فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 129

الفصل الثالث

في بيان وقته وكيفيته

أما وقته: فاعلم أن الصلاة التي يجب من أجلها التيمم لا يخلو حالها إما أن تكون مؤداة أو مقضية، فإن كانت مؤداة فالواجب على المكلف بها أن يتحرى وقتًا يغلب على ظنه أنه إذا تيمم وصلى صلاة الظهر لم يبق من غروب الشمس إلا ما يتسع لصلاة العصر وتيممها، وإذا أراد أن يصلي العصر فإنه يتحرى مرة أخرى وقتًا يغلب على ظنه أنه يصادف فراغه منها غروب الشمس، ثم إذا أراد أن يصلي المغرب فإنه يتحرى وقتًا يغلب على ظنه أنه إذا تيمم وصلى لم يبق من الوقت إلى طلوع الفجر إلا ما يتسع لصلاة العشاء الآخرة وتيممها، وإذا أراد أن يصلي العشاء الآخرة فإنه يتحرى وقتًا يغلب على ظنه أنه يصادف طلوع الفجر عند الفراغ منها، فإذا أراد أن يصلي الفجر فإنه يتحرى وقتًا يغلب على ظنه أنه يصادف فراغه منها طلوع الشمس.

وإن كانت الصلاة مقضية نحو أن تكون عليه صلوات عدة وأراد قضائها بالتيمم فإنه يتحرى وقتًا يغلب على ظنه أنه إذا تيمم وصلى الصلوات المقضية لم يبق من الوقت إلا ما يتسع للصلاة المؤداة وتيممها.

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول منها: هل يجوز التيمم للصلاة المؤداة قبل دخول الوقت أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه لا يجوز التيمم للصلاة المفروضة قبل دخول وقتها وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية والهارونية لا يختلفون في ذلك، وهو محكي عن الشافعي ومالك وداؤد من أهل الظاهر وروي عن أحمد بن حنبل.

والحجة على ذلك: هو أنها طهارة ضرورية سبقت وقت الفريضة فأشهبت طهارة المستحاضة للطهر قبل دخول وقته.

المذهب الثاني: أن ذلك جائز وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه.

والحجة على ذلك: هو أنها طهارة فجاز أن تكون متقدمة على وقت الصلاة كالوضوء.

والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من امتناع التيمم قبل دخول وقت الصلاة.

والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا حجتين:

الحجة الأولى: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا"} إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] ."

ووجه الحجة من الآية: هو أن اللّه تعالى أجاز التيمم للقائم إلى الصلاة، وإنما يصح القيام إليها بعد دخول وقتها وأما الطهارة بالماء فظاهر الآية دال على أنه غير جائز قبل دخول الوقت لكنا تركنا هذا الظاهر للسنة والإجماع وبقي التيمم على ظاهر الآية في المنع من ذلك.

الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه تيمم لصلاة في وقت هو مستغن عن التيمم فيه فلم يكن صحيحًا ولا منعقدًا كما لو تيمم مع وجود الماء.

الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.

قالوا: طهارة فجاز تقدمها على الوقت كالوضوء.

قلنا: عن هذا جوبان:

أما أولًا: فلأن الوضوء طهارة كاملة تفعل على جهة الرفاهية، والتيمم طهارة ناقصة ضرورية فلأجل هذا جاز الوضوء في كل وقت بخلاف التيمم، وإنما قلنا أنها ضرورية فلأنها لا تجوز إلا عند عدم الماء أو تعذر استعماله ولا تجوز من غير ضرورة كأكل الميتة.

وأما ثانيًا: فلأن المعنى في الأصل أنها طهارة رافعة للحدث بخلاف التيمم فإنه غير رافع الحدث فلأجل هذا لم يجز قبل دخول وقت الصلاة.

قالوا: أوجب اللّه الطهارة بالماء على كل من قام إلى الصلاة محدثًا، فإن لم يكن واجدًا للماء فإنه يتيمم، في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا"} إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] وهما طهارتان فإذا جاز فعل طهارة الماء قبل دخول الوقت جاز في الثانية لاستوائهما جميعًا في كونهما مفعولين للصلاة وهذا هو مقصودنا."

قلنا: تعويلكم في الدلالة هل كان على ظاهر الآية أو على القياس؟ فإن كان مأخوذًا من ظاهرها فهو فاسد لأنه يكون حجة لنا من جهة أن ظاهرها يقضي بأن لا يجب القيام إلى الصلاة إلا حين وقتها فبقي التيمم على الأصل وخرج الوضوء بالدلالة كما مر بيانه، وإن كان مأخوذًا من جهة القياس فهو باطل أيضًا بجامع كونهما طهارتين فإن التفرقة بينهما ظاهرة من جهة أن الوضوء يرفع الحدث بخلاف التيمم فإنه غير رافع له فلهذا بطل فعله في غير وقت الصلاة.

الفرع الثاني: إذا كان الفعل للتيمم لا يجوز إلا بعد دخول وقتها، فهل يجوز فعله في أول الوقت أو لا يفعل إلا في آخره؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه لا يجوز فعله إلا في آخر وقت الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية وهو رأي السادة الهارونيين المؤيد بالله وأبي طالب وأبي العباس، وهو محكي عن الحسن البصري وعطاء وابن سيرين.

والحجة على ذلك:قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا"} ثم قال: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] ."

ووجه تقرير الدلالة من الآية، هو أن اللّه تعالى أمر بالوضوء للواجد ثم بالتيمم للعادم بدلًا منه، وقد تقرر أن الأمر إذا ورد بشيء على طريقة البدل لأجل العجز عن مبدله فالعدول عنه إلى البدل لا يجوز إلا عند اليأس منه، وهذا لا يكون إلا عند تضَيُّق الوقت وخشية فوت الفرض فلأجل ذلك وجب أن يكون في آخر الوقت.

الحجة الثانية: قياسية، وهو أن التيمم بدل لا قربة في الجمع بينه وبين المبدل فوجب أن لا يجوز الإنتقال إليه إلا بعد اليأس من المبدل كالمعتدة بالأشهر.

وقولنا: لا قربة في الجمع بينه وبين المبدل، نحترز به عن الكفارات فإنها وإن كان كل واحد منها بدلًا عن الأخر لكن القربة شاملة لها أجمع فلهذا جاز الإتيان بكل واحد منها مع القدرة على الآخر وإمكانه.

المذهب الثاني: أنه لا يجب تأخيره إلى آخر الوقت، وهذا هو قول الفريقين من الحنفية والشافعية.

والحجة على ذلك: قوله تعالى في آية الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا} . ثم قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6] . والخطاب بهما واحد فإذا جاز أن تكون الطهارة بالماء في أول الوقت جاز ذلك في طهارة التيمم لأنهما مستويتان في تأدية الصلاة فيجب استواؤهما في جواز تأديتها بهما في أول وقتها وهذا هو مطلوبنا.

الحجة الثانية: قياسية. وهو أنها طهارة تراد من أجل الصلاة أو طهارة موجبها في غير محل موجبها فجاز فعلها في أول الوقت كالطهارة بالماء.

وقولنا: موجبها في غير محل موجبها نحترز به عن طهارة النجاسة فإنها لا توقيت فيها.

والمختار: جواز فعل التيمم في أول الوقت كما هو رأي الفقهاء، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حججًا ثلاثًا:

الحجة الأولى:قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ"} [الإسراء:78] ."

ووجه الدلالة من الآية: هو أن اللّه تعالى أمرنا بإقامة الصلاة عند زوال الشمس الذي هو الدلوك ولم يفصل هناك بين من يكون متطهرًا بالماء أو متطهرًا بالتراب، فيجب حمل الآية على صلاحية الوقت كله من أوله إلى آخره للأداء للمتيمم والمتوضي.

الحجة الثانية: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] .

ووجه تقرير الدلالة من هذه الآية: هو أن الآية مصرحة على كونها مكتوبة أي مفروضة وأنها مؤقتة أيضًا بأوقات مخصوصة وقد دل الشرع على أن تلك الأوقات موسعة ومضيقة ولها أول وآخر ولم يفصل هناك بين ما يكون من الصلاة مؤدى بالماء وبين ما يكون مؤدى بالتيمم، فيجب القضاء بكونها شاملة للأمرين في صحة تأديتهما جميعًا بالتيمم والوضوء في أول الوقت إذ لا وجه للتخصيص من غير دلالة.

الحجة الثالثة: هو ما ورد من الأخبار النبوية في التيمم كقوله: (( التراب طهور المؤمن حتى يجد الماء" ) ). وقوله: (( الصعيد الطيب وضوء المؤمن ما لم يجد الماء") ). وقوله: (( التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ) )إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في التيمم.

ووجه تقرير الدلالة منها: أنها وردت مطلقة في صحة تأدية الصلاة عند عدم الماء بالتراب ولم تفصل بين أول الوقت وآخره، وفي هذا دلالة على جواز التأدية بالتيمم في أول الوقت وآخره، ثم نقول: طهارة تقصد للصلاة، فكان أول الوقت كآخره في جواز فعلها كالوضوء، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أنه لو كان الأمر كما زعموه من أن التيمم طهارة بدلية فلا يجوز الإتيان بها إلا بعد اليأس من المبدل منه لوجب في حق العليل الذي لا يرجو زوال علته أن يتيمم في أول الوقت لأنه حال الإياس ( [1] ) فهذا يبطل ما قالوه من تعليل التأخير باليأس فإذا جاز التقديم للآيس من البُرء جاز في العادم للماء، إذ لا قائل بالتفرقة بينهما.

لا يقال: إنما ذكرتموه من جواز تقديم الفرض للعليل الأيس من البُرء يكون مخالفًا لما انعقد عليه الإجماع من العترة على وجوب التأخير لمن هذه حاله فيجب رده.

لأنا نقول: هذا فاسد لأمرين:

أما أولًا: فلأنه لا نص لأئمة العترة فيما ذكرناه فلا يعقل إجماعهم فيما لم يخوضوا فيه لأنه لا ينسب إلى ساكت قول فلا وجه لدعوى الإجماع.

وأما ثانيًا: فهب أنا سلمنا وقوع الإجماع منهم، لكنه منقول بالآحاد فلا يكون قاطعًا. والمسألة لا شك في كونها اجتهادية، وإ نما يجب إخراجها عن الاجتهاد إذا كان الإجماع منقولًا بالتواتر لأنا قد قررنا في الكتب الأصولية كونه قاطعًا بالبراهين الشرعية وإنما يكون محرمًا للإجتهاد بهذه الشريطة.

فحصل من مجموع ما ذكرناه: جواز تقديم الفرض في أول وقته بالتيمم في كل أحواله.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالف هذه القاعدة.

قالوا: الآية في الوضوء دالة بظاهرها على وجوب الوضوء وبإيجاب التيمم على جهة البدلية وما كان بدلًا فلن يكون إلا عند الإياس من المبدل منه والإياس لا يتحقق إلا في آخر الوقت.

قلنا: الآية دالة بظاهرها وملفوظها على جواز تقديم الصلاة المفروضة المؤداة بالتيمم في أول وقتها وهي دالة بمفهومها ومعناها على وجوب تأخيرها إلى آخر وقتها، فحاصل الأمر أن ظاهرها ومعناها المقتبس منها متعارضان لكنهما إذا كانا متعارضين فالعمل على ما يحصل من ظاهرها أرجح لأمرين:

أما أولًا: فلأن ظاهر الآية مقبول معمول عليه باتفاق المسلمين بخلاف المعاني القياسية فإنه مختلف في قبولها فمنهم من قبلها ومنهم من ردها، والعمل على ما كان متفقًا عليه أولى مما كان مختلفًا فيه.

وأما ثانيًا: فلأن المعاني القياسية يظهر فيها من الاحتمال ما لا يعرض في الظواهر وما كان احتماله قليلًا فهو أرجح بما كان احتماله كثيرًا، فلأجل هذا كان العمل على الحاصل من ظاهر الآية، وهو أن جواز التقديم اولى من العمل على ما يحصل من معنى الآية وهو وجوب التأخير.

قالوا: التيمم بدل لا قربة في الجمع بينه وبين المبدل منه، فيجب ألا يجب الإنتقال إلى المبدل منه إلا بعد اليأس من البدل كالإعتداد بالأشهر.

قلنا:عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأنا نسلم أن التيمم بدل وأن البدل لا يجوز فعله إلا بعد الإياس من المبدل منه، ولكنا نقول قد حصل الإياس في أول الوقت فإنا لا نعني بالإياس إلا أنه يغلب على الظن تعذر الماء في هذه الساعة وتعذر استعمال الماء وهذا حاصل في أول الوقت فلا جرم جاز فعله في أول الوقت.

وأما ثانيًا: فلأنه إذا حصل الإياس في آخر الوقت، أليس لا بد من فعل الصلاة؟ فلا بد من بلى، وإذا كان الأمر هكذا فما قلتموه في آخر الوقت من حصول الإياس بغلبة الظن فهو مقالتنا في أول الوقت من غير تفرقة بينهما خاصة مع أن الظواهر الشرعية دالة على استحباب تأدية الصلاة في أول وقتها فإنه هو الأفضل والأولى، ولم تفصل تلك الأدلة بين أن تكون الصلاة مؤداة بالوضوء أو بالتيمم.

لا يقال: ولا سواء فإن في آخر الوقت قد حصل الإياس المحقق بحيث لو لم تؤدَّ الصلاة كانت فائتة بخروج وقتها بخلاف أول الوقت فإنه ما من وقت إلا ويمكن بُرء العلة ووجود الماء [فيه] فلهذا لم يجز تأديتها في أول وقتها لما ذكرناه، لأنا نقول هذا فاسد لأمرين:

أما أولًا: فما برهانكم على أن الإياس إنما يكون بحيث لو لم تؤدَّ الصلاة وإلا فاتت، ولم لا يجوز أن يكون الإياس هو غلبة الظن على عدم [وجود] الماء في الوقت وتعذر استعماله في الوقت وهذا كاف في جواز استعمال التيمم من غير حاجة إلى ما ذكروه لأنه لم تدل عليه دلالة شرعية.

وأما ثانيًا: فكان يلزم علىتعليلكم هذا أنه إذا يئس من برء علته أو كان يعلم أنه لا يجد الماء في آخر الوقت أنه يجوز له التقديم في أول الوقت وأنتم لا تقولون به، فبطل ما قلتموه من التعليل.

قالوا: طهارة فلا يجوز أداؤها إلا في حال الضرورة كطهارة المستحاضة.

قلنا: نقلب هذا القياس عليهم، ونقول: طهارة فيجوز أداؤها في أول الوقت، دليله: طهارة المستحاضة.

ومن وجه آخر: وهو أن طهارة المستحاضة طهارة أصلية وهذه طهارة بدلية على زعمكم فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر.

قالوا: عبادة بدنية أبيحت لأجل الضرورة فلا يجوز فعلها إلا بعد الضرورة كصلاة المريض.

قلنا: وهذا يبطل أيضًا بالقلب المصرح به، فإنا نقول: عبادة بدنية فيجوز أدائها في الأول من أوقاتها، دليله: صلاة المريض، وإنما كان قلبنا هذا قلبًا مصرحًا به من جهة أنه تحصيل للمراد من ظاهره وما ذكروه من القياس ليس فيه تصريح بالمراد.

قالوا:عبادة أبيحت للمعذور على وجه الرخصة وما أبيح على وجه الرخصة فلا يجوز فعله إلا عند الضرورة كأكل الميتة.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فمن جهة الفرق، وهو أن ما نحن فيه عبادة مؤقتة، وما قالوه ليس من جهة العبادة فضلا عن أن يكون مؤقتًا أو مطلقًا.

وأما ثانيًا: فلأنا نقول بموجب ما قالوه ونستمر على الخلاف فإن الضرورة في حق المتيمم هي عدم الماء وهذا حاصل في أول الوقت فلهذا جاز تأديته في أوله، والضرورة في حق الجائع إنما هو تدارك حشاشة نفسه عن التلف فقد قلنا بموجب قياسكم مع استمرارنا على الخلاف، وهذا يبطل ما قررتموه من القياس.

قالوا: ولأنه تيمم في حال استغنائه عنه فلا يجوز كما إذا تيمم مع وجود الماء.

قلنا: ما تريدون بقولكم: في حال استغنائه عنه؟ هل تعنون به أنه واجد للماء؟ فهذا لا نقول به وهو باطل فإن الإجماع منعقد على فساد التيمم مع وجود الماء، أو تعنون به أنه يمكنه التيمم في آخر الوقت فلا حاجة به إلى إيقاعه في أوله؟ فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، فلم منعتم منه وما حملكم على منعه؟ ولو سلمناه لكان أول المسألة، وكيف وفيه إحراز فضيلة الوقت، أو تعنون به معنى آخر فاذكروه حتى نتكلم عليه.

قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه قال: (( يتلوم الجنب إلى أخر الوقت"، فإن وجد الماء وإلا تيمم وصلى ) ) ( [2] ) "

فكلامه هذا دال على إيجاب التأخير على من فرضه التيمم والباب باب عبادة فلا يقوله إلا من جهة التوقيف من جهة الرسول .

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأنه ليس في كلام أمير المؤمنين ما يدل على إيجاب التأخير فلا يكون لكم في ظاهره دلالة أصلًا.

