قد وضح لك أن الطهارة اسم شرعي، واعلم أن الناس بالإضافة إلى شرح حقيقة الطهارة وإبانة ماهيتها فريقان:
فالفريق الأول: تكلموا في بيان معناها وإبانة ماهيتها، بالإشارة إلى تفاصيل مسائلها، وشرح أحكامها على جهة التفصيل من غير إشارة منهم إلى ضبطها بالحدود والتعريفات الحقيقية والرسمية، وإنما كان همهم من ذلك ذكر المسائل المشتملة عليها على جهة التفصيل، وهؤلاء هم أكثر الفقهاء، أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما، وزعموا أن ماهية الشيء وإدراك حقيقته كما يحصل بالتعريفات الحقيقية واللوازم الرسمية، فإنها تحصل أيضًا بحصر المسائل وضبط الأحكام.
الفريق الثانى: وهم الذين رغبوا في حصرها بالحدود والتعريفات وصانوها عن النقوص بالاحترازات. ثم هم حزبان:
الحزب الأول منهم: اقتصروا من مفهوم الطهارة على طهارة الماء من حدث أو نجس ، وعلى طهارة التراب من الحدث من غير إشارة منهم إلى ما وراء هذين النوعين من الطهارات كلها، وهذه هي طريقة السيد الإمام أبي طالب وغيره من فقهاء المذهب، فإنهم قصروا أنظارهم فيما أوردوه من التعريفات على الطهارة المائية والطهارة الترابية، ولم يخرجوا عن شيء سواهما من سائر أصناف الطهارات مع أنها طهارة ، كالجفاف والاستحالة ( [1] ) وغيرهما، ثم إنهم ذكروا لها تعريفات ثلاثة:
التعريف الأول: ذكره السيد أبو طالب فى (التذكرة) ( [2] ) ، وحاصل ماقاله:
الطهارة هي: الشرعية المزيلة للأحداث. فقوله: الشرعية، يخرج منه مايفيد التنقية وليس مشروعًا كغسل الحائض ووضوئها فإن هذه طهارة، ولكنها غير شرعية؛ لأنها لاتفيد رفع الحدث ولا إزالة النجس.
وما ذكره من التعريف ينتقض بأمور ثلاثة:
أما أولًا: فلأن هذا تخرج منه الطهارة من النجس، وهي من جملة الطهارات الشرعية.
وأما ثانيًا: فلأن هذا تخرج عنه الطهارة بالتراب؛ لأنها غير مزيلة للحدث على رأيه، وهي من جملة ما يُتَطَهَّر به.
وأما ثالثًا: فلأن هذا منقوض بالطهارة على الطهارة، فإنها من جملة الطهارات وقد ورد بها الشرع كالوضوء على الوضوء وليس مزيلًا للحدث فانتقض هذا الحد.
التعريف الثاني: ذكره في (الشرح) ( [3] ) ، وحاصل كلامه أنه قال:
الطهارة: هي الشرعية الواجبة لأجل الأحداث، وهذا وإن كان سالمًا من الاعتراض بطهارة التراب كما ورد على الحد الأول، لكنه منقوض بالأمرين الآخرين، إما بطهارة النجس فإنها من جملة الطهارات وليست واجبة لأجل الأحداث، وإما بالطهارة على الطهارة فإنها من جملة الطهارات الشرعية وليست واجبة مع كونها طهارة، فخرجت عنها، فلهذا كان ما ذكرهُ منقوضًا بما أشرنا إليه.
وذكر القاضي زيد \s"\c 3 ( [4] ) أن الأَوْلَى أن يقال فيها: الطهارة هي: المفعولة للأحداث، وهذا وإن كان سالمًا عن النقض بطهارة التيمم، لكنه منقوض بالطهارة عن النجس والطهارة على الطهارة، فإن هاتين من جملة الطهارات وليستا مفعولتين من أجل الحدث."
التعريف الثالث: أن يقال: الطهارة عبارة عن مسح وغسل أو عن أحدهما بصفة مشروعة، وهذا وإن كان سالمًا عن النقض بطهارة التيمم والطهارة على الطهارة، لكنه منقوض بسائر أنواع الطهارات، كالجفاف والاستحالة وغيرهما مما يكون طهارة وليس مسحًا ولا غسلًا، وهذه كلها تعريفات لمن قصر الطهارة على هذين النوعين ولم يعرج على ما سواهما مما يكون طهارة.
الحزب الثاني: الذين أغرقوا في حصر أنواع الطهارات وراموا اندراجها تحت حد واحد بإدخال جميع الصور، كما هو محكي عن الشيخ أبي عبدالله محمد بن أحمد النجراني \s"\c 3 ( [5] ) ، فإنه قال:"
الطهارة عبارة عن: مسح وغسل وجفاف ونزح واستحالة، فما هذا حاله قد اندرج تحته ما يقال: إنه طهارة في الشرع من الحدث والنجس، وطهارة التراب وجفاف الأطفال عند الولادة، ونزح الآبار عند وقوع النجاسة فيها، والأمور النجسة إذا استحالت كالعذرة إذا صارت رمادًا، والكلب إذا صار ملحًا، وغير ذلك، وهذا ما أردنا ذكره من مذاهب الفقهاء في سلوكهم طريق الضبط لماهية الطهارة، والإشارة إلى تعريفها.
والمختار في ذلك: تفصيل نشير إلى أسراره يلتفت إلى القواعد العدلية ويشم رائحة من المباحث الكلامية. وحاصله أنَّا نقول: اسم الطهارة واقع على حقائق مختلفة وأنواع متفاوتة لا يمكن اندراجها تحت حد واحد، وما هذا حاله من الألفاظ المشتركة فلا تشملها ماهية واحدة ويستحيل ذلك في حقها، فلو قال قائل: ما حقيقة المَلَك والجني والإنسان والحجر؟ فإنه لا يمكن أن يجاب بحقيقة واحدة لاختلاف هذه الحقائق في أنفسها، وهكذا حال من يسأل عن ماهية الطهارة فلا يمكن أن يجاب بماهية واحدة لإختلاف حقائقها في أنفسها وسائر أنواعها، فإنها مقولة على طهارة الحدث وطهارة النجس وطهارة التراب وطهارة النزح والجفاف والاستحالة، فصارت لفظة مشتركة واقعة على حقائق مختلفة يستحيل اندراجها تحت ماهية واحدة، فإذا سأل السائل عن ماهية الطهارة لم يستحق جوابًا على الإطلاق، ولكن يقال له: عن أي أنواع الطهارة تسأل؟
فإذا قال: عن طهارة الماء؟
قيل له: هي استعمال الماء لحدث أو نجس.
وإن قال: عن طهارة التراب؟
قيل له: هو استعمال التراب للحدث.
وهكذا القول في سائر أنواع الطهارة إذا كان سائلًا عن كل واحدٍ منها بعينه فإنه يستحق جواب كل واحد منها بعينه، ويجري ما ذكرناه في جميع الألفاظ المشتركة التي تندرج تحتها حقائق مختلفة، كالعين والإدراك وغيرهما مما لا بد فيه من الاستفصال، فإن أنف آنف عما ذكرناه من هذا التقسيم وأراد اندراجها تحت ماهية واحدة، فالأغوص أن يقال في ماهيتها: عبارة عن غسل ومسح، أو عن أحدهما أو ما في حكمهما بصفة مشروعة، فلا يبعد أن يكون هذا ضابطًا لجميع مجاريها الشرعية.
نعم هذا كله، إذا قلنا: بأن لفظ الطهارة يطلق على ما ذكرناه من هذه الحقائق المختلفة من غير أن يكون تعارفًا، فأما إذا قلنا: بأن لفظ الطهارة قد صار متعارفًا [عليه] في ألسنة الفقهاء فيما كان من طهارة الماء وطهارة التراب، فعلى هذا يقال في ماهية الطهارة: هي استعمال أحد المشروعين: الماء أو التراب. وعلى هذا يكون الحد مطابقًا لَمَّا كان التطهير قد صار متعارفًا فيهما.
وإذ قد أتينا على المقصود من تعريف ماهية الطهارة وذكر خلاف الفقهاء فيها، فلنردفه بذكر حقائق الألفاظ التي تمس الحاجة إليها عند الخوض في المسائل الخلافية، والاستدلالات الخطابية، والاستنباطات القياسية، ويعظم دورها في ألسنة الفقهاء، وجملة ما نذكر من ذلك أمور عشرة نفصلها بمعونة اللّه تعالى:
أولها: النظر، وهو: ترتيب مقدمات علمية أو ظنية، لِيُتَوصَّل [بها] إلى الوقوف على الشيء بعلم أو ظن.
وثانيها: الدليل، وهو: ما كان النظر فيه مؤديًا إلى العلم بالمطلوب. والأمارة: ما كان النظر فيها مؤديًا إلى تغليب الظن.
وثالثها: العلم، وهو: إدراك الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه. والظن: تغليب بالقلب على أحد المجوَّزَين ظاهري التجويز.
ورابعها: الحجة، وهو: ما يدل على صحة الدعوى.
وخامسها: الخبر، وهو: ما كان محتملًا للصدق والكذب. والصدق: ما كان مُخْبَرُهُ على ما هو به، والكذب: ما كان غير مطابق لِمُخْبرِهِ.
وسادسها: الظاهر، وهو: ما كان محتملًا لأمرين، أحدهما أقوى من الآخر. والتأويل: صرف الكلام عن ظاهره. والمطلق: اللفظ الصالح لما تناوله. والمقيد، هو: الذي خُصِّصَ ببعض صفاته.
وسابعها: النسخ، وهو: بيان أن مثل الحكم الشرعي غير ثابت بدليل مثله مع تراخيه عنه. والأمر: قول القائل لغيره: افعل. والنهي: قول القائل لغيره: لا تفعل. والحقيقة: ما أفاد معنى مصطلحًا عليه في غير ذلك الوضع. والواجب والفرض: ما تعلق العقاب بتركهما. والعبادة هي: الطاعة. والطاعة: موافقة الأمر. والمعصية: مخالفة الأمر.
وثامنها: الصحيح، وهو: ما كان معتدًا به في مقصوده. والفاسد: ما خالف الشرط المعتبر فيه. والمجزي من الأفعال: ما كان خارجًا به من عهدة الأمر. والمتواتر: ما حصل به العلم الضروري.والآحادي: ما أثمر الظن. والصحابي: من خالط الرسول. والتابعي: من صحب الصحابة.
وتاسعها: المرسل، وهو: ما انقطع إسناده. والمسند: ما اتصل إسناده. والموقوف من الأحاديث: ما كان مقصورًا على الصحابة. والمرفوع: ما كان إسناده متصلًا بالرسول ً. والاجتهاد: بذل الوسع في تحصيل الغرض. والرأي: استخراج صواب العاقبة.
وعاشرها: القياس، وهو: حمل فرع على أصل بعلة جامعة بينهما. والأصل: ما ثبت حكمه بنفسه. والعلة، هي: المقتضية للحكم. والمعلل، هو: الناصب للعلة. والطرد، هو: وجود الحكم بوجود العلة.والعكس، هو: عدم الحكم بعدم العلة. والنقص: وجود العلة من غير حكمها. والمعارضة: مدافعة الخصم بمثل دليله أو بما هو أقوى منه. والترجيح: إثبات مزية توجب تقديم إحدى الأمارتين على الأخرى. والانقطاع: هو العجز عن نصرة المذهب. ولنقتصر على هذا القدر ففيه كفاية عن مقدار غرضنا من ذلك. والله الموفق.
( [1] ) الطهارة بالجفاف، كالأطفال والبهائم، وبالاستحالة كالخمر يستحيل إلى خل، كما جاء في (الأزهار) .
( [2] ) التذكرة في الفقه لأبي طالب (يحيى بن الحسين الهاروني. توفي سنة 424هـ)
( [3] ) شرح التحرير في الفقه لأبي طالب أيضًا.
( [4] ) زيد بن محمد الكلاَّري بن الحسن، قال في (الفلك الدوار) : (نسبة إلى كلاَّر من بلاد الجيل) بفتح الكاف وتشديد اللام، وفي تراجم رجال (الأزهار) بالتخفيف. قال الجنداري في ترجمته: وهو القاضي زيد المشهور علامة الزيدية وحافظ أقوالهم وفقيههم، قال في (الانتصار) : كان من أتباع المؤيد بالله ولم يعاصره. كان القاضي من حفاظ ألفاظ العترة، وله العناية العظمى في خدمة المذهب الشريف، وهو مؤلف (الشرح) (شرح كتاب التجريد للمؤيد بالله) وإذا أطلق (الشرح) في (المنتزع) فهو شرحه إلا في موضع في السير فشرح أبي طالب.
( [5] ) الشيخ محمد بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن محمد النجراني، كان فقيهًا عالمًا قرأ على الأميرين: بدر الدين وشمس الدين وغيرهما. وعاصر الإمام المهدي أحمد بن الحسين. كان من المجتهدين والمتكلمين. أخذ عنه ولده الشيخ عطية والأمير علي بن الحسين صاحب (اللمع) . توفي سنة 603هـ. (مقدمة الأزهار) .