وقد يدرك من جهة النطق، وقد يدرك من جهة الضرورة، وقد يكون معلومًا من جهة الاستدلال، فهذه طرق ثلاث نذكر ما يتوجه في كل واحدة منها بمعونة اللّه تعالى:
الطريق الأول: ما يكون معلومًا من جهة النطق، وهذا كأن يصرح المجتهد بأن يقول: هذا مذهبي، أو هذا الذي أقول به وهو اعتقادي في المسألة، من تحليل أو تحريم أو غير ذلك، سواء كان في الاعتقادات الإلهية أو في المباحث الأصولية أو كان في المسائل الفقهية، وأقوى ما يعرف به مذهب القائل، هو تصريحه من لسانه؛ لأن ما عداه من الطرق لا يكاد يسلم عن الاحتمال. وقد يقول المؤيد بالله \s"\c 3 ( [1] ) : هذا هو الذي أذهب إليه، وكما قال الشافعي: إذا تعارض الخبر والقياس فمذهبي هو القول بالخبر، يعني أنه لا يذهب إلى القياس ولا يرى له وزنًا عند وجود الخبر وثبوته، بخلاف غيره فإنه ربما قال بالقياس وأعرض عن الخبر. وحكي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر في تحريم بيع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن بيعهن ( [2] ) . وهذا تصريح منه بما يراه ويعمل به ويفتي، وهكذا القول في سائر المعتقدات."
الطريق الثاني: من جهة الضرورة.
وهذا ظاهر.. فإن كثيرًا من المعتقدات [هو] مما يعلم بالضرورة، بالممارسة، ويعلم الحب والبغض والموالاة والمعاداة وغير ذلك من المقاصد الضرورية، ولهذا فإنا نعلم قطعًا بالضرورة، بغض العباسية للمروانية، وبغض الفريقين للفاطمية وعداوتهم، ونعلم أيضًا انقطاع الموالاة بينهم، وهكذا حال العدلية والجبرية في البغض وعدم الموالاة، ونضطر إلى قصودهم في الانقطاع وبطلان مذهب كل واحد من الفريقين لصاحبه ( [3] ) وهكذا القول في غيره فإنا نضطر إلى أن المجبرة يعتقدون تجوير اللّه ونسبته إلى فعل الظلم وسائر القبائح، كما نضطر إلى أن المشبهة يعتقدون مشابهة اللّه للأجسام وإن لم ينطقوا بذلك، ولكنا نضطر إلى مقاصدهم في الاعتقاد لذلك والعمل عليه وانطواء أفئدتهم على التصميم على ذلك ولا يزعهم عن ذلك وازع ولا يصدهم صاد. وهكذا القول في حال الإمامية من الشيعة فإنا نعلم بالضرورة إعظام أمير المؤمنين وموالاته، وتفسيق من خالفه في الإمامة وإكفاره، وإن لم يصرحوا بهذا الاعتقاد لما يظهر من أخلاقهم وشمائلهم، بل يصرحون بذلك ويدينون به.
الطريق الثالث: ما يُعلم من جهة الاستدلال.
اعلم أن الاستدلال على مذهب المجتهد ينبني على انسداد الاحتمالات، فإذا كان غير مصرح بمذهبه ولكنا نعلم من ضرورة قصده حكمًا لها، وكانت الاحتمالات منسدة سوى احتمال واحد قوي على الظن، كون ذلك الاحتمال مذهبًا له، وهذا يكون على أوجه ثلاثة:
أولها: أن يعلل الحكم المخصوص بعلة مخصوصة فيجب طرد ( [4] ) الحكم مع تلك العلة أينما وجدت؛ لأنه قد نص على العلة، والحكم تابع للعلة سواء كان قائلًا بتخصيص العلة أو مانعًا من تخصيصها؛ لأنه إذا كان مانعًا من التخصيص كان الحكم مساويًا للعلة في كل محل من محالها، وهكذا إذا كان قائلًا بالتخصيص؛ لأنه إنما يقول بالتخصيص لدلالة، فإذا لم توجد هناك دلالة، كان مذهبه التعميم لا محالة، فهذا وجه في معرفة مذهب المجتهد وإن لم يكن ناصًا عليه.
وثانيها: أن يعلم من جهته بتصريحه أنه لا يفرق بين المسألتين، أو ينعقد الإجماع من جهة على أنه لا تفرقة بينهما، ثم إنه نص على إحدى المسألتين فإنه يعلم بما ذكرنا أن حكم إحداهما حكم الأخرى، ومثاله أن يقول: الشفعة للجار، فيندرج تحت ذلك جميع الصور في الجيرة؛ لأنه قد حكم بالشفعة للجار على طريقة العموم فلا يجوز تخصيصه إلا لدلالة ولا دلالة ها هنا قائمة، فلهذا كان مذهبه التعميم في جميع الصور، أو يحكم مثلًا بالشفعة لجار الدار، فيعلم بذلك أن مذهبه وجوب الشفعة في جار العقار والأراضي إذ لا أحد من الأمة فصل بينهما، فعلمنا بمذهبه في شفعة الجار مع انضمام قرينة ألا أحد فصل بينهما من الأمة.. وجوب كونه قائلًا بالشفعة في كل جار من غير تفرقة بينهما.
وثالثها: أن يُعلم له مذهب مقرر في الأصول، فيفرع على ما يذهب [إليه] من ذلك وإن لم يصرح به، ومثاله: إذا كان يقول ويعرف من مذهبه القول بالعموم، وهو أن في اللغة صيغة موضوعة له، فإذا ورد قوله عليه السلام: (( كل مسكر حرام \s"\c 2 ) ). فنقول: مذهبه تحريم كل مسكر مما سوى الخمر؛ لأنه من القائلين بالعموم ولا مخصص هناك، فنعلم مذهبه في ذلك. وهكذا إذا ورد قوله ً: (( الشفعة في كل شيء \s"\c 2 ) ). فإنا نقول: يكون من مذهبه وجوب [الشفعة] في المنقولات؛ لأن هذا عموم وهو من القائلين به فيجب القضاء بأنه من مذهبه وإن لم يكن مصرحًا به، فهذا جملة ما يعرف به مذهب المجتهد إما من جهة التصريح، أو من جهة الإضطرار إلى قصده، أو بطريق الاستدلال على ما فصلناه لانسداد الاحتمالات فيها، وأنه لا محمل له إلا أنه قائل به فيجب كونه مذهبًا له.
( [1] ) المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون بن محمد الحسني الآملي الإمام المؤيد بالله وهو المعني بهذا اللقب عند أن يطلق، يوصف بأنه بحر العلوم وهو إمام علم الكلام وإمام أئمة الفقه، روى عن أبي العباس، وقاضي القضاة، وروى عنه السيد مانكديم، والقاضي يوسف وغيرهما، من مؤلفاته: (شرح التجريد) من أبرز المراجع، وله كتب أخرى منها: (الإفادة) (وهو غير كتاب الإفادة في التاريخ لأخيه السيد أبي طالب) و (الزيادات) و (التفريعات) و (إعجاز القرآن) في الكلام و (الأمالي الصغرى) . ولد بآمل طبرستان 333هـ، وبويع له بالخلافة سنة 380هـ. وتوفي يوم عرفة 411هـ..
( [2] ) الظاهر من رأي أئمة وعلماء الزيدية، تحريم بيع أمهات الأولاد، وقد روي إجماعهم على تحريمه في (البحر) عن الإمام يحيى بن حمزة (المؤلف) . وجاء ما نصه: فصل. ويحرم بيع الأمة دون ولدها والعكس. إذ يحرم التفريق بينهما في الملك (ي) إجماعا، حتى يستغني بنفسه.ا.هـ. ص 317. وجاء في هامش (البحر) ما نصه:
وعن علي عليه السلام أنه قال: وهب لي رسول اللّه ً غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال لي رسول اللّه ً: (( ما صنع غلاماك ) )؟ فأخبرته. فقال: (( رُدَّه، رُدَّه ) )أخرجه الترمذي. ا.هـ. وعن علي عليه السلام أنه فرق بين والدة وولدها، فنهاه رسول اللّه ً عن ذلك ورد البيع، أخرجه أبو داود.ا.هـ 318. وهذا كما تراه يناقض ما أورده المؤلف هنا من رأي الإمام علي بجواز بيع أمهات الأولاد، ولعله أورده للتمثيل فقط.
( [3] ) لدى صاحبه.
( [4] ) يعني إجراء الحكم طردًا مع العلة.