وأما ثانيًا: فلأنا نحمل كلامه على من غلب على ظنه وجود الماء في آخر الوقت فلهذا استحب له التأخير ليكون محرزًا لفضيلة الصلاة بالطهارة بالماء.

ومن وجه آخر: وهو أنه لم يقل ما قاله نقلًا عن الرسول إذ لم يصرح بالنقل عن الرسول فيلزمنا قبوله وإنما ظاهره أنه رأيه، والمسألة اجتهادية، الأراء فيها كلها صائبة فيكون لنفسه ولا يلزم غيره.

قوله: إلا أن يغلب على ظنه وضوح دليله فيتبعه للدليل الشرعي لا من أجل مقالته، ولهم أقيسة غير هذه أعرضنا عنها لقلة جدواها ومن أحاط علمًا بما ذكرناه هان عليه الجواب عنها والله الموفق.

الفرع الثالث: وإذا قلنا بجواز التيمم للفريضة في أول الوقت، فهل الأفضل أن يقدم الصلاة بالتيمم أو يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؟ فيه ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يكون على يقين من وجود الماء في آخر الوقت، فمن هذه حاله فالأفضل له أن يؤخر الصلاة ليصليها بالوضوء في آخر وقتها.

ووجه ذلك: هو أن الصلاة في أول الوقت فضيلة قد دل عليها الشرع بقوله: (( من أداها في أول وقتها فكأنما أهدى بدنة" ) ) ( [3] ) والطهارة بالماء فريضة لقوله: (( لا صلاة إلا بطهور") ). فلهذا كان مراعاة إحراز الفريضة أحق من مراعاة إحراز الفضيلة.

الحالة الثانية: أن يكون على يأس من وجود الماء بيقين فمن هذه حاله فتقديم الصلاة بالتيمم أفضل من جهة أن الظاهر من حاله أنه لا يجد الماء، وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فإنه إذا صلى بالتيمم في أول الوقت كان محرزًا لفضيلة الوقت، وإذا صلاها في آخر وقتها بالتيمم كان قد فاته فضل الوقت وهو في كلتا الحالتين مصلّ بالتيمم كما فرضناه.

الحالة الثالثة: أن يكون راجيًا من غير يقين، فمن هذه حاله ففيه وجهان:

أحدهما: أن التأخير أفضل له من جهة أن مراعاة الفريضة وهي الطهارة بالماء، أحق من مراعاة الفضيلة وهي الصلاة في أول الوقت.

وثانيهما: وهو الأقرب، أن تقديم الصلاة في أول الوقت بالتيمم أفضل، من جهة أنها فضيلة متيقنة فلا يتركها لأمر مشكوك [فيه] وهو إحراز الفريضة بالماء لأنه ليس على يقين من وجوده.

فإن خاف فوات الجماعة لو أسبغ الوضوء، فأيهما أحق بالإيثار؟ والأقرب إن إدراك الجماعة في الصلاة أولى من الإحتباس لإسباغ الوضوء وإكماله لأنهما وإن كانا جميعًا مستحبين لكن فضيلة الجماعة آكد في الاستحباب لا محالة لما ورد فيها من التآكيد. العظيمة.

وإن حضر العشاء والصلاة فالأفضل تقديم الصلاة لأن المباح لا يساوي الأمور الواجبة والمستحبة، ولا شك أن تأدية الصلاة في أول وقتها من الأمور المؤكدة، وما روي عن الرسول من قوله: (( إذا حضر العَشَاء والعِشَاء فابدؤا بالعَشَاء" ) ) ( [4] ) "

فإنه محمول على الجوع المشوش للخشوع في الصلاة. فلهذا كان إيثاره أفضل، فأما إذا كان الحال مستقيمًا فتقديم الصلاة أفضل لما ذكرناه.

الفرع الرابع: على رأي من أوجب تأخير الصلاة بالتيمم إلى آخر وقتها.

قال الهادي في الأحكام: وقت التيمم إذا كان في ليل لمغربه وعشائه قبل طلوع الفجر أو في النهار فلظهره وعصره قبل غروب الشمس ( [5] ) .

قال أبو العباس: ليس للصلاة بالتيمم إلا وقت واحد سواء كانت الصلاة مؤداة أو مقضية فمن انتهى في آخر النهار إلى آخر وقت يكون الظهر مستحقًا فيه فإن وقت العصر بالتيمم لا يكون قد دخل. قال الهادي: التيمم لا يجوز إلا في آخر الوقت. وهذا الكلام له تفسيران:

التفسير الأول منهما: أنه لا يجوز إلا في آخر النهار للظهر والعصر وأنه لا يجوز إلا في آخر الليل للمغرب والعشاء.

التفسير الثاني: أن المراد منه آخر وقت الصلاة لغير المتيمم.

وهذان التفسيران متقاربان يؤديان فائدة واحدة، ومقصودهما أمر واحد وهو أن الصلاة بالتيمم ليست كالصلاة المؤداة بالوضوء، فإن الصلاة بالوضوء لها أول وآخر وفيها التوسيع والتضييق والكراهة والفضيلة كما سنوضحه في الأوقات المشروعة للصلاة بمعونة اللّه تعالى، بخلاف الصلاة المؤداة بالتيمم فإنه ليس لها هذه الأحوال وإنما تكون مؤداة في آخر وقتها بحيث لو أديت قبل ذلك لم تكن مجزية. وهكذا لو كانت مقضية فإنه ليس لها إلا وقت واحد وهو أن تفعل قبل الصلاة المؤداة، والتفسير الأول أدل على المقصود من التفسير الثاني لأن الأول اعتبار بوقت الصلاة نفسها، والثاني اعتبار بوقت غيرها وهي المؤداة بالوضوء.

قال أبو العباس: إذا توخا آخر الوقت ثم تيمم وصلى فإن صادف فراغه منها بقية من الوقت اجزأه ذلك التيمم ولم تلزمه الإعادة إذا لم يجد الماء وإنما لم تلزم الإعادة لأمرين:

أما أولًا: فلأنه مأمور بطلب آخر الوقت على التحري وغالب الظن دون اليقين إذ لا يكلف ما ليس في طوقه ووسعه.

وأما ثانيًا: فلأنا لو أمرناه بالإعادة لم تكن تأدية المعاد إلا بتحرٍّ آخر، والاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله إذ لا مزية لأحدهما على الآخر وإنما ينقض الاجتهاد بالقطع كالنص إذا صادف الاجتهاد، وكالخبر إذا صادف القياس المظنون، فأما نقض مظنون بمثله مظنون فلا وجه له وهذا الذي قررناه من بطلان لزوم الإعادة إذا صادف المؤدي بالتيمم بقية من الوقت، هو قول الهادي والناصر والمؤيد بالله وغيرهم من أئمة العترة ممن أوجب تأخير الصلاة بالتيمم.

الفرع الخامس:اعلم أن كل ما يؤدى بالتيمم من العبادات فهو ضربان:

فالضرب الأول منهما:عبادات مؤقتة بأوقات وهذا نحو الصلوات الخمس في اليوم والليلة، ويجب تأديتها به في آخر وقتها كما قررناه من قبل ليلًا كانت أو نهارًا، ونحو صلاة الجمعة إذا كانت مؤداة من جهة الإمام والمؤتمين بالتيمم فإن وقتها في آخر الوقت للظهر في غير الجمعة وهو عند أن يصير ظل كل شيء مثله وهو أول وقت الإختيار للعصر وبعد ذلك فإنه ليس وقتا لها بحال كما سنوضحه في صلاة الجمعة بمعونة اللّه تعالى.

فإن كان الإمام متوضئًا والمؤتمون عادمون للماء فإنهم يتيممون للجمعة مع الإمام لقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ"} [الجمعة:9] ولم يفصل بين من كان متيممًا ومن كان متوضئًا. وقوله: (( إن الله فرض عليكم الجمعة"في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا ) ) ( [6] ) . وهو متناول للمتيمم والمتوضي جميعًا من غير تفرقة بينهما ولا يجوز لهم تأخيرها مخافة أن يفوت عليهم فرضها لأن خشية الفوات لصلاة الجمعة تتيح أداؤها بالتيمم كالمنفرد في آخر الوقت فإنه لما خشي فوات الصلاة أُبيح له التيمم، وهذا يأتي كالناقض لما ذهب إليه الهادي من إيجاب التأخير فيما كان مؤدى من العبادات المؤقتة بالتيمم لأنه قد أوجب تقديم الصلاة للمتيمم في صلاة الجمعة إذا كان الإمام متوضئًا والمؤتمون متيممون.

ولقد كان يمكنه الجري على ما أصَّله من هذه القاعدة بأن يقول ببطلان الجمعة ويأتون بها ظهرًا لأن الجمعة بدل منها من غير حاجة إلى نقض هذه القاعدة. كما أن الإمام إذا كان متيممًا وهم متوضئون فلا جمعة للإمام لأنه لا يرى إئتمام المتوضئ بالمتيمم لنقصان حاله ولا جمعة لهم أيضًا على رأيه لأن الإمام شرط في الجمعة كما نوضحه من مذهبه، فهذا ملخص ما ذكره أبو العباس تخريجًا على رأي الهادي، ولعمري إنه تخريج مخالف لنصوصه على هذه القاعدة وقد ذكر أبو العباس في التحرير هذه المسألة، وحاصل كلامه: أنه ليس لهم التيمم في أول الوقت بل تأخيرها حتى يؤدوها ظهرًا لأنها بدل من الجمعة وهذا جيد لا عثار عليه جار على منهاج أصول مذهبه وقواعده، وهكذا القول في صلاة العيدين فإنها تؤدى في آخر وقتها بالتيمم فتؤدى في يوم العيدين قبل الزوال بما يتسع لركعتين لأن ذلك هو آخر وقتها في الأداء، هذا كله على رأي من يوجب التأخير في الصلاة المؤداة، فأما من لا يوجب التأخير كما هو المختار عندنا، فإنه يجوز تأدية هذه الصلوات المؤقتة في أول الوقت وآخره كما يؤديها بالماء من غير تفرقة بينهما للدليل الذي لخصناه.

الضرب الثاني: عبادات غير موقتة، وهذا نحو صلاة الجنازة والكسوفين ونحو قراءة القرآن ودخول المسجد وغير ذلك من الأمور التي تفعل بالتيمم عند عدم الماء فإنه لا يراعى في فعلها إلا وجود أسبابها من غير التفات إلى وقت هناك إذ لا وقت من جهة الشرع كما كان للضرب الأول.

الفرع السادس: وإذا تيمم الرجل لفريضة ثم فات وقتها قبل فراغه منها قبل أن يتيمم لصلاة العصر فلم يفرغ منها حتى دخل وقت المغرب أو تيمم لصلاة العشاء فلم يفرغ منها حتى طلع الفجر، وهكذا القول في سائر الصلوات فهل يبطل تيممه أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أن تيممه ينتقض وصلاته تبطل بفوات وقتها وهذا هو رأي القاسمية والهارونية من أئمة العترة وهو رأي الشافعي.

والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله مبني على أن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة، وإذا كان الأمر كما قلنا فإنه إذا فات وقت الصلاة بطلت الصلاة لبطلان وقتها وبطل التيمم لأنه إنما عقد للفريضة المؤداة وبعد فوات الوقت لا يجوز أداؤها به لأنها صارت مقضية والتيمم للقضاء مخالف للتيمم للأداء فلأجل هذا وجب ما ذكرناه.

المذهب الثاني: أنه لا ينتقض تيممه، وهذا هو الذي يأتي على رأي الناصر وأبي حنيفة.

والحجة على ذلك: هو أن من مذهبهما جواز التأدية بالتيمم أكثر من فريضة واحدة فإذا فات الوقت وهو غير واجد للماء فإنه يجوز أن يؤدي به الفائتة وعلى هذا إذا تيمم للعصر فلم يفرغ منها حتى دخل وقت المغرب جاز أن يؤدي به المغرب لأن من مذهبهما أنه لا ينتقض إلا بوجود الماء أو غيره من النواقض، وقد قررنا وجه الحجة لهذا المذهب واخترناه فأغنى عن الإعادة، وهل تبطل تلك الصلاة أم لا؟ فيه وجهان:

أحدهما: أنها تكون باطلة كما حكيناه من مذهب الهادي خرجه على أصله بعض فقهاء المذهب ( [7] ) ،

من جهة أن الوقت شرط في آخر الصلاة فلما فات والمصلي لم يفرغ منها لا جرم كانت باطلة لبطلان شرطها كما لو بطلت طهارته وهو في صلاته أو انكشفت عورته فيها.

وثانيهما: أنها لا تبطل وهذا هو رأي المنصور بالله وعلي بن الخليل.

والحجة على ذلك: قوله: (( من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها"، ومن أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها ) ) ( [8] ) ."

وهذا هو الأقرب لأن التيمم طهارة تقصد للصلاة فلم يكن خروج الوقت مبطلًا لها كالوضوء.

الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.

واعلم أنهم قد اعتمدوا في بطلان التيمم على أنه ينتقض بخروج الوقت كالمستحاضة وعلى أن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة وهذا فاسد، فإن التيمم ليس رافعًا للحدث وإنما هو مقصود للإستباحة فيما كان محظورًا قبله ودخول الوقت لا يبطل هذه الإستباحة بل هي مستمرة على ما كانت عليه والوقت باق بخلاف المستحاضة فإن طهارتها رافعة للحدث فلا جرم انتقض بدخول الوقت لقوله: (( توضئي لكل صلاة" ) ) ( [9] ) "

فافترقا، وإن بنوه على أن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة فهذا أصل قد مهدنا فساده وقررنا جوازه ( [10] )

فلا مطمع في إعادته.

فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن التيمم لا يبطل بدخول الوقت وأن الصلاة صحيحة بتأدية بعضها في الوقت وبعضها في غير الوقت كالصلاة بالوضوء، وسيأتي لهذا مزيد تقرير فيمن أدرك ركعة من الصلاة بمعونة اللّه تعالى.

الفرع السابع: اعلم أن التيمم كما أسلفنا غير رافع للحدث وإنما المقصود به هو استباحة ما كان محظورًا من دونه من العبادات التي اشْتُرِطَ فيها الطهارة، وما ورد عليه من الأمور الناقضة له فليس حدثًا في حقه وإ نما بطل من أجل زوال شرط صحته وذلك [في] أمور خمسة:

أولها: انتقاضه بالحدث الأصغر، وإنما كان ناقضًا له لأن التيمم إنما يراد من أجله فلهذا كان ناقضًا له فإذا تيمم انتقض بخروج الغائط والبول لأنهما لذاتهما مبطلان له لما وجب التيمم من أجلهما.

وثانيها: الحدث الأكبر، وهو خروج المني لشهوة فإنه مبطل للتيمم فإنه إذا تيمم ثم أنزل المني فإنه ناقض له كما ذكرناه في الوضوء لأن المني موجب للتيمم عند عدم الماء للصلاة، فإذا طرأ كان موجبًا لنقضه وإبطاله، فحصل من هذا أن التيمم من الحدث الأصغر ينتقض بما ينتقض به الوضوء وأن التيمم من الحدث الأكبر ينتقض بالحدث الأكبر والأصغر لكنه إذا انتقض بالحدث الأكبر لم يجز له الصلاة ولا قراءة القرآن ولا دخول المسجد، وإذا انتقض بالحدث الأصغر جاز له قراءة القرآن ودخول المسجد ولا يجوز له الصلاة لأن التيمم من الحدث الأكبر بمنزلة الغسل، فلهذا كان الأمر فيه كما قررناه، والتيمم من الحدث الأصغر بمنزلة الوضوء فلهذا نقضه ينقض الوضوء.

وثالثها: رؤية الماء، يكون مبطلًا للتيمم لأن الشرط في انعقاد التيمم والشرط في كونه مبيحًا لما كان محظورًا إنما هو عدم الماء كما هو من ظاهر الآية في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا"} [النساء:43] ."

ورابعها: تجدد الطلب ( [11] )

فإن الطلب شرط في إنعقاد التيمم فإذا تيمم من غير طلب لم يكن منعقدًا ولم يجز أن يستباح به شيء مما كان محظورًا وإن طلب ثم تيمم ثم طلع عليه ركب قبل الصلاة انتقض تيممه ( [14] )

لأنه يجوز أن يكون معهم ماء ولم يطلبه منهم فلهذا كان منتقضًا لما لم يجدد الطلب الذي هو شرط في انعقاده، وإن تيمم ثم دخل في الصلاة المكتوبة ثم رعف فإنه يجب عليه الإنصراف، فإن وجد الماء لزمه أن يغسل ما أصابه من الدم ثم يتوضأ، وإن طلب الماء فلم يجد إلا ما يغسل به الدم عنه، فإنه يبدأ بغسله عنه لأنه لا بدل له ويجب عليه أن يستأنف التيمم لأنه لما لزمه الطلب بطل تيممه الأول فلأجل هذا وجب عليه استئنافه.

وخامسها: فوات وقت الصلاة التي أداها بالتيمم ولم يفرغ منها، فإن ما هذا حاله يبطل تيممه كما تبطل طهارة المستحاضة بدخول الوقت، وهذا [هو] الذي حصله بعض فقهاء المذهب تخريجًا على رأي الهادي وقد أوضحنا القول فيه فلا فائدة في إعادته، فهذه الأمور كلها مبطلة للتيمم على رأي من لا يقول بكونه رافعًا للحدث، فأما على رأي من قال بكونه رافعًا للحدث فإنه لا ينتقض إلا بما كان ينقض الوضوء لا غير كخروج الخارج بولًا كان أو غائطًا أو منيًا أو غير ذلك من النواقض التي أسلفنا تحقيقها ولا ينتقض برؤية الماء ولا بتجدد الطلب كما لا ينقض الوضوء.

الفرع الثامن: إذا تحرى وغلب على ظنه عند فعله التيمم، [أن] الوقت يتسع للتيمم وأداء الفريضة ثم لما فرغ من التيمم غلب على ظنه أنه يتسع لأكثر من ذلك قبل فعله للصلاة، فهل يصح تيممه أم لا؟ فيه وجهان:

أحدهما: أن تيممه صحيح ولا يبطل بغلبة الظن بما ذكرناه.

والحجة على ذلك: هو أن التيمم عبادة فُعِلت على جهة التحري فلا تبطل بمخالفة التحري كالصلاة.

وثانيهما: أنه يكون باطلًا.

والحجة على ذلك: هو أن من شرط صحة التيمم أن يكون في آخر الوقت فإذا تحرى وغلب على ظنه أنه يتسع لأكثر من أداء الفريضة كان التيمم واقعًا على فساد كما لو وقع في أول الوقت.

والمختار: هو الأول لأن فعل التيمم إنما تكون تأديته بالتحري فلو أبطلناه بتحرٍ على مخالفته لكان في ذلك نقض للإجتهاد بمثله وهذا محال إذ ليس أحدهما بأحق بالفساد من الآخر فيجب القضاء بصحة التحري الأول ولا ينقضه انكشافه على مخالفته، وإذا قضينا بصحة التيمم أدى به الصلاة في آخر الوقت وكان عليه التربص حتى يغلب على ظنه تأدية الصلاة في آخر وقتها كما مر بيانه، هذا كله تفريع على رأي من يوجب تأخير التيمم للصلاة، فأما على رأي من يقضي بجواز التيمم للصلاة في أول وقتها فإنه لا يفتقر إلى تحرٍ لآخر الوقت فضلًا عن أن يكون تحريه موافقًا أو غير موافق كما هو المختار، لا يقال: فإذا كان التيمم صحيحًا تفريعًا على رأي من أوجب تأخيره فلِمَ لا يجوز فعل الصلاة ولأي شيء ينتظر بالصلاة مع كونه صحيحا؟ لأنا نقول: التيمم ليس مقصودًا لنفسه وإنما يراد للصلاة والواجب تأخيرها في آخر وقت يغلب على ظنه، فلا جرم قضينا بصحة التيمم ووجوب تأخير الصلاة لما ذكرناه. ويمكن نصرة جانب الإبطال للتيمم بأن يقال: إنه بدل وفعل التيمم لا يكون إلا مع الإياس وبعد الإنكشاف إن في الوقت بقية لا يكون آيسًا عن وجود الماء فلأجل هذا قضينا ببطلانه واستئناف تيمم آخرتؤدى به الصلاة.

الفرع التاسع: والجنب والمحدث إذا وجدا الماء وخافا أنهما لو استعملاه في الوضوء والغسل فاتهما وقت الصلاة، أو كان هاهنا جماعة معهم دلوٌ ينزحون به الماء وخاف بعضهم فوت الوقت حتى تنتهي إليه النوبة، أو جماعة معهم حبل يتداولونه للنزح فخاف بعضهم فوت الوقت لو صبر إلى نوبته، فهذه الصور كلها وماشاكلها هل يجب عليه الصبر حتى تأتي نوبته فيصلي بالطهارة بالماء أو يتيمم؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه يصبر حتى تأتي نوبته ولا يجوز له التيمم، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والمؤيدم بالله. وهو الأصح من قول الشافعي.

والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا"} [النساء:43] فالإباحة للتيمم إنما هي بشرط عدم الماء ومن هذه حاله فإنه واجد فلا يجوز له التيمم بحال."

المذهب الثاني: أنه إذا خاف فوات الصلاة عند اشتغاله بالوضوء والغسل تيمم، وهذا هو الذي كان يذهب إليه أحمد بن يحيى وهو محكي عن الشافعي في بعض مسائله. قال أحمد بن يحيى: فإن استيقظ قرب طلوع الشمس جُنبًا تيمم وصلى وأعادها بعد الغسل.

والحجة على ذلك: هو أن الوضوء والغسل ليسا مقصودين وإنما هما وُصلتان إلى العبادة والمقصود هو الصلاة فإذا كانت الصلاة فائتة عند الإشتغال بالوضوء والغسل وكان المقصود يحصل بالتيمم، لا جرم وجب التيمم لما ذكرناه.

والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والمؤيد بالله.

والحجة: ما قالاه، ونزيد ههنا وهو: أن الظواهر الشرعية والأحاديث النبوية كلها مشعرة بأن التيمم لا يجوز إلا عند عدم الماء فلأجل ذلك قضينا بأنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.

قالوا: المقصود هو العبادة دون الوضوء والغسل وهي حاصلة بالتيمم دون الطهارة بالماء فلهذا وجب التيمم.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلا نسلم أن المقصود هو العبادة وحدها وإنما المقصود الوضوء مع الصلاة والغسل مع الصلاة فلا وجه لقولكم إن المقصود هو العبادة وحدها.

وأما ثانيًا: فهب أنا سلمنا أن العبادة هي المقصودة وحدها وأن الوضوء والغسل وصلتان إليها لكنا نقول إن الشرع قد دل بظاهره على أن الشرط في استعمال التراب إنما هو عدم الماء فأما مع وجوده فلا وجه له، وفي هذه المسألة الماء موجود فلا وجه لكونه مجزيًا معه فبطل ما توهموه.

الفرع العاشر: اعلم أن العلماء متفقون على أن التيمم طهارة ضرورية، وقال الناصر: التيمم وضوء الضرورة، وأراد بكونه ضروريًا مخالفته للطهارة. وذلك يحصل من أوجه خمسة:

أولها: بالإضافة إلى اسمه وتسميته طهارة مجاز لأمرين:

أما أولًا: فمن جهة اللغة، فإن الطهارة هي النقاء عن مواقعة الغبرات والإزالة عن التضمخ بالقاذورات وليس في استعمال التراب والتلوث به طهارة ولا نقاء.

وأما ثانيًا: فمن جهة الشرع، وهو عبارة عن غسل هذه الأعضاء تنظيفًا لها وتطهيرًا، وهذا المعنى غير موجود في التيمم فلأجل هذا كان تسميته طهارة على جهة المجاز والضرورة.

وثانيها: بالإضافة إلى وقته، فإن وقته ضيق إما بالإضافة إلى أوله فإنه لا يجوز فعله قبل دخول الوقت بخلاف الوضوء، ولا في أوله بعد دخول الوقت على رأي من قال بذلك، وإنما يتعين وقته في آخر الوقت كما قررناه، بخلاف الوضوء فإنه يجوز فعله في كل هذه الأوقات كما مر بيانه، ولا خلاف في جواز فعل الوضوء في هذه الأوقات إلا ما يحكى عن المهدي أحمد بن الحسين" ( [13] ) فإنه ذهب إلى أنه لا يجوز فعل الوضوء قبل دخول وقت الصلاة ولا يجوز فعله في الأوقات المكروهة وزعم أنه عبادة كالصلاة، ولم أعرف أحدًا قال بهذه المقالة قبله."

و عمدته في ذلك قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا"} [المائدة:6] ولا فائدة في القيام إلى الصلاة إلا في وقتها إذ لا حاجة في القيام إليها في غير وقتها."

والمختار: جوازه قبل دخول الوقت لقوله لمن علمه الوضوء: (( توض كما أمرك الله" ) ).ولم يخصه بوقت دون وقت كما خص اللّه الصلاة بالأوقات في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] . وقوله: (( صلوا الصلاة لوقتها"فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر ) ) ( [14] ) .

فخص الصلاة بالتوقيت دون الوضوء فدل ذلك على جواز ذلك في كل الأوقات، فأما قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} . فليس الغرض بذلك القيام في وقتها وإنما قصد بذلك إذا نهضتم لتأدية الصلاة وأردتم تحصيلها فاغسلوا وجوهكم.

وثالثها: بالإضافة إلى ما تؤدى به الفريضة الواحدة ونافلتها على رأي من قال به، بخلاف الوضوء فإنه يؤدي به ما شاء من الفرائض والنوافل.

ورابعها: بالإضافة إلى ما ينقضه، فإن الطهارة الحقيقية إنما تنتقض بخروج الخارج من السبيلين وما شاكله، بخلاف التيمم فإنه ينتقض برؤية الماء وتجدد الطلب فلهذا قضينا بكونه ضروريًا.

وخامسها: بالإضافة إلى كيفية تأثيره، فإنه إنما يراد لإباحة ما كان محظورًا ولا يكون رافعًا للحدث، بخلاف غيره من الطهارات فإنه رافع للحدث. فهذه الأمور الخمسة كلها دالة على كونه ضروريًا في التطهير وقد تم غرضنا فيما يتعلق بوقت التيمم بمعونة اللّه تعالى.

( [1] ) الإياس هنا: من أيس، وهو فعل دخل عليه القلب كما يقول اللغويون، والأصل فيه يئس، بتقديم الياء كما هو في القرآن الكريم {أُولَئكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِيْ} وقد أوردها المؤلف في السطر نفسه على الأصل.

( [2] ) تقدم.

( [3] ) سيأتي.

( [4] ) سيأتي.

( [5] ) ملخص من كلام الهادي في (الأحكام) ج1 ص66.

( [6] ) سيأتي في موضعه.

( [7] ) في حاشية الأصل: هو صاحب (الوافي) علي بن بلال رحمه الله، اه‍.

( [8] ) سيأتي في الأوقات.

( [9] ) سيأتي في الحيض.

( [10] ) في الفرع السادس من (مسألة في ما يستباح بالتيمم) .

( [11] ) تجدد الطلب شرط في انعقاد التيمم لا ناقضًا، ولعل المؤلف قصد أن الناقض هنا هو إذا طلع عليه ركب قبل الصلاة.

( [14] ) في حاشية الأصل: إن تبين أن معهم ماء يتمكن من الوضوء به بشراء أو بغيره. اه‍.

( [13] ) الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن أبي البركات إسماعيل بن أحمد بن القاسم بن محمد بن القاسم [الرسي] بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب. أطلق دعوته إلى الله سنة 646ه‍. فاستجاب له العلماء والشيعة من كثير من الأقطار، ودخل الحرمان الشريفان ضمن ولايته، وأطاعه كافة بني الحسن والحسين بالحجاز والمدينة، وبلغت دعوته الجيل والديلم، ونواحي العراق واليمن بكل علمائه، وامتثل لإمامته أئمة منهم: المتوكل على الله المطهر بن يحيى وعلي بن الحسين صاحب (اللمع) والمنصور بالله الحسن بن بدر الدين، وأخوه الأمير الحسين، وذكر السيد العلامة أبو الحسين مجدالدين بن محمد المؤيدي في كتابه: التحف شرح الزلف. تحقيق الأستاذين محمد يحيى سالم عزان وعلي أحمد محمد الرازحي. طبعة أولى سنة 1414ه‍ /1994م ما ملخصه ورود أحاديث ودلالات على مآثر لهذا الإمام تدل على مرتبته في الفضل والعلم والعدل، لا يتسع المقام هنا للخوض في تفاصيلها. ا ه‍ ص 171.

( [14] ) سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت