الحمد لله وصلاة على سيدنا محمد وآله، اللهم أعن يا كريم.
الحمد لله القيوم الذي لا تستولي على كنه جلاله عميقات مذاهب الفكر والأفهام، المتعالي بكبريائه عن أن ترتقي إليه متاهات الظنون والأوهام، المنزه في ذاته عن مشاكلة المكونات من الأعراض والأجسام، البعيد عن الحصول في الأماكن والجهات على حد تَحَيُّز الأجرام، المقدس بالصفات الإلهية الشريفة العظام، المسبَّح بالأسماء على ألسنة الملائكة الكرام، المنعم الذي ضرب علينا من فضله سرادقات نعمه الجسام، وأرخى علينا من جوده سرابيل المنن والإنعام، بما ألهمنا من معرفة معالم الدين والإسلام، وخصنا بما عرَّفَنا من حقائق الشرائع والأحكام، وتمييز الحلال من الحرام.. وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، شهادة تكون سببًا لإحراز عفوه وغفرانه، وذريعة إلى الفوز بثوابه وعظيم رضوانه. والصلاة على رسوله المؤيد بالواضحات من الأعلام، الهادي إلى الرشد الداعي إلى دار السلام، محمد المحمود في طرائقه وآثاره، وإمام من اهتدى بهديه وعلم مناره، وعلى آله الطيبين الذين أشرق بضياء علومهم عن الدين كل ظلام، وانحسر بنور أنظارهم عنه كُدُورة كل قتام، حتى رسخت عروقه وتقررت منه مواضع الأقدام، فتجلَّت أنواره عن حقائقها وأسرارها، وطلعت شموسه واضحة فأسفر وجه نهارها. فجزاهم اللّه عن حميد سعيهم في دينه أعظم رضوانه، وأحلهم أعلى الدرجات من فضله ومزيد إحسانه.
أما بعد: فإن أفضل ما شغل الإنسان به نفسه وأفنى فيه عمره، هو طلب العلم وإعطاؤه، فإنه أفضل الأعمال وأشرفها، سواء وفق لإحرازه طالبه أو أخطأه. ثم إن الباعث على هذا الإملاء غرضان:
فالغرض الأول منهما هو: أن العلم لما كان من أعلى المراتب وأسناها وأشرف المناقب وأرفعها وأحظاها، وأنفس الأعمال وأزكاها، وأشرف ما يخلفه الإنسان بعد الموت، لشرفه وعلو فائدته في الدين .. فأحببت أن يكون لي بعد الموت ما عسى أن يبقى ثوابه ولا ينفد أجره، تصديقًا لقوله تعالى: {إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ \s"\c 1} [يس:12] . وفي الحديث عن صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه: (( إذا مات ابن آدم انقطع عنه سائر عمله إلا ثلاثة \s"\c 2: علم ينتفع به، أو صدقة تجري، أو ولد صالح يدعو له ) ) ( [1] ) .
والغرض الثاني: أن اللّه تعالى لما وفقني لإتمام كتاب (العمدة في المباحث الفقهية) ( [2] ) وكنت قد اقتصرت فيه على ذكر المذهب ودليله، وذكر من خالف مذهبنا أو وافق من علماء الأمة وفقهاء العامة، وألغيت ذكر أدلة المخالفين، وذكر المختار من الأقاويل في المسألة، وتقرير الحجة عليه، ووعدت في صدر الكتاب أن اللّه تعالى إن نفس لي في المهلة وتراخى الأجل ضممت إليه كتابًا، فلما أنجز اللّه العِدَةَ، وصدق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب فأجعله كتبًا، ثم أضمن الكتب أبوابًا، ثم أحشو الأبواب فصولًا، والفصول مسائل، فأذكر في كل مسألة من خالف فيها، وأورد لكل مجتهد حجته من الأدلة، ولم آل جهدًا في تقرير كل مذهب من تلك المذاهب بدليله وإيراد أحسن ما أجده في نصرته وتقرير مقالته، حتى إذا أكملت المذاهب بأدلتها في المسألة، ذكرت المختار من تلك المذاهب وقررته بحجته، وأوردت الانتصار بإبطال ما خالفه، فصار في سياقه مرتبًا على مراتب ثلاث:
المرتبة الأولى: أن تكون المسألة قد وقع فيها خوض من أئمة العترة وفقهاء الأمة، وتكرر فيها النظر، وطالت فيها الخصومة، وحصل فيها النزاع بينهم. وهذا هو الأكثر المطرد من جهة أن معظم المسائل قد خاضوا فيه، وأفتى كل واحد منهم على حسب ما يعن له من النظر ويقوى من الدليل الشرعي، وما هذا حاله من المسائل، أذكر لكل واحدٍ منهم دليله وأوضحه، ثم أشفعه بذكر المختار من تلك المذاهب، وأذكر ترجيحه على غيره من تلك المذاهب المذكورة.
المرتبة الثانية: أن لا يكون لأئمة العترة فيها قول وللفقهاء فيها خوض.. وما هذا حاله فهو مغفور قليل ولا يُعثر عليه إلا على جهة الندرة، بالإضافة إلى ما قد خاضوا فيه، فأذكر المسألة وأوضحها ببراهينها الشرعية لكل واحد من المخالفين، ثم أذكر المختار من تلك الأقاويل، وما أراه صالحًا للمذهب منها بمعونة اللّه، فأما ما كان مجمعًا عليه فأذكره، ثم أوضحه بحجته من غير زيادة.
المرتبة الثالثة: ما لا يكون لأئمة العترة ولا لعلماء الأمة فيها قول، وما هذا حاله فإنما يُعثر عليه في الندرة ويوجد على جهة القلة، وهو أدخل في الندور من الذي قبله. وما هذه صفته، فأذكر المسألة وأوضحها بالحجة الشرعية على حد ما أجده وأعثر عليه، فلما نزلته على هذه الهيئة، ورتبته على هذا الترتيب، وصار معتمدًا في معرفة المذاهب وحجج التأويل، ووسيلة إلى تمييز الصحيح المختار من الأقاويل.. سميته بكتاب:
(الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة)
وأنا أسأل اللّه بجلاله وعلو شأنه وجبروت ملكوته وقاهر سلطانه، أن يوفق فيه القصد ويخلص فيه النية، ويحقق فيه الأمل ويصدق الأمنية، ويجعله خالصًا لوجهه، مطابقًا لرضاه بمنه وطوله، إنه قريب مجيب.
( [1] ) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.
( [2] ) كتاب (العمدة) في الفقه، ستة مجلدات كما جاء في مصادر الحبشي عن (أئمة اليمن) للعلامة زبارة.