فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 129

عندما كنا في المدرسة العلمية ( [1] ) طلابًا.. كنا نسمع عن كتاب (الانتصار) اسمًا مجردًا وملخصًا في هذه الكلمة، مثل ما نسمع عن الإمام يحيى بن حمزة.. وذلك عند أن نسمع من أساتذة المدرسة (المشائخ) ، أو فيما نقرؤه من كتب المنهج المقررة، في عبارات: (قال في الانتصار..) ، (أورده صاحب الانتصار..) ، (أوضحه يحيى بن حمزة) ، (وخالفه يحيى بن حمزة) ، (و هو ما قاله الإمام يحيى بن حمزة في الانتصار) .

وقلما يرد فيما نقرؤه من هذه الكتب اسم كتاب (الانتصار) مقرونًا باسم مؤلفه. ولذا فإن كثيرًا من الطلاب حينها لم يكن يعرف أو يهتم بأن يعرف أن كتاب (الانتصار) هو من مؤلفات يحيى بن حمزة، أو أن يحيى بن حمزة هو مؤلف الكتاب.

وإذا اقتصر الطالب على الكتب المقررة في المدرسة العلمية، فإنه يقضي السنوات الخمس أو السبع أو التسع فيها، دون أن يعرف عن كتاب (الانتصار) أكثر من أنه كتاب في الفقه.. وعن يحيى بن حمزة أكثر من أنه واحد من كبار علماء اليمن. أما ما زاد عن ذلك من معلومات أخرى، مثلا: عن حجم (الانتصار) وأجزائه وحتى اسمه الكامل وتعليله، وعن عصر يحيى بن حمزة ومؤلفاته.. وما إلى ذلك.. فإنها أشياء لا يعرفها إلا العالمون، والسبب لا يعود إلى عدم توفر هذه المعلومات أو مصادرها فقط، بل يعود أولًا وقبل كل سبب، إلى عدم الاهتمام بشيء خارج نص الدروس المقررة.

وهذه الحال لا تخص كتاب (الانتصار) أو مؤلفه يحيى بن حمزة.. بل تعم كل الكتب والمؤلفين مما ليس مقررًا ضمن منهج المدرسة. وأكثر من هذا، أن الحال تعم أيضًا، الكتب المقررة فيما يتعلق بأسماء الكتب ومؤلفيها. حيث أن تداول أسمائها يأتي ملخصًا، ثم لا تتجاوز معارف الطلاب في الغالب، تلك الأسماء والألقاب والعناوين الملخصة.

وعلى سبيل المثال.. أسماء الكتب المقرونة ملخصة باسم المؤلف، كما كانت متداولة في المدرسة العلمية من الكتب المقررة مثل:

-كافل لقمان ( [2] ) .

-متن ابن الحاجب. أو الحاجبية ( [3] ) .

ولا نبالغ إذا قلنا بأن القليل أو النادر من طلاب المدرسة العلميه حينها، من كان يعرف أو يهتم بأن يعرف أن اسم الكتاب الأول كاملًا، هو: (الكاشف لذوي العقول عن معاني الكافل بنيل السؤول) ، وأن اسم مؤلفه: أحمد بن محمد بن لقمان (أصول الفقه) . وأن اسم الكتاب الثاني: (كافية ذوي الأرب في معرفة كلام العرب) (نحو) . وهكذا معظم الكتب ومؤلفيها.

وهكذا ظللنا في المدرسة العلمية السنوات الثلاث الأولى من سنوات الدراسة بها ( [4] ) وتركنا المدرسة ونحن لا نعرف عن كتاب (الانتصار) أكثر من أنه كتاب في الفقه للإمام يحيى بن حمزة، ولا نعرف عن يحيى بن حمزة ما قد يتجاوز العلم بأنه مؤلف كتاب (الانتصار) .

ونعتقد أن هذه الحال هي أكبر وأعمق من صورتها التي تظهر بها، وأنها ذات علاقات وآثار متعددة وواسعة في مجال التراث الفكري الإسلامي في اليمن. وأنها بالتالي.. جديرة بالبحث وما أكثر الجوانب والمجالات الجديرة بالبحث في تراثنا الإسلامي في اليمن. وهذا يلح علينا أن نمر بجانبين من هذه الحال التي كانت قائمة:

الأول: أسبابها.

ونعتقد أن من أوائل الأسباب:

1-أسلوب المؤلفين.. حيث درجوا على تداول عناوين وأسماء الكتب والمؤلفين بأساليب ملخصة، تعتمد:

أولًا: على الاقتصار في ذكر أي منها، ومنهم في حدود حاجة الاستدلال والتوضيح وذكر المرجع. فيكتفي الواحد منهم في مؤلفه بذكر ما لا بد منه في المسألة.

ثانيًا: استخدام أبرز وأقل الكلمات عند الإشارة إلى المرجع، فيقول مثلًا: ذكره صاحب (الغاية) ( [5] ) وقال في (الأزهار) ، وهكذا.

2-كذلك فإن مؤلفي كتب التراث هذه -وبصفة عامة لا تكاد تجد فيها حالة استثناء- درجوا على قصر كل منها في نطاق موضوعه فقط، من بداية الكتاب بـ (أما بعد فإن علم(كذا) ..) (وهذا ما دفع بي إلى تأليف هذا الكتاب الذي سميتة) (فأقول وبالله التوفيق..) . وحتى يصل إلى نهايته في (والله تعالى أعلم، وبهذا تم الكتاب بعون اللّه تعالى في يوم...) .

دون أن يعطي المؤلف أي اهتمام لمسألة التراجم أو الفهارس الملخصة لما ذكره في مؤلَّفه من أعلام ومراجع. وهي قاعدة وأسلوب شائعان لدى مؤلفي كتب التراث الإسلامي في البلدان العربية وغيرها، وإن كانت في اليمن ربما أظهر وأكثر.

قد يقال بأن صعوبة الكتابة المخطوطة باليراع والمحبرة واليد، كانت السبب الأول. ونعتقد أن هذا ليس السبب الأول ولا الأخير، فهم معروفون بالصبر على تحمل كل المشاق والصعاب من البحث عن الكتب واستيعابها قراءة واستقراءً، ومن الترحال والتنقل بين المدن والأقطار لطلبه وتلقيه عن أعلامه.. إلى الحد الذي يدفع أعلامًا من أمثال عبدالرزاق الصنعاني ( [6] ) أن يذهب إلى الشام والعراق بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، بحثًا عن بضعة أحاديث يريد أن يسمعها من رواتها أو من طرق أخرى، وأن يرحل الشافعي إلى اليمن مؤكدًا إصراره بقوله المشهور: (لابد من صنعاء وإن طال السفر) ، ولنفس الغرض. وغيرهما كثير.

ولكن السبب الحقيقي كما نعتقد، هو عدم إعطاء جانب التراجم والفهارس ملحقة بالمؤلفات، أي اهتمام؛ لأنهم لا ينظرون إليها في عصورهم من الزاوية التي ننظر إليها الآن. ولا يعني هذا أنهم يطّرحون شيئًا من قيمة التراجم العلمية، أو ينقصون مكانتها في كونها فنًا مستقلًا ذا وظيفة أساس في تصنيف النسيج الفكري للفنون والعلوم المتعددة، ولكن الذي يظهر من مؤلفاتهم بعامة أنهم في هذه الناحية، يحرصون على تأكيد ما يمكن أن نطلق عليه صفة التخصص والفصل في التأليف بين مختلف الفنون والعلوم. ولذا ظلت كتب ومؤلفات التراجم والمعاجم والطبقات، علمًا متميزًا مستقلًا عما عداه. (ومن أراد مزيد تفصيل فليرجع إلى المطولات) ( [7] ) .

والجانب الثاني:

عدم الاهتمام بتدريس كتب التراجم أو حتى بإدخالها ضمن مراجع المنهج المقرر.

( [1] ) في جامع الإمام الهادي بصعدة. إحدى المدارس العلمية التي كانت خاصة بتدريس علوم الفقه في اليمن.

( [2] ) (الكافل بنيل السؤول في علم الأصول) أصول الفقه لمؤلفه أحمد بن محمد لقمان المتوفى سنة 1039هـ.

( [3] ) مختصر معروف في النحو، عليه أكثر من شرح مثل (الخبيصي) وحاشية السيد المفتي.

( [4] ) اثنتى عشرة سنة.

( [5] ) (غاية السؤول) في أصول الفقه للحسين بن القاسم بن محمد المتوفى سنة 1050هـ بمدينة ذمار.

( [6] ) صاحب المسند المشهور في الحديث المعروف بـ (مصنف عبدالرزاق) .

( [7] ) عبارة معروفة يستخدمها المؤلفون في كتب التراث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت