"\c 3 ( [2] ) : رجوعه عن جواز التوضؤ به.
وحكي عن الحسن بن حي \s"\c 3 ( [3] ) : جواز التوضؤ بالخل وماء الورد ونحوه."
والحجة لهم على ما قالوه من كونها معقولة المعنى: هو أن الغرض من الطهارة التنقي عن الأدران، والنظافة عن الأوضار وإزالة الغبرات، ولا شك أن الأعضاء الظاهرة في المهن والتصرفات هي الوجه واليدان إلى المرفقين والقدمان، والإنسان في تصرفاته في مهنه وتقلباته في قضاء مآربه، يصادم الغبرات وتعلق به الأدران، فورد الشرع بغسل هذه الأعضاء على كيفيات مخصوصة وأوقات محددة مقدرة، والرأس لما كان مستورًا بالعمامة غالبًا، خفف الشرع وظيفته فجعلها مسحًا. وقرروا هذا الاستدلال بقوله جل جلاله، في سياق آية الوضوء: {وَلَكِنْ يُرِيْدُ لِيُطَهِّرَكُمْ \s"\c 1} [المائدة:6] . فأشار بذلك إلى التوقي عن القاذورات والبعد عن مصادمة الغبرات. هذا ملخص ما قالوه في تقرير هذه المقالة."
والمختار: ما عول عليه أصحابنا والفريقان من الحنفية والشافعية: في أن طهارة الحدث لا يعقل معناها، ويدل على ذلك أن الطهارات كما أشرنا إليه، جارية على منهاج العبادات البدنية التي لا يلوح فيها معنى مخصوص ولكنها مشتملة على أمور غيبية استأثر اللّه تعالى بعلمها وأحاط علمه بها.
نعم.. قد يخيل منها معانٍ كلية ومقاصد عامة تحمل على المثابرة على وظائف الخيرات ومجاذبة القلوب بذكر اللّه وصرف النفوس عن المطالب الدنيوية، والحض على أخذ الأهبة لدار الآخرة، وقد أشار إليه بقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ \s"\c 1} [البقرة:222] . وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ \s"\c 1} [العنكبوت:45] . فهذه أمور مفهومة ولكنها غير منحصرة في أنفسها فلا يمكن القياس، ويتعذر استنباط المعاني المختلفة التي يتقرر القياس عليها. وإذا كانت المعاني منسدة طرقها ويصعب جريها فيها بطل استعمال الأقيسة فيها فلا يلحق بها شيء، ويبطل أن يقوم مقام الماء غيره في تأدية العبادات به لانحسام مسالك القياس وجريها على مرارة التعبد، وفي ذلك بطلان ما قالوه. ويؤيد ما ذكرناه، هو أن أبا حنيفة لَمَّا لمْ يَصْفُ له المعنى في طهارة الحدث وافقنا في كونها غير معقولة المعنى، وأن غير الماء لا يقوم مقامه في تأديتها بخلاف طهارة النجس، فإنه قد زعم كونها معقولة المعنى، وأن الغرض القلع للآثار والتنحية لها، وهذا حاصل بما يقلع من المائعات كما أوضحناه من قبل.
الانتصار عليهم: يكون بإبطال ما توهموه.
فأما ما زعموه من المعنى الذي توهموه في إيجاب غسل هذه الأعضاء ومسحها، فهو من الإقناعات التي يقبلها من ليس له قدم راسخة في علم الأصول، وحاصلها خيال منقشع بأدنى مطالبة، ويبطل ما قالوه بما قررناه من قبل من كونها جارية على مذاق التحكمات الجامدة، فلا ينقدح فيها معنى معقول فيقاس عليه، ثم نبطل ما ذكروه بالمعارضة بأمرين:
أحدهما: أنا نقول: لو استقام ما ذكرتموه في الوضوء وأن الغرض به التنقي عن كل ما يعرض من القاذورات والتنزه عنها، لكان يلزم فيمن أسبغ وضوءه وأتمه بكماله ثم عمد إلى تراب فتعفر به وتلطخ بالطين الطاهر ثم صلى وهو على تلك الحالة، أن لا تكون صلاته صحيحة؛ لأن سر الوضوء ومعناه غير حاصل، فلو صح المعنى الذي زعموه لما كانت صلاته صحيحة وهو مخالف للإجماع.
وثانيهما: أن التيمم هو تعفير الوجه بالتراب وإزالة رونقه بملابسته ومسحه به، فلو صح ما ذكرتموه من معنى الطهارة لكان لا وجه لكونه مشروعًا عند عدم الماء؛ لكونه مناقضًا لمعنى الطهارة وسرها.
فهذان الأمران مبطلان لهذه القاعدة التي ذكروها، وتنخل من مجموع ما ذكرناه، أن طهارة الحدث والنجس لا يعقل معناهما، وأن المعنى الذي ذكره أبو حنيفة في طهارة النجاسة وهو القلع، يبطل بما سلمه في طهارة الحدث، فإن التعميم حاصل فيها بماء الورد وقد منع منه، فهكذا يمنع مما كان مانعًا للأثر، ويجب قصرهما على التطهير بالماء كما أشرنا إليه، وممن قال معنا بأنهما لا يعقل معناهما، الشيخ عبدالملك الجويني وتلميذه أبو حامد الغزالي.
فهذا ما أردنا ذكره من المسائل التي اشتمل عليها اللقب في قولنا: كتاب الطهارة.
ونشرع الآن في الأبواب التي اشتمل عليها الكتاب مستعينين بالله وهو خير معين، وجملة ما يشتمل عليه من الأبواب عشرة
( [1] ) أبو عمرو عبدالرحمن بن عمرو بن محمد الدمشقي الأوزاعي الحافظ شيخ الإسلام وإمام أهل الشام، وقيل عنه: عالم الأمة وإمام عصره، ولد عام 88هـ، واشتغل بالعلم ودراسة الفقه والحديث حتى أصبح له مذهب مميز في الشام. سكن آخر عمره ببيروت مرابطًا، وتوفي بها ثاني صفر 157هـ. (مقدمة البحر) .
( [2] ) أبو رجاء محمد بن أحمد بن الربيع بن سليمان بن أبي مريم الأسواني. قال ابن يونس: كان أديبًا فقيهًا على مذهب الشافعي، وكان فصيحًا (وشاعرًا) له قصيدة يذكر فيها أخبار العالم وقصص الأنبياء نبيًا نبيًا، قيل: إنها بلغت ثلاثين ومائة ألف بيت، وأنه قال بعد هذا: بقي عليَّ فيها أشياء احتاج إلى زيادتها، ونظم فيها الفقه وكتاب المزني وكتب في الطب والفلسفة، توفي في ذي الحجة سنة 335هـ (طبقات الشافعية) .
( [3] ) أبو عبدالله الحسن بن صالح بن حي الهمداني الكوفي، الإمام القدوة الفقيه العابد. قال أبو زرعة: اجتمع في الحسن بن حي إتقان وفقه وعبادة وزهد، وكان عالمًا وصاحب رأي مستقل وزيديًا. وإليه تنسب الصالحية من الزيدية.