فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 129

الفصل الثالث

في حكم الشك في الصلاة

اعلم أن الشك حظور أمر بالبال مع خلوه عن الاعتقاد والظن والعلم، فإذا شك المصلي هل صلى ثلاثًا أو أربعًا فلا يخرج عن حالة الشك إلا بأحد أمور ثلاثة: إما بالعلم بأحد الإحتمالات، وإما بالظن لأحدها، وإما بالاعتقاد، فمتى حصل أحد هذه الأمور الثلاثة زال الشك بكل حال، وحاصل الأمر فيه أن يتعارض تجويزان على التناقض لأسباب عارضة توجب التناقض، وقد ذكر الشيخ أبو حامد الغزالي في كتابه (الوسيط) : أن يتعارض اعتقادان على التناقض. وهذا فاسد فإن الشك لا يصاحبه الاعتقاد ولا الظن ولا العلم كما أشرنا إليه ولكنه تصور للحقيقة مجردة عن الاعتقادات والظنون والعلوم ونجردها لعدم القرائن الموجبة للترجيح، فإذا حصل الرجحان زال الشك وهو مخالف للظن في ماهيته، فإن الظن تغليب بالقلب على أحد الإحتمالين، والشك لا تغليب فيه، والتصور هو الشك خلا أن التصور يصاحب هذه الأمور الثلاثة، والشك لا يصاحبها.

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول: اعلم أن الشك لا يكون مستندًا لشيء من الأحكام العقلية ولهذا فإنه لو أخبره مخبر بأن في هذا الطريق سبعًا وشك في صدقه وكذبه ولم يحصل له غلبة ظن على الصدق فإنه لا يقدم على المضي في تلك الطريق بناء على الأصل لا عملًا على الشك ولا يكون طريقًا إلى تقرير الأحكام الدينية فإنه لو شك في كفر شخص أو فسقه فإنه يواليه عملًا على الأصل في أن من وجد في دار الإسلام فهو مسلم لا من جهة العمل على الشك، ولا يكون أصلًا في شيء من الأحكام الشرعية العملية ولهذا فإنه لو شك في كون هذا الماء طاهرًا أو نجسًا فإنه يعمل على الطهارة عملًا على الأصل لا عملًا على الشك فإذن لا عمل على الشك في جميع هذه الأحوال والذي يقع التعويل عليه في العمل بأحكام الشريعة طريقان:

الطريق الأول: العلم. كما نقوله في الشهادات فإنه لا مستند للشهادة سوى العلم ولا تجوز الشهادة على غلبة الظن إلا في صورة نقررها في باب الشهادة لضرورة الحال كالشهادة فيما يشهد فيه الإشتهار كالنكاح، والنسب، وكالشهادة على الإفلاس، وعلى العدالة، وعلى أروش الجنايات، وقيم المتلفات.

الطريق الثاني: غلبات الظنون في باب العبادات والعادات والمعاوضات وأنواع المعاملات في أبواب الشريعة، فإنه أعظمها جريانًا وأوسعها خطوا وأكثرها مضطربًا، فإذا عرفت هذا فطروء الشك لا يخلو إما أن يكون واقعًا في حال الصلاة أو بعد الفراغ منها، فإن وقع في حال الصلاة فسيأتي تقرير الحكم فيه، وإن وقع بعد الفراغ من الصلاة ففيه ثلاثة أقوال:

الأول: أن ذلك محطوط عنه ولا تجب عليه الإعادة، وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان، وهو أحد أقوال الشافعي.

والحجة على هذا: هو أن الشك يكبر بعد الفراغ من الصلاة فلا سبيل إلى تتبعه والعمل عليه.

القول الثاني: أنه يكون كالشك في أثناء الصلاة فإن الأصل فيه أنه لم يفعل فإن قرب الزمان قام إلى التدارك وسجد للسهو لأنه سلم في غير محله، وإن طال الزمان فلا وجه إلا القضاء والإستئناف، وهذا قول ثان محكي عن الشافعي.

القول الثالث: أنه إذا شك بعد تطاول الزمان فلا اعتبار به، وإن قرب الزمان اعتبر به، وهو محكي عن بعض أصحاب الشافعي.

والمختار: ما قاله الأخوان.

وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن المصلي إذا فرغ من الصلاة فالظاهر هو العمل على صحتها فذكر الشك بعد التسليم لا يطرق خللًا فيما قد تقرر من صحتها.

ومن وجه آخر: وهو أن الأخبار دالة على الرجوع إلى الأقل عند الشك، أو على تغليب الظن على الصحة وهذا إنما يكون في حال اشتغاله بالصلاة وتلبسه بها فأما بعد الخروج منها فلا وقع له.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: إنه بعد الفراغ يكون كالشك في إثباتها في تغليب الظن والبناء على الأقل.

قلنا: إنه في أثناء الصلاة أعمالها متصلة بخلاف ما إذا كان قد فرغ عنها فلا وجه لإعمال النظر ولا فائدة فيه.

قالوا: إن شك بعد تطاول الزمان فلا اعتبار به، وإن كان الزمان قريبًا اعتبر به.

قلنا: إن قرب الزمان وبعده سيان في أنه لا اعتبار به بعد تقضي الصلاة وفراغه منها فإذن التعويل إنما هو على كون المصلي مشتغلًا بالصلاة ومتلبسًا بها.

الفرع الثاني: في حكم الشك إذا عرض في حال الصلاة.

فإذا عرض له الشك في ركعة بكمالها فيحصل المقصود منه بأن نرسم فيه مسائل:

المسألة الأولى: إذا شك المصلي فلم يدر هل صلى ركعة أو ركعتين أو ثلاثًا أو أربعًا ففيما يجب عليه مذاهب خمسة:

المذهب الأول: أنه إذا شك فلم يدر عدد الركعات، وكان الشك أول ما عرض له، والغالب من حاله السلامة والشك نادر، فإنه يستأنف الصلاة، هذا هو الذي حصله السيد أبو طالب للمذهب وارتضاه.

والحجة على هذا: هو أن المقصود من العبادات أداؤها على اليقين إذا كان متمكنًا أو على غالب الظن إن لم يتمكن من العلم ليكون بذلك خارجًا عن عهدة الأمر ويسقط لزومها للذمة وذلك يوجب أنه إذا كان الشك أول عرض له أن يستأنفها لما روي عن الرسول أنه قال: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) ). وهو إذا استأنفها فقد عدل عما يريبه من اللزوم إلى ما لا يريبه من اللزوم.

المذهب الثاني: محكي عن الشافعي: أنه يأخذ بالأقل ويبني على صلاته ويسجد سجدتي السهو. وهذا هو قول مالك، وربيعة من فقهاء التابعين، ومحكي عن أمير المؤمنين وأبي بكر وعمر وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم.

والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري أن الرسول قال: (( إذا شك أحدكم في صلاته"فليلق الشك وليبن على اليقين فإذا استيقن التمام سجد سجدتين فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان للجبران، وإن كانت صلاته ناقصة كانت الركعة تمامًا للصلاة والسجدتان ترغمان أنف الشيطان ) ) ( [1] ) ."

المذهب الثالث: محكي عن الحسن البصري: أنه يذهب على وهمه ويسجد للسهو. وهو محكي عن أبي هريرة، وأنس بن مالك من الصحابة رضي الله عنهم.

والحجة على هذا: هو أن الإستئناف إبطال للعمل وقد قال تعال: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] . وإن كان الأمر هكذا وجب الذهاب على الوهم ومعناه أن يبني على الأقل ولا يلتفت إلى عارض شكه، ويكون الشك كأن لم يكن، ولأنه إذا ذهب على وهمه كان أقرب إلى انسداد أبواب الشك وإبطال التوهمات والشكوك العارضة، والتفرقة بين هذا المذهب وبين مذهب الشافعي هو أن الشافعي يبني على الأقل عند عروض الشك لأنه هو المستيقن. والحسن البصري ومن قال بقوله يقولون: يذهب على وهمه. أي أنه يبني على ما يذكر من حاله فيبني عليه ولا يلتفت إلى الأقل المستيقن فهذه هي التفرقة بين المذهبين.

المذهب الرابع: محكي عن أبي حنيفة وهو أن المصلي له ثلاثة أحوال، فإن كان ذلك الشك أول مرة استأنف الصلاة، وإن كان الشك غالبًا عليه تحرى أكثر رأيه فيبني عليه وسجد للسهو، وإن لم يكن يدري لغلبة الشك عليه بنى على اليقين في الأقل.

والحجة على هذا: هو أنه في الحالة الأولى الغالب من حاله السلامة فإذا عرض له الشك فإنه يؤثر اليقين على الشك ويستأنف الصلاة ليكون الفرض ساقطًا عن ذمته بيقين وتحقق، وفي الحالة الثانية أو أكثر غلبة الشك تحرى أكثر رأيه فبنى عليه لأنه روي عن النبي أنه قال: (( إذا شك أحدكم ولم يدر أثلاثًا صلى أو أربعًا"فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب ) ). وفي الحالة الثالثة إذا لم يكن له رأي ولا تحرى لغلبة الشك عليه فإنه يبني على اليقين ويرجع إلى الأقل لما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا شك أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا"فليبن على اليقين وليدع الشك ) ). وليس يكون البناء على اليقين إلا بالرجوع إلى الأقل فهذا تقرير المذاهب بأدلتها على ما ذكرناه.

المذهب الخامس: محكي عن الناصر، والإمامية، وهو أنه إذا شك في الركعتين الأوليين من الفرائض فلم يدر صلى واحدة أو اثنتين فعليه الإعادة، وإن شك في الركعتين الأخيرتين فكلامه محتمل أنه يتحرى ويبني على ما يغلب على ظنه ويحتمل أن يبني على الأقل.

والحجة على هذا: هو أنه إذا شك في الأوليين فهما أول الصلاة لم يسبقهما شيء فيصير كما لو شك في أنه صلى أو لم يصل، فكما أن هاهنا يستأنف فهكذا في الشك في الأوليين،فأما إذا كان شكه في الأخيرتين فقد صار في آخر الصلاة على شرف إتمامها فليس له إلا التحري إن كان من أهله، وإن لم يكن من أهل التحري فإنه يبني على الأقل وهو المستيقن.

والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وقرره للمذهب: من أنه إذا كان الشك أول ما عرض له فإنه يستأنف الصلاة.

وحجته: ما ذكرناه، وهو مروي عن العبادله من الصحابة رضي الله عنهم ابن عمر وابن عباس وابن عمرو ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا شك أحدكم في صلاته"فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا فليستأنف ) ). وهذا نص فيما ذهبنا إليه، وهو مروي عن الشعبي، وشريح، وعطاء، والأوزاعي من فقهاء التابعين، وإذا استأنف الصلاة فهل يستأنف تكبير الافتتاح أم لا؟ فيه قولان:"

فالقول الأول: أنه يستأنف تكبيرة الافتتاح. وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب، وعليه الأكثر من أصحاب أبي حنيفة.

وحجتهم على هذا: هو أن التحريمة لا تراد لنفسها، وإنما تراد لما بعدها من الصلاة فإذا بطل ما بعدها من الصلاة بعروض الشك فصار كأنه لم يفعل تلك التحريمة.

والقول الثاني: محكي عن أصحاب أبي حنيفة: وهو أنه لا يلزمه من استئناف تكبيرة الافتتاح.

والحجة على هذا: هو أن الشك إنما عرض في الصلاة دون تكبيرة الافتتاح فلهذا لم يلزم استئنافها، وهذا هو الأقوى والمرتضى للمذهب لأمرين:

أما أولًا: فلأنه على يقين من تكبيرة الافتتاح وعلى شك من الصلاة فلا يلزم من فساد الصلاة فساد التكبيرة.

وأما ثانيًا: فلأن التكبيرة من جملة الصلاة ولم يعرض لها ما يفسدها كما لو شك في القعدة الأخيرة وكما لو شك في التسليم فإنه يأتي به ولا يعترض الشك فيه الشك فيما تقدمه، فهكذا هاهنا إذا عرض الشك في عدد الركعات وأوجبنا عليه الاستئناف لأجل الخبر فلا تفسد التكبيرة بحال بل يبني عليها صلاته ولا يفتقر إلى إعادتها.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: يبني على الأقل كما حكيناه عمن قال من الصحابة والفقهاء من التابعين، ومحكي عن الشافعي.

قلنا: إن ظاهر الخبر دال على إزالة الشك من جميع الوجوه، وإذا بنينا على الأقل من الصلاة لم يأمن أن يكون قد زاد في صلاته ركعة فيكون الشك باقيًا من هذا الوجه، وإذا استأنف الصلاة فقد أدَّاها على اليقين من كل الوجوه فلهذا كان أحق.

قالوا: أخذنا بالأقل كما حكي عن أمير المؤمنين وغيره من الصحابة، ومن فقهاء التابعين لحديث أبي سعيد الخدري.

قلنا: عما ذكروه جوابان:

أما أولًا: فلما ذكرناه من أنه إذا أخذ بالأقل لا يأمن زيادة ركعة فيكون الشك باقيًا، وإذا عاد زال هذا الاحتمال.

وأما ثانيًا: فلأنه معارض بما ذكرناه من الحديث فإنه مصرح بالاستئناف، وخبر أبي سعيد الخدري ليس فيه تصريح بالمطلوب لأجل دخول الشرط فيه، والشرط محل للشك فلأجل هذا كان خبرنا أرجح فيجب العمل عليه.

قالوا: يذهب على وهمه. كما حكي عن الحسن البصري ومن تابعه من الفقهاء.

قلنا: إن المعنى أنه يذهب على وهمه أنه يبني على المستيقن كما حكي عن القاسم أنه قال في الشك: دواؤه المضي عليه. يريد أنه يبني على ما يستيقن من نفسه وليس الغرض أنه يبني على الأقل [كما] حكيناه عن الشافعي، وإنما أراد أنه مال إلى ما يتحقق من حاله فيبني الصلاة عليه وهذا لا وجه له فإنه لا يتحقق من حاله شيء مع الشك اللهم إلا أن يريد أنه يرجع إلى الأقل كما قاله الشافعي وقد ذكرنا ما يتوجه عليه من الإحتمال فأغنى عن الإعادة.

قالوا: حكي عن الناصر أنه قال: إذا كان الشك في الركعتين الأوليين فعليه الإعادة، وإن كان الشك في الآخرتين بنى على الأقل أو تحرى وعمل على تحريه.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأن الأدلة الشرعية من الأخبار النبوية لم تفصل بين أن يكون الشك عارضًا في الأوليين أو الآخرتين فلا وجه لهذا التفصيل.

وأما ثانيًا: فلأن ما ذكروه مطابق لما قلناه من أنه إذا كان الشك أول ما عرض له وكان مبتدأ فإنه يعيد الصلاة ويستأنفها وما ذكره في الركعتين الآخرتين من احتمال البناء على الأقل والتحري فسنقرر الكلام فيه، وإنما الغرض هاهنا هو الاستئناف في حق من عرض له الشك من أول أمره، وهكذا ما حكي عن أبي حنيفة من الأحوال الثلاثة فإنه موافق لنا في الحالة الأولى إذا كان المصلي مبتدأ بالشك فإنه يستأنف الصلاة فلا وجه للرد عليه.

المسألة الثانية: في المصلي إذا كان الغالب من حاله الشك وكان يمكنه التحري والبناء على غالب الظن فمن هذه حاله هل يعمل على ما يؤدي به التحري أو يبني على الأقل؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه يبني على ما أداه إليه التحري وتغليب الظن، وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب وقرره للمذهب، وهو محكي عن ابن عمر وأبي هريرة وجابر بن زيد وإبراهيم النخعي.

والحجة على هذا: ما روى علقمة بن عبدالله أن الرسول قال: (( إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا"فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب وليتمه ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو ) )."

المذهب الثاني: أنه يبني على الأقل، وهذا هو المحكي عن عطاء، وعبد الرحمن بن عوف.

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا"فليبن على اليقين وليدع الشك ) ). وظاهر هذا الخبر دال على أنه لا يعول على التحري ولكن يبني على الأقل، وهذا هو مرادنا."

والمختار: ما قاله السيد أبو طالب ونصره.

وحجته: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا كنت في الصلاة فشككت في ثلاث أو أربع"وأكثر ظنك على أنها أربع تشهدت وسلمت وسجدت سجدتي السهو ) ) ( [2] ) ."

وروي عنه أنه قال: (( إذا شك أحدكم في صلاته"فليتحر ثم ليتم ثم ليسجد سجدتي السهو ) ). فهذه الأخبار كلها دالة على أن التحري هو الواجب على المصلي عند الشك إذا كان ممكنًا له."

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( إذا صلى أحدكم وشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا"فليبن على اليقين وليدع الشك ) )."

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأن هذا الخبر محمول على من تعذر عليه التحري ولا يمكنه تغليب الظن فلأجل هذا كان له الرجوع إلى العمل على الأقل أو إلى الاستئناف كما ذكرناه من قبل.

وأما ثانيًا: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة على تغليب الظن والعمل عليه، وأخبارنا أحق بالعمل عند التعارض لظهورها وكثرتها فلهذا كانت أحق بالعمل.

ومن وجه ثالث: وهو أن التحري يجب العمل عليه واستعماله في العبادات متى تعذر العلم فيها بدليل صور نذكرها:

الصورة الأولى: الصوم إذا التبس على الأسير في دار الحرب في شهر رمضان فإنه يعمل على التحري، وإعمال الظن في مطابقة صومه لرمضان.

الصورة الثانية: التحري في الأثواب إذا كان بعضها طاهرًا وبعضها نجسًا فإنه يتحرى ويعمل على غالب ظنه فما أدَّاه ظنه إليه عمل عليه.

الصورة الثالثة: الأواني إذا كان فيها ماء طاهر وبعضها نجس فإنه إذا أراد التوضيء فإنه يعمل أمارة الطهارة والنجاسة والتغليب على ظنه ويتوضى ولا يتيمم لأن التحري هو منتهى تكليفه.

الصورة الرابعة: القبلة. فإنه إذا اشتبه عليه الأمر في الصلاة إلى القبلة والتبست عليه الأمارات الموصلة إلى الكعبة فإنه يتحرى ويعمل على ما يؤدي إليه اجتهاده من أي الجهات صلى إليها.

الصورة الخامسة: وقت الصلاة إذا التبس عليه الأمر لدوام الغيم وأراد الصلاة فإنه يعمل رأيه في حصول الأمارات التي ينقدح بها الظن في دخول وقت الصلاة فيعمل عليه.

الصورة السادسة: تقويم قيم المستهلكات وأروش الجنايات ونفقة الزوجات فإنها مبنية كلها على التحري، وطلب الأمارات في هذه الأمور كلها، وإذا كان الأمر كما قلنا في تحكيم غلبات الظنون على التحري والنظر في الأمارات فهكذا يكون التعويل عليه عند عروض الشك في الصلاة وكان ممن يمكنه التحري.

المسألة الثالثة: في حكم المصلي إذا كان ممن يمكنه التحري وتغليب الظن لكن استوى في حقه الأمران جميعًا فلم يترجح له أحدهما دون الآخر فمن هذه حاله فإنه يجب عليه استئناف الصلاة، وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب واختاره للمذهب.

والحجة على هذا: هو أن حكم التحري قد بطل في حقه لاستواء الأمرين، وإذا كان الأمر هكذا وجب عليه الاستئناف وليكون مؤديًا للصلاة بيقين ويخرج عن عهدة الأمر بما ذكرناه وينزل منزلة من كان مبتدأ بالشك في أول مرة فإذا أوجبنا عليه استئناف الصلاة حتى يكون مؤديًا للصلاة بيقين فهكذا من استوى في حقه الأمران فإنه يلزمه الاستئناف من غير فرق بينهما والجامع بينهما أن كل واحد منهما لا معنى للتحري في حقه فلهذا وجب عليه الاستئناف لأن هذا تعارض في حقه الأمران بحيث لا ترجيح والمبتدأ الأغلب من حاله أنه لم يأت بشيء من الصلاة فلهذا وجب عليهما جميعًا الإعادة، لما ذكرناه ويدل على ما قلناه ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا فليستأنف الصلاة ) )فهذا كما يدل على استئناف في حق الشاك لم يغلب على ظنه شيء فهو دال على أن المصلي إذا كان يمكنه التحري واستوى عنده الأمران من غير ترجيح فإنه يلزمه الاستئناف.

المسألة الرابعة: في حكم من كان مبتلى بكثرة الشك ولم يمكنه التحري وتغليب الظن لاستحكام الشك عليه فإنه يبني على الأقل.

والحجة على هذا ما روى عبدالرحمن بن عوف عن الرسول أنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إذا شك أحدكم في صلاته فشك في الواحدة والثنتين"فليجعلهما واحدة، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا حتى يكون الوهم في الزيادة ) ). فهذا الخبر دال على الرجوع إلى الأقل فيجب حمله على من ذكرناه وقد استعملنا الأخبار كلها من غير رد لشيء منها، وحملنا كل واحد منها على ما يقتضيه الدليل فمن أمكنه التحري عمل عليه ومن لم يمكنه التحري فإنه يبني على الأقل لكثرة شكه واستيلائه عليه وهذه طريقة مرضية أعني الجمع بين الأخبار وتنزيل كل واحد منها على ما يقتضيه الدليل الشرعي من غير رد لشيء منها كما ذكرناه."

المسألة الخامسة: في حكمه إذا بنى على الأقل ثم أيقن أنه صلى خمسًا فهل يعيد الصلاة أم لا؟ فيه قولان:

القول الأول: أنه يلزمه إعادة الصلاة إذا تحقق زيادة الخامسة، وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس وارتضياه.

القول الثاني: أنه لا تلزمه الإعادة، وهذا هو الذي أشار إليه المؤيد بالله وقد ذكرنا وجه القولين فيما مضى وذكرنا المختار وأوضحنا الانتصار له فأغنى عن التكرير.

قال المؤيد بالله: ومن اعترض له الشك فلم يتحر حتى فرغ من صلاته ثم غلب على ظنه أن صلاته صحيحة لم تكن عليه الإعادة وذلك لأن المقصود هو الخروج عن عهدة الأمر بأداء الصلاة فإذا غلب على ظنه صحتها فقد حصل الغرض المطلوب بصحتها وغلبة ظنه كافية في ذلك فإن خرج من صلاته وكان عنده أنه أتمها ثم عرض له الشك بعد ذلك لم يكن للشك العارض حكم لأنه قد حصل له من جهة نفسه إتمامها وهو الأصل المعمول عليه فلا وجه لعروض الشك فإن كان الشك قبل الخروج منها تحرى وبنى عليها سواء كان ذلك في الأوليين أو الأخريين لأن الشك يقوى تأثيره إذا كان قبل الخروج منها فيعمل على ما يقوى له من التحري أو الرجوع إلى الأقل أو إلى الاستئناف على ما قد قررناه من قبل، وإن سها في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا فبنى على تحريه ثم حصل له اليقين أنه قد أدَّاها صحيحة وزال الشك لم تكن عليه الإعادة لكونها مؤداة على الصحة ولم تلزمه سجدتا السهو لأن مع اليقين لا وجه للجبران بسجود السهو لأنه إنما يلزمه إذا شك ثم أدَّاها بغلبة الظن فأما مع اليقين فلا.

الفرع الثالث: في حكم الشك إذا وقع في ركن من أركان الصلاة.

قال المؤيد بالله: ومن شك في تكبيرة الافتتاح أو القراءة أو الركوع أو السجود فإنه يتحرى ويعمل على غالب ظنه.

واعلم أن كل من ترك ركنًا من أركان الصلاة نحو القيام والركوع والسجود وغير ذلك من الأركان العشرة المفروضة التي أسلفنا ذكرها فليس يخلو حاله إما أن يمكنه التحري وتغليب الظن أو لا، فإن كان يمكنه التحري وتغليب الظن عمل على ما أدَّا إليه التحري سواء كان مبتلى بكثرة الشك أو كان الشك أول عارض في حقه وإن كان لا يمكنه التحري وتغليب الظن فإنه يبني على الأقل فيما كان يتكرر كالسجود فإنه إذا شك أنه سجد سجدتين أو سجدة واحدة فإنه يبني على الأقل، وإن كان فيما لا يتكرر نحو أن يشك في أنه ركع أو سجد فإنه يبني على إعادته وهكذا لو شك في القراءة وتكبيرة الافتتاح.

فحصل من هذا أن حكم الركن مخالف لحكم الركعة فإنه إذا شك في ركن من أركانها فإنه يلزمه أن يأتي به ولا يلزمه الاستئناف وليس كحال حكم الركعة فإنه إذا شك فيها وكان الغالب من حاله السلامة فإنه يلزمه الاستئناف والتفرقة بينهما من وجهين:

الفرق الأول: ذكره السيد أبو طالب وتقرير ما قاله هو: أن الركعة لا تكون إلا مقصودة وسائر الأركان قد تكون مقصودة وقد تكون غير مقصودة وما يكون من الأركان زيادة مقصودة في محلها يفسدها وسائر ما لا تكون مقصودة لا يفسدها، وإذا كان الأمر كذلك فالشك في زيادة لا تكون إلا مقصودة من الفرائض يجب أن يكون أبلغ في فساد الصلاة من الشك فيما يكون مقصودًا وقد لا يكون مقصودًا وذلك يقتضي الفصل الذي ذكرناه، هذه ألفاظه.

الفرق الثاني: هو أن الركعة مشتملة على أركان متعددة كالقيام والركوع والسجود والقراءة والقعدة بين السجدتين فالركن بعض أجزاء الركعة وجزء الشيء لا يكون مساويًا لكله فلأجل هذا كان حكم الركعة مخالفًا لركنها فإذا شك في الركعة وكان مبتدأً أعاد الصلاة بخلاف الركن فإنه يبني على الأقل فافترقا.

الفرع الرابع: قال المؤيد بالله: ومن شك في ركوعه أو سجوده وعلم من عادة نفسه سجدة التحري في الصلاة والتحفظ لأركانها جاز له الأخذ بما عهد من حاله بعدما ثبت له ذلك ولم يقابله ما ينافيه.

واعلم أن العلم باستمرار الأمور العادية ضروري لا مرية فيه، وهذا نحو العلم بما تجري به العادة من هذه الأشياء المعتادة، نحو طلوع الشمس والقمر وغروبهما وسائر الكواكب ونحو توالد الحيوانات كل جنس من جنسه، ونحو النباتات كل جنس من جنسه، فهذه الأمور كلها طريقها العادة فإذا كانت العادة موصلة إلى العلم فيما هو معلوم فإيصالها إلى غلبات الظنون فيما هو مظنون أحق وأولى، فإذا عرفت هذا فالعادة ليست من التحري ولا من النظر في الأمارات في ورد ولا صدر ولكنها أصل في تغليب الظن بصحة ما تعلقت به وإنما يعول عليها في صحة الصلاة بشرطين:

الشرط الأول: أن يكون المصلي قد أتى بشرائط صحة الصلاة في الأقوال والأفعال من غير إخلال بشيء منها.

الشرط الثاني: أن لا يعارضها ما يناقضها من وجوه الفساد، وإذا كان الأمر كما قلناه جاز التعويل عليها في صحة الصلاة على ما جرت عليه عادة المصلي في التحفظ والإحتراز.

قال المؤيد بالله: ومن شك في صلاته فأدَّاها على التحري وغلبات الظنون وجب عليه سجود السهو إلا أن يتيقن أنه أتى بها صحيحة وكلامه هذا يشير به إلى أن للمصلي حالتين عند الشك في الصلاة:

الحالة الأولى: أن يتحقق بعد الشك أنه أدَّاها على الصحة والخروج عن عهدة الأمر وعند هذا لا يلزمه سجود السهو لأن العلم لا يجوز خلافه ولا وجه لتطرق النقصان إليها فتجبر بالسهو ( [3] ) .

الحالة الثانية: أن يؤديها على التحري وتغليب الظن وعلى هذا تكون مجزية له ويخرج بها عن عهدة الأمر بالظن وهو غاية تكليفه لكنه يجب عليه سجود السهو للجبران من جهة أن الظن يجوز خلافه فلهذا جبره بالسجود.

قال المؤيد بالله: ومن اعترض له الشك في صلاته فلم يتحر حتى فرغ منها ثم غلب على ظنه أنها صحيحة فلا إعادة عليه. وهذا جيد فإن الشك إذا عرض فلا بد من دفعه إما بالتحقق بالأداء على الصحة وإما بغلبة الظن فكل واحد من هذين كاف في الخروج عن الشك ودفعه فإذا غلب على ظنه بعد الفراغ منها صحتها فقد حصل الإجزاء وبطلت الإعادة لأن الإعادة إنما تكون بما فسد وكان الوقت باقيًا لكن يجب عليه سجود السهو.

الفرع الخامس: ومن شك في ركعة فتحرى في أخرى وبنى عليها فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه قولان:

القول الأول: أن صلاته صحيحة، وإن تأخر تحريه من ركعة إلى أخرى أو تأخر تحريه إلى آخر الصلاة، وهذا هو رأي المؤيد بالله.

وحجته على هذا: هو أنه إذا شك في ركعة فإن المقصود بالتحري هو تغليب الظن بالأمارات الصحيحة على كون الصلاة صحيحة وكونها مجزية وهي في انتظامها تنزل منزلة الفعل الواحد ولهذا كانت الموالاة معتبرة فيها فلا فرق بين أن يتحرى في الركعة المشكوك فيها أو في الثانية أو في آخر الصلاة في حصول الإجزاء والخروج عن عهدة الأمر.

القول الثاني: أن التحري إنما يكون على الفور، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس.

وحجته على هذا: هو أن المصلي إذا دخل في الصلاة وشك في ركعة من ركعاتها فلا سبيل إلى البناء عليها إلا بعد أدائها على الصحة والثبات فإذا خرج منها من غير تحر كان بناؤه عليها في الركعة الثانية أو بعد فراغه من الصلاة إخلالًا بشرط الصحة فلهذا كانت فاسدة.

والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأمرين:

أما أولًا: فلأن المقصود هو تأدية الصلاة على نعت الصحة بالتحقق أو غلبة الظن وهذا حاصل سواء كان عقيب الشك أو بعده إذا كانت الصلاة مشتملة عليه.

وأما ثانيًا: فلم تدل دلالة على وجوب الفور في التحري فيعمل عليها وإنما المقصود حصوله قبل فراغه من الصلاة.

الفرع السادس: قال المؤيد بالله: ولو شك المؤتم خلف الإمام لم يكن له أن يتحرى بل يتبع الإمام ولا يلتفت إلى عارض شكه فإنما وجب ذلك لأمرين:

أما أولًا: فلقوله: (( الإمام ضامن ) )ولا معنى لضمانه إلا بحمله لما عرض من النقصان في الصلاة.

وأما ثانيًا: فلقوله: (( إنكم تصلون بهم فما صح فلكم ولهم"وما فسد فعليكم دونهم ) ). وفي هذا دلالة على ما قلناه."

ومن وجه آخر: وهو قوله: (( لا تختلفوا على إمامكم ) ). ولم يفصل. فظاهر الخبر دال على أنه لا معنى لإنفراد المصلي بالتحري لأن ذلك يكون مخالفة للإمام.

وقال أيضًا: في رجل كثير السهو في صلاته صلى بجهده فلما بلغ آخر الجلسة أيقن أن صلاته صحيحة ثم بعد إتمام التشهد لم يذكر غير ما هو فيه أنه إذا ذكر عند التشهد تمام صلاته لم تلزمه الإعادة.

واعلم أن هذا إنما يكون في حق من غلبه السهو وكثرة الوسوسة في الصلاة، فإذا حصل له اليقين في آخر الصلاة أن صلاته صحيحة وذهل عن ذكر أول صلاته ولم يذكر إلا ما هو فيه اجزأه ذلك لأن الأصل في الإجزاء وسقوط الإعادة في الوقت والقضاء بعد فواته هو تحققه أن صلاته صحيحة وهذا حاصل ونسيانه وذهوله لما سبق من أعمال الصلاة لا يطرق خللًا بعد تحققه لصحة الصلاة ولا يلزمه سجود السهو مع التحقق كما مر في نظائره.

وقال أيضًا: ويكره لمن شك في صلاته الخروج منها لإعادتها إذا أمكنه التحري فيها وإنما كره ذلك لما فيه من إبطال العمل، وقد قال تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] . وهذا إنما هو في حق من يمكنه التحري في الصلاة.

الفرع السابع: اعلم أن العبادات التي تُعِبِّدنا بأدائها والتكاليف التي أمرنا بفعلها منقسمة بالإضافة إلى طرقها إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول منها: ما كان ثابتًا بطريق معلوم وهذا نحو أصل الصلاة والزكاة والحج والصوم فإن هذه العبادات أصولها ثابتة بطرق معلومة ضرورة من الدين وإنكارها يكون كفرًا ورِدَّة، والشك فيها يكون شكًا في النبوة، وأما تفاصيلها فثبوتها يكون بطرق مظنونة وهو أخبار الآحاد وعليها التعويل في تقريرها والأقيسة حيث يكون لها مدخل فيها فإذا وقع الشك فيها جاز الأخذ فيها بغالب الظن والأمارات.

القسم الثاني: ما يكون أصله ثابتًا بطريق مظنون وهذا نحو أصل النية في الصلاة والقراءة وتعيين فاتحة الكتاب وغير ذلك مما وقع فيه الخلاف في مسائل الصلاة، فما هذا حاله يجوز أداؤها بغالب الظن وإذا دخل الشك جاز تحكيم الظن في أدائه، وأما تفاصيلها فثابتة أيضًا بطرق مظنونة وهذا نحو كيفية النية ومقدار القراءة وغير ذلك من تفاصيل مسائل الصلاة وما يتوجه فيها من مسائل الخلاف فإذا دخل الشك فيها جاز أداؤها بغالب الظن لأن أصلها إذا كان ثابتًا بطريق مظنون فتأدية التفاصيل بالطرق المظنونة أولى وأحق.

القسم الثالث: ما يكون أصله ثابت بطريق معلوم فلا يجوز دخول الشك فيه ولا يجوز دخول النظر في تقرير أصله وهذا نحو الوضوء فإن أصله معلوم بالضرورة من الدين لا يقع فيه خلاف، وأما تفاصيله فهل يجوز تأديتها بغلبة الظن إذا وقع الشك فيها أم لا؟ فيه قولان:

فالقول الأول: أنه لا يجوز الأخذ فيها بغالب الظن إذا وقع الشك في تطهير عضو من أعضاء الوضوء التي طريق العلم بوجوبه النص والإجماع، فإذا وقع الشك فيها وجبت الإعادة فيه وفيما بعده حتى يتحقق فعله يقينًا سواء كان قبل دخوله في الصلاة أو بعد دخوله فيها وسواء كان الوقت باقيًا أو قائتًا، وهذا هو رأي الهادي.

القول الثاني: أنه إذا وقع الشك في تطهير عضو من هذه الأعضاء التي طريق وجوبها النص والإجماع فإنه يجوز أداؤه بغالب الظن والأمارات الصحيحة، وهذا هو رأي المؤيد بالله وقد قدمنا الكلام فيها وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة.

قاعدة: اعلم أن الجمع بين الأحاديث طريقة مرضية باتفاق الأصوليين من أئمة العترة وجماهير المعتزلة والأشعرية المعولين على العمل على أخبار الآحاد والمصرحين بقبولها في أحكام الشريعة من العبادات وأنواع المعاملات فإذا كان الجمع بينهما ممكنًا فلا مزيد على حسن هذه الطريقة لأنه يكون قبولًا بجميعها، وإن تناقضت ولم يمكن الجمع بينها فلا بد من إعمال النظر في ترجيح بعضها على بعض بالإضافة إلى سنده ومتنه، وغير ذلك من طرق الترجيح التي أودعناها الكتب الأصولية. فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأحاديث والأخبار الواردة في شأن الشك في الصلاة واردة على مراتب ثلاث:

المرتبة الأولى: في الأخبار الدالة على استئناف الصلاة إذا وقع الشك في الصلاة وهي محمولة على وجهين:

أحدهما: فيمن كان حاله السلامة والشك أول ما ورد عليه، فمن هذه حاله يجب عليه استئناف الصلاة ليكون مؤديًا للفرض على حقيقة ويقين من حاله.

وثانيهما: أن يكون واردًا في حق من استوى عنده الأمران أنه صلى ثلاثًا ولم يترجح له أحدهما على الآخر فمن هذه حاله يجب عليه استئناف الصلاة ليخرج عن عهدة الأمر بالصلاة بما ذكره من الإستئناف.

المرتبة الثانية: أن تكون الأحاديث واردة على وجوب التحري والنظر في الأمارات الموجبة لانقداح الظن وهي محمولة على من يمكنه التحري والنظر في الأمارات الدالة على ترجيح أحد الأمرين على الآخر وهو أكثر ما ورد من الأحاديث وذلك لأن الغالب من حال الشك القوة على الترجيح فلهذا وردت الأخبار الكثيرة على استعمالها والمواضبة عليها.

المرتبة الثالثة: في الأحاديث الدالة على العمل علىالأقل وهي محمولة على من لا يمكنه التحري وتغليب الظن على أحد الاحتمالين، فمن هذه حاله فإنه يبني على الأقل فالأحاديث الواردة في الشك في الصلاة لا تخرج عما ذكرناه من هذه المراتب الثلاث وقد حملنا كل واحدة منها على ما يقتضيه حكمه من غير حاجة إلى قبول بعضها ورد البعض أو النظر في الترجيح لأنا إذا حملناها على ما ذكرناه من هذه المعاني الجامعة لها فلا حاجة بنا إلى تناقضها وترجيح بعضها على بعض لأن في حملها على ما ذكرناه من الأمور الجامعة غنية عن حملها على المناقضة والترجيح، فهذا ما أردنا ذكره في ذكر الشك الوارد على المصلي في الصلاة وأحكامه.

( [1] ) تقدم قريبًا عن ابن مسعود من رواية مسلم.

( [2] ) أخرجه البيهقي في (الكبرى) 2/336، والدار قطني1/378، وأبو داود 1/270.

( [3] ) يقصد لا يلزم جبرانها بسجود السهو. و الله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت