فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 129

الفصل الثالث

في بيان ما لابأس بفعله في الصلاة.

اعلم أنا قد ذكرنا في الفصل الأول ما يكون مفسدًا للصلاة وذكرنا في الفصل الثاني ما يكون مكروهًا في الصلاة، والذي نذكره في هذا الفصل هو ما يكون فعله غير مفسد للصلاة ويقع التردد في جواز فعله أو تركه ونحن نورد هذه الفروع ونفصلها بمعونة الله تعالى:

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول: في ضبط المصلي لعدد الركعات بالأصابع أو بخط على الأرض أو بوضع الحصا، هل يجوز ذلك أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:

المذهب الأول: أنه لا بأس به، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن مالك والثوري وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبن أبي ليلى والنخعي.

والحجة على هذا: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ"} [البقرة:238] . وهذا من جملة المحافظة على أعداد ركعاتها وسجداتها."

المذهب الثاني: كراهة ذلك، وهذا هو رأي أبي حنيفة والشافعي.

والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله ليس من عمل الصلاة في شيء فلهذا كان تركه أولى؛ ولأنه يمنع من الخشوع ويشغل القلب عن الإقبال إلى الصلاة.

المذهب الثالث: أنه يكره في الفرض دون النفل، وهذا هو رأي أبي يوسف حكاه المنهلي ( [1] ) عنه.

والحجة على هذا: هو أن الفرائض المأخوذ فيها التصون والاحتراز عما يكون فيها نقصان لها من الاشتغال فيها بالمباحات بخلاف النوافل فإن الشرع قد تساهل فيها ولهذا يجوز أداؤها من قعود مع القدرة على القيام، فلأجل هذا جاز ما ذكرناه في النفل دون الفرض.

والمختار: ما قاله الهادي ومن تابعه من العلماء من جواز المحافظة بما ذكرناه على أعداد الركعات.

وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن المقصود هو سد باب الشكوك في الصلوات والإتيان بها على تمام وكمال في أعداد ركعاتها وسجداتها وبما شرع من تكرير التكبيرات في صلاة الكسوف وفيما شرع من تكرير التسبيحات في صلاة التسبيح وغير ذلك من النوافل المكررة قراءتها وتسبيحاتها، وما هذا حاله يضبطها وتكون بمراعاته مؤداة على الحد المشروع فيها فلهذا كان جائزًا.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: ليس هذا الذي ذكرتموه من الحصر بالخط على الأرض، وعقد الأصابع ليس من عمل الصلاة في ورد ولا صدر فلا حاجة إليه.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأنا قد أوضحنا ما فيه من مصلحة الصلاة باحراز أركانها وتأديتها على الوجه المطابق لبراءة الذمة عن اللزوم.

وأما ثانيًا: فالآن قد ارتفع النزاع فإن حاصل كلامكم أنه لا فائدة فيه وقد أوضحنا ما فيه من الفائدة والمصلحة فإذًا الخلاف فيه يرتد إلى الفائدة وعدمها فإذا أوضحنا فائدته فلا وجه للنزاع.

قالوا: إنما يجوز في الفرض دون النفل؛ لأن النفل متسع فيه بخلاف الفرض.

قلنا: الفرض مثل النفل في مراعاة مقصود المصلحة في الصلاة فإذا جاز ذلك في النفل جاز في الفرض.

ومن وجه آخر: وهو أن المقصود بما ذكرناه إنما هو التحفظ في تأدية الأركان فإذا جازت المحافظة في النفل فهي في الفرض آكد وأجوز.

الفرع الثاني: قال الهادي في الأحكام: ولا بأس بأن يعتمد على الحائط أو على عود عند نهوضه من السجود إذا كان به ضعف أو كِبر.

والحجة على هذا: ما روي أن الرسول كان له عود يعتمد عليه عند نهوضه للقيام من سجوده حين كبر وضعف ( [2] ) ، وحكي عن أنس بن مالك أنه قال: ما تدرون لأي شيء هذا العود؟ وقد رأوا عودًا مركوزًا في الجدار فقال: هذا عود كان رسول الله إذا قام من سجوده إلى القيام [اعتمد عليه] لما دخل في السن وكبر وضعف، ولأنه مفعول لإصلاح الصلاة والوفاء بتمام ركوعها وقيامها فجاز فعله لقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة:238] .

الفرع الثالث: قال الهادي في المنتخب: ولا بأس أن يصلي الرجل وفي منطقته دراهم أو دنانير أو فلوس أو غير ذلك مما يكون طاهرًا، فما هذا حاله جائز حمله باشتراط أمور ثلاثة:

أما أولًا: فبأن يكون طاهرًا فإنه لا يجوز حمل النجس في الصلاة كما مر بيانه.

وأما ثانيًا: فبأن لا يكون حمله شاغلًا له عن استيفاء شرائط الصلاة وأركانها وسجودها وركوعها.

وأما ثالثًا: فبأن يكون حلالًا فلا يجوز حمل الأشياء المغصوبة في الصلاة فإذا سلم من هذه الأمور الثلاثة جاز له حمله والإجماع منعقد على ذلك.

الفرع الرابع: ولا بأس في تسوية الرِّداء عن السقوط. واعلم أن ما هذا حاله يكون على أوجه ثلاثة:

أولها: أن يكون واجبًا وذلك إذا خاف انكشاف ما تحت ستره في الصلاة فعلى هذا يكون الستر واجبًا.

وثانيها: أن يكون الستر مستحبًا وهذا إذا خاف انكشاف ما يستحب ستره في الصلاة كالمنكب والهبريتين.

وثالثها: أن يكون مكروهًا وهذا إذا خاف انكشاف ما يجوز ستره في الصلاة نحو العضدين والساقين لأن ما هذا حاله فعل قليل لا يخل بالصلاة.

الفرع الخامس: قال القاسم في مسائل عبدالله بن الحسن: ولا بأس أن يشد الرجل وسطه بخيط في حال الصلاة وهو محكي عن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة.

والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله فيه تقوية على الركوع والسجود في حق من يعتريه الضعف والكِبر.

ووجه آخر: وهو أنه يكون أقرب إلى ضم الثياب عن الانتشار، وحكي عن أبي حنيفة أنه مكروه.

والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله عادة للنصارى بالشد بالخيوط على أوساطهم، فكره التشبه لأن لكل واحد من أهل الكتابين شعارًا يعرف به فلليهود الزنار على رؤسهم وللنصارى الغيار يشد على أوساطهم يخالف لون ثيابهم يعرفون به،

قال ابن المعتز ( [3] ) يصف حالهم:

قد طال ما نبهتني للصبوح به

أصوات رهبان دير في صوامعهم

مزيرين على الأوساط قد جعلوا

في غرة الفجر والعصفور لم يطر

سود المدارع نعارين في السحر

فوق الرؤوس أكاليلًا من الشعر

الفرع السادس: قال القاسم فيمن يشتكي بطنه أو ظهره أو شيئًا من جسده في صلاته فلا بأس أن يضع يده عليه أو يغمزه إذا كان ذلك يسكنه، والوجه في ذلك أمران:

أما أولًا: فلما فيه من تضمن إصلاح الصلاة والمحافظة عليها وقد قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة:238] .

وأما ثانيًا: فلأنه يتضمن فراغ القلب عن الشغل بالألم وفيه تمام الخشوع والإقبال إلى الصلاة بفراغ قلب وخاطر فلهذا كان جائزًا.

الفرع السابع: قال المؤيد بالله: وعلى المصلي إزالة ما كان يشغله في الصلاة على وجه لا يفسدها، وهذا جيد لأن المأخوذ على المصلي فراغ قلبه عما يشغله بقدر الطاقة والإمكان وفراغ جوارحه عن الإشتغال بغير أركانها ولهذا قال الرسول لبلال: (( أرحنا يابلال بالدعاء إليها" ) ) ( [4] ) ."

وابتلاع الريق جائز في الصلاة لأنه أمر ضروري فأشبه العطاس والسعال ولأنه فعل قليل فلا بأس به، وإخراج الزكاة في حال الإشتغال بالصلاة جائز لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ"} [المائدة:55] . وهذه الآية نزلت في أمير المؤمنين كرم الله وجهه فأثنى عليه بإخراجها في حال الصلاة فلو كان مفسدًا للصلاة لم يمدح عليه، ولأن الإخراج عمل قليل فجاز فعله كتسوية الرداء ولأن المباح إذا كان لا يفسدها فعمل الطاعة أحق بألا يفسدها، وقد حمل الرسول بنت أبي العاص على عاتقه في حال قيامه ووضعها عند سجوده، فإذا كان هذا غير مفسد فإخراج الزكاة غير مفسد أحق وأولى وقد نجز غرضنا من بيان المفسدات للصلاة والمكروهات فيها والمباحات والحمدلله."

( [1] ) هكذا جاء في الأصل، وهو اسم لم يرد من قبل هنا، ولعله جاء عن خطأ من قبل الناسخ في النقل، والله أعلم.

( [2] ) عن وابصة بن معبد قال: حدثتني أم قيس بنت محصن أن الرسول لما أسن وحمل اللحم اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه، أخرجه أبو داود في سننه 1/249، (المستدرك) 1/397، وسنن البيهقي2/288.

( [3] ) عبدالله بن محمد المعتز بالله بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس، الشاعر المبدع، خليفة يوم وليلة، صنف كتبًا في الأدب منها (الزهر والرياض) و (البديع) و (الآداب) و (طبقات الشعراء) وله ديوان شعر في جزئين، ومما كتب في سيرته (ابن المعتز وتراثه في الأدب) ، لمحمد خفاجة. و (عبدالله بن المعتز أدبه وعلمه) لعبد العزيز سيد الأهل، آلت الولاية في عهده إلى المقتدر العباسي فاستصغره القواد وخلعوه، وأقبلوا على ابن المعتز فبايعوه، فأقام يومًا وليلة ووثب عليه غلمان المقتدر فخلعوه، وعاد المقتدر فقبض عليه وسلمه إلى خادم له فقتله خنقًا. اهـ (أعلام) 4/118، وانظر (تأريخ بغداد) 10/92.

( [4] ) جاء الخبر في (فيض القدير) 2/427، وعلل الدار قطني 4/141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت