ووجوب الصلاة إنما يتعلق بالبلوغ بأحد الأمارات إما بالاحتلام أو الإنبات أو بلوغ خمس عشرة سنة، فأما قبل ذلك فهل تجب عليه الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها غير واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والقول الصحيح للشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: (( رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق ) ) ( [1] ) .
المذهب الثاني: أن الصلاة واجبة على الصبي وإن لم يبلغ بأحد تلك العلامات الثلاث. وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل، وحكي عن الطبري أنه وجده في بعض كتب الشافعي، وأنكره أكثر أصحابه.
والحجة له على ما قاله: قوله: (( مروهم وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء عشر ) ) ( [2] ) .
فظاهر الأمر للوجوب.
والمختار: ما عليه الأكثر من الأئمة والفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو أن الصبا فيه نقصان العقل فلم يجز أن يخاطب الصبي بالصلاة كالمجنون.
الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه. وما أوردوه من الخبر فإنه محمول على الاستحباب.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا صلى الصبي في حال صباه فهل تكون صلاته شرعية أو غير شرعية؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته ليست شرعية، وهذا هو المحكي عن أئمة العترة وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن الصلاة الشرعية إنما تكون شرعية إذا تناولها الخطاب، ولا شك أن الخطاب غير متناول للصبي في حال صباه لأنه غير كامل العقل فأشبه المجنون فلهذا قضينا بأن صلاته غير شرعية.
المذهب الثاني: أنها شرعية، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة له على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( مروهم وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء عشر ) ). فلولا أنها صلاة شرعية في حقهم وأن ما فعلوه عبادة وإلا لما أمر بضربهم، ولأنها عبادة يرجع إلى شرطها العذر فجاز أن يتعبد بها في حال الصغر كالطهارة.
والمختار: ما قاله الأئمة ومن وافقهم من الفقهاء، ويدل عليه ما رويناه من الخبر، ونزيد هاهنا وهو أنها لو كانت شرعية لاستحق عليها ثوابًا ولكان مستحقًا للعقاب على تركها، ولو مات في حال صغره من غير صلاة لكان مستحقًا للعقاب. والإجماع على خلاف ذلك.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة.
قالوا: لولا أنها شرعية لما أمر بها وأمر بالضرب عليها.
قلنا: إنه لم يأمرهم بها وإنما أمر الأولياء على جهة التمرين والإرهاص بفعلها ليخف عليهم الإتيان بها عند البلوغ.
قالوا: ولأنها عبادة ترجع إلى شرطها في حال العذر كالطهارة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلا نسلم أن الطهارة تصح منه لأن الطهارة عبادة فلا تصح منه لافتقارها إلى النية وليس الصبي من أهل النية.
وأما ثانيًا: فلأن المعنى في الأصل أنها وصلة وليست مقصودة كالصلاة ويغتفر في الشروط ما لا يغتفر في الأمور المعتمدة.
الفرع الثاني: إسلام الصبي هل يكون صحيحًا أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: إسلامه غير صحيح، وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما رويناه من الخبر: (( رفع القلم عن ثلاثة ) ). وقد قدمناه فلا وجه لتكريره.
المذهب الثاني: أن إسلامه صحيح، وهذا هو رأي السيد أبي العباس، وهو قول الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه مأمور بالعبادات من الصلاة والصوم والحج وأن يكون إمامًا للجماعة والجمعة وهذه لا يصح شيء منها إلا مع سبق الإسلام منه فلهذا قضينا بكونه مسلمًا.
والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه، وهو أن الشرع قد دل على أنه غير مأخوذ بفعل شيء من العبادات كالصلاة والصيام والحج لكونه غير مكلف بها حتى يبلغ بأحد تلك الأمارات الثلاث، فإذا بلغ واحدة منها فإنه يؤخذ بجميع العبادات كلها. فأما من جهة الدين فلا يمتنع من جهة الدين والعقل ( [3] )
أن يكون هاهنا صبي له كياسة وفطنة وجودة في الذكاء يكون عمره ثماني أو تسعًا أو عشرًا من السنين يكمل اللّه له عقله فينظر في ذات اللّه تعالى وصفاته وحكمته وتصديق الرسول في كل ما جاء به، فما هذا حاله غير مانع من وجوده.
فإن نظر وحصلت له هذه المعارف الدينية كان مؤمنًا عند اللّه تعالى، وإن أعرض عن النظر وتركه كان كافرًا عند اللّه تعالى، فأما الأمور الشرعية والعبادات البدنية فلا نؤاخذه بتركها لأن الشرع قد عذره عن تأديتها إذ من المستبعد أن يكون كمال عقله عند بروز الفطنة أو بلوغ خمس عشرة أو إنبات الشعر.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: هو مأمور بالعبادات كما قررناه من قبل.
قلنا: إن كان الغرض الحكم بإسلامه عند الله لما كمل عقله في الصورة التي ذكرناها فهذا جيد لا غبار عليه، وإن كان غرضكم أنه مكلف بالأمور الشرعية ولم يبلغ أحد هذه الحالات التي هي أمارة في بلوغه فلا نسلم ذلك، فإن الشرع قد منع من تكليفه كما شرحناه.
الفرع الثالث: وإذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره فهل يلزمه الإعادة لما صلى أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الإعادة لازمة له وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة.
والحجة على ذلك:هو أنا قد قررنا أن العبادات لا تصح من جهة الصبي إلا بعد بلوغه فإذا أدَّاها قبل بلوغه لم تكن واجبة ( [4] )
فلهذا توجهت عليه الإعادة مع بقاء الوقت وسيأتي لهذا مزيد تقرير في الأعذار إذا زالت، وهذا هو أحد قولي الشافعي.
المذهب الثاني: أنه لا إعادة عليه وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب وهو فيها فلهذا لزمه إتمامها كمن دخل في صوم تطوعًا ثم نذر إتمامه، وحكي عن الشافعي أنه قال: تستحب له الإعادة، واستحاب الإعادة دال من كلامه على أن عدم الإعادة معلوم لا محالة.
والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن وافقهم.
والحجة على هذا: هو أن العبادات وجوبها ساقط عن الصبي فإذا فعل الصلاة قبل بلوغه لم يكن مؤديًا لها بنية الوجوب فلهذا توجهت الإعادة عليه.
الانتصار: قالوا: صلاته صحيحة.
قلنا: قد قررنا فيما سبق أن الصبي غير مخاطب بالعبادات، وأوضحنا الدلالة عليه من قبل.
الفرع الرابع: قد قررنا من قبل أن تأديتها من جهته غير صحيحة وهل تصح عقوده في المعاوضات من البيع والإجارة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن عقوده صحيحة بإذن وليه وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، فأما من غير إذن وليه فلا يجوز.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } [البقرة:275] ولم يفصل بين صغير وكبير، وقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء:29] . وهذا صادر على جهة التراضي فيجب القضاء بجوازه.
المذهب الثاني: أن عقوده غير جائزة، سواء كانت صادرة عن إذن وليه أو من غير إذنه، وهذا هو قول الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه غير كامل العقل فأشبه المجنون، أو نقول شخص لا تصح منه العبادات فلا تصح عقوده كالمجنون.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم.
والحجة لهم: ما أوردناه، ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] والآية فيها دلالة على ما قلناه من وجهين:
أحدهما: أن الإبتلاء هو الإمتحان والإختبار وهما مترتبان على البيع والشراء ومتوقفان عليه فلا يحصلان إلا بعد حصولهما.
وثانيهما: أنهما علامتان للإبتلاء والإختبار، ليعرف حاله في الرشد. فإذًا الآية دالة على ما قلناه.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: هو غير كامل العقل فأشبه المجنون.
قلنا: نقصان العقل في المجنون إنما هو فساد وتغير، وزوال العقل في الصغير ليس فسادًا وإنما نقصان فيكمل تصرفه بإذن الولي.
قالوا: شخص لا تصح عباداته فلا تصح عقوده.
قلنا: المقصود من العقود إنما هي المعاوضات وليس المحذور منها إلا الغبن وهذا يرتفع بإذن الولي، بخلاف العبادات فإن المقصود منها القربة والصبي ليس من أهل القربة فافترقا، فلا يلزم من بطلان عباداته بطلان عقوده.
الفرع الخامس: ينبغي لولي الصبي أن يأمره بفعل الطهارة والصلاة إذا صار ابن سبع وكان مميزًا ويضربه على ترك ذلك إذا كان ابن عشر، لما روي عن الرسول أنه قال: (( مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع ) ) ( [5] ) .
والخطاب بالأمر بالصلاة والضرب عليها إنما هو للآباء ويجب عليهم ذلك لظاهر الأمر ويأثمون بتركه كما يأثمون بترك المنع لهم عن شرب المسكر وسائر المنكرات، والأمر لهم بالطهارة والصلاة إنما هو على جهة التعويد والتمرين، حتى إذا بلغوا خف عليهم ذلك، وليس المقصود أن تأدية الصلاة منهم على جهة النفل إذًا لكانوا مثابين عليها وهو ممنوع، و إنما الغرض ما ذكرناه.
( [1] ) جاء في فتح الغفار ج1 ص105 عن عائشة عن النبي قال: (( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل ) )رواه أحمد والنسائي وأبو داؤد وابن ماجة وابن حبان والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وأخرجه أبو داؤد والترمذي من حديث علي ، وقال: حديث حسن...إلخ. اه.
( [2] ) تقدم، رواه أحمد وأبو داؤد والحاكم والترمذي وابن خزيمة بألفاظ متقاربة، ا ه.
( [3] ) يبدوا أن في العبارة تكرار، والقصد أن الصبي لا يمتنع من جهة العقل أن يكون كيسًا فطنًا ...إلخ.
( [4] ) أي: صحيحة.
( [5] ) تقدم.