فإنه يشترط في صحة تأدية الصلاة، فمن زال عقله بجنون أو إغماء أو شرب دواء يزيل العقل، فإن الصلاة غير واجبة عليه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: أن كل من زال عقله بالجنون لم يجب عليه فعل الصلاة لقوله: (( وعن المجنون حتى يفيق ) )فإن كان الجنون مستوليًا على فساد [العقل] وتغييره سقط عنه وجوب الصلاة في كل الأحوال؛ لأن من هذه حاله فلا يرجى في حقه زوال ولا إقلاع، وإن كان يصرع أحيانًا ويفيق أحيانًا لم يسقط عنه فرض الصلاة عند إفاقته، لأن الجنون مرض فكما جاز في حق المريض أن تعتريه القوة والضعف، فهكذا في حق المجنون يعتريه الصرع والإفاقة.
الفرع الثاني: ومن زال عقله بشرب داوء ولم يكن الغالب منه ذهاب العقل ثم زال عقله فإنه لا يجب عليه فرض الصلاة لأنه زال عقله بسبب مباح فهو كما لو زال بالجنون، وإن تناول دواء فيه سم نظرت، فإن كان الغالب فيه أن يسلم منه جاز له تناوله، و إن لم يكن الغالب من حاله السلامة فإنه يحرم عليه تناوله. وأقل زوال العقل أن يزول أحيانًا ويثوب أحيانًا، وأكثره ما كان مستوليًا على إفساد العقل وتغيره.
الفرع الثالث: وإن شرب مسكرًا أو دواء لا حاجة له إليه فزال عقله، فإن فرض الصلاة بالخطاب متوجه عليه لأنه مفرط فيما فعل لكن لا يصح منه فعل الصلاة لأنه لا يمكنه فعلها في حال سكره لقوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] . فإذا أفاق لزمه قضاء ما فاته في حال السكر لأنه غير معذور بزوال عقله، وأقل السكر أن يغلب عليه الخمر فيذهب عنه بعض ما كان لا يذهب عنه في حال صحوه. وأكثر السكر أن يصير متخبطًا ثرثارًا وقحًا، لا يفهم أكثر أحواله. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في طلاق السكران.
الفرع الرابع: ومن سكر ثم جُنَّ في حال سكره ثم أفاق وجب عليه قضاء ما فاته في حال السكر، وإن سكرت المرأة ثم حاضت ثم طهرت فإنه لا يجب عليها قضاء ما فاتها في حال حيضها. والتفرقة بينهما ظاهرة فإن سقوط الصلاة عن المجنون إنما كان من أجل التخفيف. والسكران ليس من أهل التخفيف بخلاف الحائض فإن سقوط الصلاة عنها عزيمة واجبة، والسكران من أهل العزائم فافترقا. وكم العدد الذي يجب قضاؤه على المجنون في حال سكره من الصلوات إذا أفاق، فيه وجهان:
أحدهما: قدر ما يدوم به السكر ويستمر به لأنه السابق.
وثانيهما: ما فاته في حال جنونه لأن الجنون مرض وتغير وفساد في العقل ربما زال وربما استمر بخلاف السكر فإنما هو تغطية العقل وعن قريب يزول، فلهذا كان القضاء قدر جنونه لكونه مرضا، والمريض من أهل العزائم والوجوب. والأول هو الوجه.
الفرع الخامس: اعلم أن العقل ملاك التكليف ومستند الأحكام العقلية من الحسن والقبح والوجوب وغيرها من الأحكام، وهو أصل التكرمة التي خص اللّه بها بني آدم حيث قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] وبه يستحق الثواب والعقاب من جهة اللّه تعالى، وفي زواله وتغيره بطلان التكاليف. لكن زواله يختلف فتارة يكون بفساد وتغير من غير مرض كالجنون، وتارة يكون بمرض كالإغماء، وتارة يكون بالتغطية والستر كما في الخمر فإنه يطفح على العقل ويغطيه، ومرة يكون بعدم تحديد علومه كما نقوله في النوم، فإن الإنسان إذا نام ذهبت عنه علوم العقل بترك تحديد اللّه تعالى لها، فإذا انتبه عاد تحديدها فصار عاقلًا، وإذا أفاق المجنون المغمى عليه أو من زال عقله لم يجب عليهم قضاء ما فاتهم من الصلوات في حال زوال العقل.
وحكي عن أبي حنيفة أنه إ ذا أغمي عليه يومًا وليلة وجب عليه قضاؤها، وسيأتي تفصيل الخلاف في قضاء الفوائت بمعونة اللّه تعالى.