فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 129

الفصل الثالث

في بيان الأقل والأكثر من الطهر والحيض

اعلم أن الذي عليه الأكثر من أئمة العترة والأكثر من فقهاء الأمة هو تقدير أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر دون أكثره، وخالف الناصر في هذه القاعدة وقال: إنه لا تقدير فيه وهو محكي عن مالك، فهذان مذهبان نذكر ما يتوجه في كل واحد منهما بمعونة الله:

المذهب الأول: قال الإمام الناصر في كتابه (الكبير) ، لا وقت للحيض عن اللّه ولا عن رسوله لا لقليله ولا لكثيره لأنه يزيد وينقص وإنما الاعتبار في ذلك بلون دم الحيض ودم الاستحاضة دون وقتها وعادتها لا غير.

والحجة له على ما قاله: قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ"وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8] ."

ووجه الدلالة من هذه الآية، هو أن اللّه تعالى أورد هذه الآية على جهة التمدح بأنه مختص بالعلم بهذه الأمور فلو علمنا قليله وكثيره وزيادته ونقصانه لبطل تمدحه باختصاصه وانفراده به.

الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ"} [البقرة:228] ."

ووجه الحجة من هذه الآية:هو أن اللّه تعالى نهاهن عن كتمان ما خلق في أرحامهن من الحيض فلو كان الحيض مقدرًا بالوقت والعدد لكان ظاهرًا مكشوفًا لا يمكن كتمانه فلما نهاهن عن الكتمان دل ذلك على أن الغرض ما يعلمه اللّه تعالى من الولد والحيض دون الوقت والعدد فإنهما معلومان.

الحجة الثالثة: قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: (( إذا أقبلت الحيضة فدعي"وإذا أدبرت فتوضائي وصلي ) ). وفي هذا دلالة على أن الاعتبار إنما هو باللون دون الوقت والعدد."

الحجة الرابعة: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222] .

ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى أمر باعتزالهن في حال المحيض في قليله وكثيره يدل ذلك على أن الاعتبار باللون دون الوقت والعدد، فهذا جملة ما أوردوه نصرة لمذهبه.

المذهب الثاني: أن الحيض مقدر أقله وأكثره، والطهر مقدر أقله دون أكثره، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة الهادي والقاسم ورأي السيدين الأخوين وهو قول الأكثر من فقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه على اختلافٍ بينهم فيه، وهو القول الآخر للناصر ذكره في (الألفاظ) وفي (المختصر) وفي كتاب (أصول الدين) .

والحجة على هذه المقالة:هي أن الأخبار المأثورة من جهة الرسول دالة على هذه المقادير في الطهر والحيض ومصرحة بها تصريحًا لا يمكن دفعه ولا يسع إنكاره، وسنقررها ونوضح دلالتها على ما يذهب إليه كل واحد منهم فيما رآه من المقدار في الطهر والحيض.

والمختار: ما عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة من تعريف الأوقات والمقادير في الطهر والحيض.

والحجة لهم: ما قدمناه ونزيد هاهنا، وهو أن الإجماع منعقد من جهة العترة وأكابر أهل البيت بعد عودة الناصر إلى مقالتهم، ومن جهة علماء الأمة من يوم نشأ الخلاف في المسائل الفقهية، على أن الحيض مقدر بالوقت والعدد وهذا الاحتجاج إنما نقيمه على مالك فأما الناصر فقد رجع إلى مقالة آبائه في تقديره بوقته وعدده.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، وهو قول الناصر القديم.

قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ"وَمَا تَزْدَادُ} [الرعد:8] ."

قلنا: المراد به الولد في كونه ذكرًا أو أنثى وما ينقص وما يزيد من اللبث في بطن أمه وما يذهب ويصير غيضًا في الأرحام، فهذا هو المراد بالآية وليس فيها ذكر الحيض في قدره ووقته.

وقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ"} [البقرة:228] ."

قلنا: مقداره من الثلاثة إلى العشرة ووقته من التسع إلى ما فوقها فالله تعالى خوَّفهُن أن يكتمن مقداره ووقته لأغراض فاسدة، فتقول: حيضي عشر وهو خمس أو تقول: قد انقطع دمي، ولم ينقطع، إلى غير ذلك مما يتعلق بأغراضهن.

قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: (( إذا أقبلت الحيضة فأمسكي"وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ) )."

قلنا: الغرض أنها في أيام الحيض، والخبر دال على وجوب ترك الصلاة عند الحيض فلابد من تقديرها بالأيام ليعرف الحيض مما يكون استحاضة، وفي ذلك ما نريده.

وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَىً} [البقرة:222] . ولم يذكر المقدار ولا الوقت.

قلنا: قد أمر باجتناب الأذى في المحيض فلابد من تقدير وقته وعدده ليعرف ما يجتنب وما لا يجتنب، فليس كل أذى يجب اجتنابه وإنما يجب اجتنابه مع العلم بوقته وعدده، فقد ظهر لك بما قررناه ضعف هذه المقالة. فأما التعويل على صفة الدم مع القول بالمقدار والوقت فسنوضحه بمعونة اللّه تعالى.

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول منها: في مقدار أقل الحيض، وللعلماء فيه مذاهب أربعة:

المذهب الأول:أن أقله ثلاثة وهذا هو المروي عن زيد بن علي والصادق وأحمد بن عيسى ونصه الهادي في (الأحكام) واختيار السيد المؤيد بالله وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري.

والحجة على هذا: ما روى واثلة بن الأسقع" ( [1] ) عن الرسول أنه قال: (( أقل الحيض للجارية البكر ثلاثة أيام"وأكثره عشرة ) ) ( [2] ) . وروي عن الرسول أنه قال: (( أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر" ) ) ( [3] ) وهذا رواه أبو أمامة (( وما زاد على عشرة أيام فهو استحاضة ) ). وروى أنس بن مالك عن الرسول أنه قال: (( أقل الحيض يكون ثلاثًا إلى خمس"وإلى عشر وما زاد فهو استحاضة ) ). وروي عنه أيضًا: أنه قال: الحيض ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة"وما زاد فهو استحاضة. ومثل هذا لا مساغ للإجتهاد فيه ولا يقوله الصحابي إلا عن توقيف من جهة الرسول ، وروى معاذ عن الرسول أنه قال: (( أقل الحيض ثلاثة أيام"وأكثره عشرة أيام ) ). فهذه الأخبار كلها دالة بصريحها على أن أقله ثلاث وأكثره عشر فيجب التعويل عليها والله أعلم.

المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وهو أن أقله يوم وليلة، وحكي عنه يوم واحد. قال الشيخ أبو حامد من أصحابه: والصحيح من قوله أنه يوم وليلة وهو الذي يفرع عليه ويفتي به ويناظر عليه ولا أعرف له ولا أصحابه حجة على ما قالوه إلا الوجود ولم يوردوا كتابًا ولا سنة.

قال الشافعي: رأيت امرأة ثبت لي عنها أنها لا تحيض أكثر من يوم واحد وثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام، هكذا في (البيان) . ونقلوا صورًا عن عدة من النساء من تحيض يومًا ومن تحيض أقل من ثلاثة أيام وما زادوا على النقل من أحوال النساء شيئًا.

المذهب الثالث: أن أقله يومان وأكثر الثالث، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف ولا أعرف له حجة يدلي بها في نصرة مذهبه هذا إلا الوجود كما حكيناه عن الشافعي.

المذهب الرابع: محكي عن مالك أنه قال: لا حد لقليله.

وحجته على هذا: ما حكيناه عنه آنفًا من أن الاعتبار بوجود الدم وصفته من غير حاجة إلى تقدير وقته وعدده، وعمدته في هذا خبر بنت أبي حبيش حين قال لها الرسول: (( إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة"وإذا رأيت الدم الأحمر فتوضائي وصلي ) ). فعول على الصفة ولم يجعل له حدًا في القلة."

والمختار: ما عول عليه الأكابر من أهل البيت ومن وافقهم.

وحجتهم:ما قررناه،ونزيد هاهنا:وهو أن اللّه تعالى قال في كتابه الكريم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذئً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222] ولم يقدر في الكتاب قليله وكثيره ولكنه أشار إلى مطلق الأذى وأمر باجتنابه، ثم وجدنا الأخبار من جهة السنة مصرحة بحده ومقداره في قليله وكثيره فقضينا بها جمعًا بين الكتاب والسنة وعملًا بهما، وهذه طريقة مرضية في جمع الأدلة واتفاقها على المقصود من غير معارضة ولا تناقض.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما ما زعمه الشافعي من أن أقله يوم وليلة فتعويله في ذلك على الوجود وهذا مردود، فإن المعتمد في هذه المقدرات ليس على الوجود فإنه معيار مضطرب لا يعول عليه لاختلافه فإنه لا يستقر على قاعدة واحدة وإنما التعويل على ما كان من جهة الشارع لأنها أمور غيبية قد استأثر اللّه بعلمها ووكلها إلى لسان الرسول ، وبهذا يبطل ما حكيناه عن أبي يوسف فإنه عول على الوجود ولم يأت بدلالة شرعية.

وأما ما حكي عن مالك من أنه لا حد لأقله فإنه بنى ذلك على بطلان وقت الحيض ومقدراه وقد أوضحنا فساده بما مر من الأدلة.

وقد حكي عن القاسم أنه لا حد لأقله قال المؤيد بالله: ولا أحفظ له في أقله نصًا وليس مذهبه مثل مذهب مالك في بطلان حده وقدره فإنه قد صرح بأن له وقتًا وعددًا وليس معرجًا على صفة الدم مثل قول مالك ولكنه حدَّ أكثره ولم يحد أقله.

الفرع الثاني: في مقدار أكثره. وفيه مذاهب خمسة:

المذهب الأول: أن أكثره عشرة أيام، وهذا هو رأي القاسم والهادي والأكثر من أئمة أهل البيت زيد بن علي والصادق وأحمد بن عيسى والمؤيد بالله والأقوى من قولي الناصر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري.

والحجة لهم على ذلك: ما قررناه في قليله، فإن الأخبار التي رويناها متصل بها الكثير بالقليل من غير فصل فلا حاجة إلى تكرير الكلام بإعادتها.

المذهب الثاني: أن أكثره خمسة عشر وهذا هو المحكي عن الشافعي ويحكى عن أحمد بن حنبل.

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: (( ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن" ) )قيل: وما نقصان عقولهن؟ قال: (( شهادة امرأتين كشهادة رجل ونقصان دينهن أن إحداهن تمكث نصف دهرها فلا تصلي ) ) ( [4] ) . وفي هذا دلالة على أن من النساء من تكون حائضًا نصف عمرها وذلك يوجب أن يكون حيضها خمسة عشر يومًا."

المذهب الثالث: أن أكثره سبعة عشر يومًا، وهذا هو المحكي عن مكحول والشعبي وطاووس والحسن بن صالح.

والحجة على هذا: الإستقراء والعادة المألوفة في حيض النساء، وأظن أن هؤلاء إنما عولوا على الوجود كما حكيناه عن الشافعي في تعويله على الوجود في مقدار أقله وقد عثروا على بعض النساء تحيض سبعة عشر يومًا فجعلوه أصلًا في مقدار أكثره.

المذهب الرابع: وروي عن سعيد بن جبير أن أكثره ثلاثة عشر يومًا.

والحجة على هذا: هو التعويل على الوجود فإنه روى أن بعض النساء تحيض هذه المدة فلا جرم عول عليها.

المذهب الخامس: حكي عن مالك ثلاث روايات:

أولاها: يوم وليله.

وثانيتها:سبعة عشر يومًا.

والثالثة:لا حد لأكثره.

والحجة على هذا: أما يوم وليلة فحجته حجة الشافعي، وأما سبعة عشر يومًا فمقالته مقالة الشعبي وتعويله على الوجود والإستقراء، وأما أنه لا حد لأكثره فقد قررنا وجهها فيما سبق فأغنى عن الإعادة.

والمختار: ما عول عليه الأكابر من أهل البيت من أن أكثره عشرة أيام وهي محكية عن علي .

والحجة على ذلك: ما رويناه من تلك الأخبار فإنها نصوص في مقدار أقله وأكثره فلا وجه لتكريرها.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما ما أورده الشافعي من الاحتجاج بالخبر فعنه جوابان:

أما أولًا: فإنا نقول بموجب الخبر مع الإستمرار على الخلاف لأن عندنا أن أقل الطهر عشر وأكثر الحيض عشر وإذا كان طهرها عشرًا وحيضها عشرًا فقد مكثت نصف عمرها لا تصوم ولا تصلي.

وأما ثانيًا: فلأن قوله نصف دهرها، ليس ثابتًا في الأخبار وإنما الثابت في الرواية شطر دهرها، والشطر عبارة عن بعض الشيء لأنه يقال: جعلت لك شطر مالي أي بعضه. وقال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"} [البقرة:144،149،150] أي بعضه. ولا شك أنها تقعد بعض عمرها لا تصوم ولا تصلي، فأما ما يحكى عن الشعبي والحسن بن صالح أنه سبعة عشر، ويحكى عن سعيد بن جبير أنه ثلاثة عشر، وعن مالك أنه سبعة عشر أو يوم وليلة، فكله تعويل على الإستقراء والعادة المألوفة والوجود وما هذا حاله فليس معولًا عليه في هذه الأمور العددية والأحكام المقدرة فإنه لا تعويل فيها على العادات واستقراء الوجود لكونها غير مستقرة وتضطرب أحوالها ولا تطرد مجاريها ولم يلتفت إليها الشرع، وإنما يعول على ما كان من جهة الرسول في كل ما تكلم به ونطق، فأما رواية مالك أنه لا حد لأكثره فقد أوضحنا الكلام عليه."

الفرع الثالث: في مقدار أقل الطهر.

وقد اختلف العلماء في مقدار أقله ولهم في ذلك مذاهب ستة:

المذهب الأول: أن أقل ما يكون الطهر في الحائضات من النساء عشرة أيام وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه.

والحجة على ذلك: قوله: (( النساء ناقصات الحظوظ ناقصات العقول ناقصات الأديان"، فأما نقصان حظوظهن فلهن نصف ما للذكر من الميرات كما قال تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنثَيَيْنِ"} [النساء:11] ، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد، وأما نقصان دينهن فتمكث إحداهن نصف دهرها لا تصلي ) )وفي هذا دلالة على أن أقل طهرها عشر وأكثر حيضها عشر وهو المقصود.

المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وأقله عنده خمسة عشرة يومًا.

والحجة له على ما قاله: ما روي عن الرسول أنه قال في النساء: (( ناقصات الأديان ) ). وأوضح بقوله: (( إن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي ) ).

وثالثها: أن أقله تسعة عشر يومًا، وهذا شيء يحكى عن يحيى بن أكثم" ( [5] ) ."

ورابعها: أن أقله ثمانية أيام.

وخامسها: أن أقله خمسة أيام، وهذا شيء يحكى عن عبدالملك الماجشون.

وسادسها: أن أقله ثلاثة أيام، وهذا إنما يحكى عن أحمد بن حنبل.

والحجة لهؤلاء فيما قالوه: هي الإعتماد على ما يحصل من الإستقراء والعادة المألوفة من النساء، فكل واحد من هؤلاء عول فيما ذهب إليه على ما يجده من نساء أهل زمانه وبلده فلا جرم اختلفت مذاهبهم في القلة والكثرة.

والمختار: ما عول عليه أئمة العترة، فإنهم قد اجمعوا على ذلك وإجماعهم حجة للآية والخبر ( [6] ) وقد نصرناه في الكتب الأصولية وأجبنا عن الأسئلة الواردة عليه، ونزيد هاهنا: وهو أن اللّه تعالى أوجب على المعتدة بالأقراء ثلاث حيض وأوجب على المعتدة الآيسة لصغر أو كبر ثلاثة أشهر فأقامها مقام أكثر الحيض وأقل الطهر، وفي هذا دلالة على أن أقله عشرة أيام كما قلناه ولم نقمه مقام أكثر الطهر لأنه لا حد له والإعتماد عندنا في العدة إنما هو بالحيض دون الأطهار كما سنوضحه في كتاب العدة بمشيئة اللّه تعالى.

فحصل من مجموع ما ذكرناه أن إيجاب العدة بالأشهر قائمة مقام العدة بالأقراء وكما هي دالة على أقل الطهر فهي دالة على أكثر الحيض. فإن قلنا: إن العدة بالأطهار فهي دالة على أقله وإن قلنا: إن العدة بالحيض فهي دالة على أكثره وهي ثلاثون يومًا إما للأقراء بالطهر أو بالحيض.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما حجة الشافعي بالخبر فقد أوضحنا أن المراد به في الخبر شطر دهرها وأنه كما هو دال على ما يقوله فهو دال على ما نذهب إليه، وأما سائر المذاهب التي نقلناها في بيان أقل الطهر فإنها كلها مبنية على الوجود والإستقراء وليس على كل واحد منها دلالة شرعية من كتاب ولا سنة ولكنها مقررة على العرف والعادة ولا مدخل للعرف والعادة في هذه المقدرات والأمور العددية فإن مستندها أمر غيبي وليس فيها إلا ما كان من جهة اللّه أو من جهة رسوله، وأيضًا فإنها متدافعة مضطربة لا تعويل على مقدار فيها بحجة واضحة.

الفرع الرابع: في مقدار أكثر الطهر، وأكثره لا حد له، لا خلاف فيه بين الأئمة وفقهاء الأمة لأن الطهر هو الأصل سواء كان قبل الحيض أو بعده فلا حد له ولا منتهى لقدره، فإذا تمهدت هذه القاعدة من بيان هذه المقادير من أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر وأكثره كما أوضحناه، فإنما تظهر ثمرة هذه المقادير في المستحاضات وعَبر الدم على أكثر الحيض. فما كان من الدم في الثلاث فهو حيض بيقين تتعلق به أحكام الحيض من ترك الصلاة والصوم، وما كان زائدًا على العشر فهو طهر بيقين فتلحقه أحكام الطهارة من جواز الصلاة والصوم وما كان فوق الثلاث إلى اليوم العاشر فهو مشكوك في حاله لكونه محتملًا للحيض والاستحاضة، فذات العادة ترد إلى عادتها والمبتدأة ترد إلى عادة نسائها أو إلى صفة الدم ولونه كما سنوضحه بمعونة اللّه تعالى.

الفرع الخامس: في بيان التقسيمات المتعلقة بالحيض وأيامه.

وهو ينقسم إلى أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة ولكنا نشير إلى ما يتعلق بالمقاصد الفقهية والأحكام الشرعية وجملتها تقسيمات أربعة:

التقسيم الأول: باعتبار ماهية الحيض وحقيقته، إلى أسود ثخين محتدم بحراني له رائحة كريهة، وإلى ما يكون أحمر مشرق اللون رقيقًا له رائحة الدم.

فالضرب الأول: هو الذي يعول عليه في الحيض، فالأسود والثخين ظاهران لا يحتاجان إلى تفسير، والمحتدم: الحار الذي يلذع البشرة بحرارته أَخْذًا من قولهم احتدم الماء إذا حُرَّ، وأما البحراني فقد قال ابن عباس: هو شديد الحمرة الذي يضرب إلى سواد ويقال له: القاني، وقيل: البحراني الذي يخرج من قعر الرحم وأعماقها لأنها تخرج من لحمها.

الضرب الثاني: هو دم الاستحاضة وهو دم مشرق اللون رقيق له رائحة الدم وهو من عرق ينفتق، وهل يعول على صفة الدم في كونه حيضًا أو استحاضة؟ فيه تردد نذكره على أثر هذا بمعونة اللّه.

التقسيم الثاني: باعتبار حكمه، إلى ما يكون ممكنًا وإلى ما يكون ممتنعًا، فالممكن في الأيام هي التي بين أيام العادة وبين أكثر الحيض إذا كانت عادتها دون أكثر الحيض من الخمس إلى السبع وكذلك الأيام التي تكون بعد مضي أقل الطهر إلى مجيء أيام العادة، فهذه هي الأيام الممكنة ليكون الدم حيضًا وأما الأيام الممتنعة فهي أقل أيام الطهر وأيام الحمل وفي حال الصغر لدون التسع وفي حال الكبر لما بعد الستين كما مر بيانه.

التقسيم الثالث: باعتبار وقت وروده، إلى أيام الإبتداء وإلى أيام العادة، فأما أيام الإبتداء فهي الأيام التي يطرق المرأة الحيض بها في سن الحيض ولم تسبقها لها عادة، وأما أيام العادة فهي عبارة عن الأيام التي تحيض المرأة فيها في كل شهر على الاستمرار، وينقسم إلى: عادة وقت، وإلى عادة عدد، فعادة الوقت من أول الشهر وآخره ووسطه، وعادة العدد من خمس إلى ست إلى سبع إلى عشر. قال الإمام المؤيد بالله: والأيام أربعة، أيام العادة، وأيام الإبتداء، وأيام الإمكان، وأيام الإمتناع، وقد فسرنا هذه الأيام فأغنى عن تكريره.

التقسيم الرابع: باعتبار العلم به، إلى ما يكون حيضًا بيقين، وهو الثلاث. وإلى ما يكون طهرًا بيقين، وهو ما زاد على العشر. وإلى ما يكون مشكوكًا، وهو ما فوق الثلاث إلى العشر. ونقتصر على هذا القدر من التقسيمات ففيه مقنع وكفاية لقصدنا.

الفرع السادس: في كيفية انتقال العادة. قال السيد أبو العباس: وانتقال العادة يكون على أوجه ثلاثة:

انتقال العدد دون الوقت، وانتقال الوقت دون العدد، وانتقال الوقت والعدد جميعًا.

فإذا حاضت المرأة في أول الشهر أربعًا وطهرت إحدى عشرة ثم حاضت في النصف الثاني أربعًا وطهرت إحدى عشرة فقد تقرر بها الوقت والعدد جميعًا في الطهر والحيض لأنها رأت عددًا واحدًا مرتين واتحد الوقت مرتين أيضًا في الأولية، أول النصف الأول وأول النصف الآخر فصارالوقت والعدد متحدين كما أوضحناه، فإن استحيضت في الشهر الثاني عملت في الحيض والطهر عليهما فيكون حيضها في كل شهر أربعًا وطهرها إحدى عشرة فهكذا يكون استقرار العادة وثبوتها.

ومثال انتقالها عن الوقت والعدد جميعًا، هو أن هذه المرأة من عادتها أنها تطهر في أول الشهر عشرًا وتحيض خمسًا ثم طهرت بعد ذلك عشرًا، وحاضت خمسًا فقد تغيرت عادتها فيهما جميعًا، إلى ما ذكرنا، فقد انتقلت عادتها في الوقت والعدد جميعًا لأن عادتها في أول الشهر كان طهرًا فصار حيضًا وعدد حيضها كان أربعًا فصار خمسًا وكان طهرها عشرًا فصار إحدى عشرة.

ومثال انتقال الوقت دون العدد أن تكون العادة واحدة طهرًا عشرًا وحيضًا سبعًا مرة في أوله ومرة في وسطه.

ومثال انتقال العدد دون الوقت هو أن يكون الوقت واحدًا في أول كل شهر لكن العدة مختلفة طهرًا خمس عشرة وحيضًا خمسًا وسبعًا فقد وضح الإنتقال على هذه الأوجه.

الفرع السابع: في بيان ما تستقر به العادة وتثبت عليه.

اعلم أن الحاجة ماسة إلى بيان ما تثبت به العادة في الحيض لترجع إليه المستحاضة إذ عبر الدم على العشر في حقها وفي حق نسائها لأنها ترجع إلى العادتين جميعًا، فإذا تكررت العادة الأخيرة من غير زيادة ولا نقصان فلا يقع خلاف بين الفقهاء في وجوب الرجوع إليها وإنما الخلاف فيما تثبت به العادة مع الإختلاف وفيه مذهبان:

المذهب الأول: أن العادة تثبت بقرأين عند تغيرها وهذا هو الظاهر من مذهب أصحابنا وحصله أبو العباس لمذهب الهادي، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: (( أقعدي عن الصلاة أيام أقرائك" ) )فعلق الحكم بالأقراء وليست الأقراء عبارة عن قرء واحد لا حقيقة ولا مجازًا والثلاثة غير معتبرة بالإجماع فوجب أن يكون المراد قرئين."

المذهب الثاني: أن المعتبر في تقرير العادة قرء واحد، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف وأحد قولي الشافعي.

والحجة على هذا: قوله: (( دعي الصلاة أيام أقرائك" ) ). والأقراء: جمع قرء. و لا خلاف أن أقل الجمع ثلاثة ولا قائل بالثلاثة فيجب حمله على الواحد لأنه هو المستيقن وما عداه لا دلالة عليه."

والمختار: ما قاله أصحابنا.

والحجة لهم ما قررناه، ونزيد هاهنا وهو أنه لا فرق بين النادر والمعتاد إلا أن النادر يكون بالمرة الواحدة والمعتاد يكون بالتكرر ولا يعقل أقل التكرر إلا مرتين فلهذا قلنا بأن العادة لا يمكن تحققها إلا بقرأين.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.

قالوا: الأقراء تحمل على الواحد دون الإثنين والثلاثة.

قلنا: هذا فاسد فإن الأقراء جمع فلا يجوز حملها على الواحد حقيقة ولا مجازًا وحملها على الإثنين أحق لأن حقيقة الجمع وهو الضم، حاصلة فيهما، ولأن من العلماء من قال: أقل الجمع اثنان، فلا جرم كان حمل الأقراء على الإثنين هو المعتمد.

الفرع الثامن: الدم إذا كان أسود ثخينًا أو كان أحمر رقيقًا فهل يعول على الأسود الثخين في كونه حيضًا أو على الأحمر الرقيق في كونه استحاضة أو لا يعول إلا على الوقت والقدر؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه لا يعول على صفة الدم في الحيض والاستحاضة وإنما التعويل على وقته وقدره.

والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال لحمنة بنت جحش: (( تحيضي في علم اللّه ستًا أو سبعًا"كما تحيض النساء في كل شهر ) ). فأحالها على قدره بالوقت دون الصفة."

الحجة الثانية: ما روى أنس بن مالك عن رسول اللّه أنه قال: (( الحيض ثلاث أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشر"وما زاد فهو استحاضة ) ). فوقته دون الصفة."

الحجة الثالثة: ما روى أسامة عن الرسول أنه قال: (( أقل ما يكون الحيض للبكر ثلاثة أيام وأكثره عشرة" ) ) ( [7] ) ."

الحجة الرابعة: ما روي عن الرسول أنه قال: (( تقعد المستحاضة أيام أقرائها لا تصلي ولا تصوم" ) ) ( [8] ) . فهذه الأخبار كلها دالة على توقيته بالوقت والقدر دون الصفة. وهذا هو رأي القاسم والهادي وأحد قولي الناصر والقول المشهور عن أبي حنيفة."

المذهب الثاني: أن التعويل في الحيض على الصفة التي ذكرناها وهذا هو قول الناصر الثاني ( [9] ) والقول الصحيح عن الشافعي.

والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال لفاطمة" ( [10] ) : (( إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فامسكي عن الصلاة"، وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي ) ). فذكر الصفة ولم يعرج على الوقت والقدر في كونه حيضًا.

الحجة الثانية: وروي عنه أنه قال: (( للحيض أمارات وعلامات"فدم الحيض محتدم أسود بحراني ثخين ) ). ولم يقدر ولا فصل بين يوم وبين ثلاثة ايام وإنما عول على صفته لا غير."

والمختار عندنا: تفصيل نشير إلى أسراره وهو أن صفة الدم أمارة قوة يعتمد عليها في أحكام الحيض ويجب الرجوع إليها في أحكام المستحاضات، فكما جاز رد المستحاضة إلى عادتها في حق ذات العادة وردها إلى عادة نسائها في حق المبتدأة فهكذا يجب ردها إلى التمييز بين الدمين وهو أقوى من ردها إلى العادتين لما فيه من الإختصاص ومزيد القوة، ولا بد فيه من اعتبار الوقت والعدد فإن أراد الناصر انفراده عن الوقت والعدد في كونه أمارة للحيض فهذا يضعف لأن الوقت والعدد في حق الحيض لا بد من اعتبارهما لما قررناه من الأدلة في بيان أقله وأكثره وإن كان مراده أن صفة الدم معتبرة مضمومة إلى الوقت والعدد فهذا جيد لا غبار عليه في كونه أمارة قوية في الميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة كما سنقرر ثمرته في حكم ورود الدم على المرأة.

ويدل على ما اخترناه من مراعاة صفة الدم حديث فاطمة وما روينا من الحديث الدال على اعتبار صفات الدم، ونزيد هاهنا وهو أن الأحكام الشرعية معلقة بخروج الدم في وقت إمكانه فإذا كان التعويل على خروجه فصفته تابعة له في التمييز وجري الأحكام فالصفة بالذات أخص وبها أمس من جهة أن الصفة تابعة للذات، ويؤيد ما ذكرناه أن التعويل في وجوب الغسل بخروج المني ويعتمد على صفاته التي تختص به فهكذا حال الحيض كما يجب التعويل على خروج الدم فيجب التعويل على صفته وهو المقصود.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.

قالوا: الأحاديث التي رويناها، حديث فاطمة وحديث أنس وحديث أسامة كلها دالة على الوقت والعدد دون صفة الحيض.

قلنا: الجواب عنها بحرف واحد، وهو أن أخبارنا دالة على اعتبار الصفة وأخباركم دالة على اعتبار الوقت والعدد فيجب الجمع بين الأخبار في الدلالة فيجب القضاء باعتبار الأمور الثلاثة الصفة والوقت والعدد وتكون هذه طريقة قوية على مراعاة الجمع بين الأخبار في الدلالة، وهي ( [11] ) إنما تتناول إبطال قول من قال باعتبار الصفة مجردة من الوقت والعدد فأما إذا قلنا باعتبارهما أجمع فهي موافقة في الدلالة لأخبارنا، والله اعلم بالصواب.

الفرع السابع: في حكم النقاء المتوسط بين الدمين.

ومثاله أن ترى المرأة يومًا دمًا وثماني نقاءً ويومًا دمًا، فهل يكون هذا النقاء حيضًا أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:

المذهب الأول: أن النقاء إذا لم يبلغ طهرًا كاملًا وأقله عشرة أيام فهو حيض كله، وهكذا حالها إذا رأت يومًا دمًا وخمسة أيام نقاء ويومين دمًا فهو كله حيض، وهكذا في جميع الصور التي لا يبلغ النقاء كمال أقل الطهر. وهذا هو المحصل للمذهب تفريعًا على ما قررناه من قبل في أقل الطهر وأقل الحيض، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأحد قولي الشافعي وهو الذي قرره أبو العباس وحصله لمذهب الهادي.

والحجة على ذلك: قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ"} [البقرة:222] وقد حصل الأذى محفوفًا بطرفي أقل الطهر فوجب القضاء بكونه حيضًا لما لم تكمل فيه مدة الطهر سواء كملت مدة أقل الحيض أو لم تكمل."

المذهب الثاني: أن كل دمين تخلل بينهما طهر أقل منهما في العدد أو مثلهما في العدد أو كان الطهر بينهما أقل من ثلاثة أيام فحكمه حكم الدم وهو كالدم المتصل. وإن تخلل بين الدمين طهر أكبر منهما في العدد لم يكن ذلك الطهر في حكم الدم وكان في حكم الطهر، وهذا شيء يحكى عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة.

والحجة على ذلك: هي أن الطهر إذا كان أقل منهما في العدد أو مثلهما فهو مغلوب بالأذى فلهذا كان حيضًا كله اعتمادًا على الإعتزال في الأذى، وإن كان أكثر منهما في العدد كان غالبًا لهما فلهذا كان طهرًا.

المذهب الثالث: أن النقاء كله طهر من غير حاجة إلى هذا التفصيل الذي حكيناه عن محمد بن الحسن، وهذا محكي عن مالك وهو الصحيح من قول الشافعي.

والحجة على ذلك: هي أنه ليس هناك ما يدل على وجود الحيض إلا الدم ولا ما يدل على وجود الطهر إلا النقاء فلا جرم كان التعويل على وجود الطهر في هذا النقاء لبطلان أمارة الحيض فيه.

والمختار: ما عول عليه أصحابنا تحصيلًا للمذهب من كون الطهر محكومًا عليه بالحيض إذا لم يكمل.

والحجة: ما قررناه من قبل ونزيد هاهنا، وهو أن الطهر إنما يحكم عليه بالنقاء إذا كاملًا في العدة فأما إذا قصر عن العدة كان لاحقًا باليوم الأول واليوم الآخر في كونه حيضًا.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.

أما ما قاله محمد من التفصيل فهو تعويل منه على الغلبة وليس عليه دلالة شرعية خاصة في الطهارات والأمور التقديريه فإن مستندها الشرع وكلام صاحب الشريعة فأما المقاييس فلا تعويل عليها في إثباتها.

وأما ما قاله مالك وأحد قولي الشافعي فهو تعويل على أنه ليس هناك دلالة شرعية على كون النقاء حيضًا فلا نسلمه بل قد قررنا من قبل أن أقل الطهر عشر فإذا لم يكمل عشرًا كان محكومًا عليه بكونه حيضًا.

الفرع العاشر: فأما ما روي عن الهادي في (المنتخب) من أن المرأة إذا رأت يومين دمًا ويومين نقاءً أو يومًا دمًا ويومًا نقاء فإنها تترك الصلاة إذا رأت الدم وتصلي إذا رأت النقاء، فإنه محمول على ما تدل عليه العاقبة، فإن كمل الطهر فاليومان ليسا حيضًا وإنما استحاضة وتغير، وإن لم يكمل الطهر عشرًا فكله حيض، وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه أصوله ونصوصه، وأما ما حكي عن القاسم من أن المرأة إذا رأت يومين أو أربعًا أو خمسًا دمًا ومثلها نقاء صلت في أيام النقاء وليس له في قليل الحيض نص وإنما نصه في مقدار كثيره، فإنه قال لا يزيد كثيره على عشر، فيحتمل أن يقال بأنها تصلي في مقدار النقاء إذا كمل طهرًا فإذا لم يكمل الطهر كان النقاء مضافًا إلى الحيض، وأما أيام الدم فظاهرها أنها حيض لأن فيها أمارة الحيض على ما تدل عليه العاقبة في إكمالها من الطهر إذا نقص عن كمال الطهر أو يكون حيضًا برأسه سواء نقص عن الثلاث أو زاد عليها لأنه لم ينص على قليله فلهذا احتمل ما ذكرناه، وبتمامه يتم الكلام على الفصل الثالث في بيان الأقل والأكثر من الطهر والحيض.

( [1] ) واثلة بن الأسقع بن كعب، صحابي أسلم قبل تبوك وشهدها، روى عن النبي وعن أبي مرثد الغنوي، وأبي هريرة وأم سلمة، وعنه: ابنته فسيلة وبسر الحضرمي ومكحول وغيرهم، خرج إلى الشام بعد وفاة رسول الله ، وكان يشهد المغازي بدمشق وحمص، ومات بدمشق سنة 83ه‍ عن 105سنين. اه‍ ملخصًا من (تهذيب التهذيب) 11 89.

( [2] ) جاء الحديث بلفظه عن أبي أمامة، وحديث واثلة (بالثاء المثلثة) بن لأسقع (بالسين المهملة والقاف والعين المهملة) بلفظ: (( أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة ) ). وجاء في (الجواهر ) ) عن معاذ أنه قال: (( أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام ) )حكى هذه الأخبار جميعها في (الشفاء) اه‍1 133، ورواه بلفظه عن معاذ في مسند زيد بن علي قال: سمعت زيد بن علي يقول: ...إلخ. وخرجه السياغي في (الروض) عن أبي أمامة بلفظ: (( أقل ما يكون الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثًا، وأكثر ما يكون الحيض عشرة أيام، فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة ) )اه‍ 1 503. وهو بلفظه هذا أشمل إذ لا فرق في مدة الحيض بين البكر والثيب، المحقق.

( [3] ) تقدم في الأحاديث السالفة.

( [4] ) جاء في (الجواهر-تخريج أحاديث البحر) ما جاء في (الجامع الكافي) عن أبي سعيد قال: خرج رسول الله في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: (( يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار ) )فقلن: لِمَ يا رسول الله؟ قال: (( تكثرن اللعن وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن ) )قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: (( أليس شهادة المرأة منكن مثل نصف شهادة الرجل ) )؟ قلن: بلى. قال: (( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ) )؟ قلن: بلى. قال: (( فذلك من نقصان دينها ) )أخرجه البخاري ومسلم. ولا دلالة فيه على المطلوب (يعني مدة الحيض) .

وفي (التلخيص) لفظه: قوله: روي أنه قال: (( تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي ) )لا أصل له بهذا اللفظ، ثم حكى في (الجامع الكافي) عن ابن مندة: أنه لا يثبت بوجه من الوجوه.

وقال البيهقي: هذا الحديث يذكره بعض فقهائنا وقد طلبته كثيرًا فلم أجده في شيء من كتب الحديث، ثم حكى في (التلخيص) نحو كلامهما عن ابن الجوزي وأبي إسحاق، والنووي والمنذري. اه‍ 1 133. وأورده في (فتح الغفار) ملخصًا، وقال: مختصر من البخاري ومسلم،اه‍1 99.

( [5] ) يحيى بن أكثم بن قطن بن سمعان الفرماء أبو محمد، وهو مروزي، سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وغيرهما، روى عنه البخاري وأبو حاتم الرازي وإسماعيل ابن إسحاق القاضي وغيرهم. وكان عالمًا بالفقه بصيرًا بالأحكام. ولاه المأمون قضاء القضاة ببغداد، وروي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: ذكر يحيى بن أكثم عند أبي فقال: ما عرفت فيه بدعة (( يحيى بن أكثم من أصحاب أحمد ) )تولى قضاء البصرة وعمره عشرون سنة، ومات بالربذة منصرفه من الحج يوم الجمعة لخمس عشرة خلت من ذي الحجة سنة 242ه‍ وسنه 83 سنه. ا ه‍. بتصرف. (المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد) ج3 ص89.

( [6] ) الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} . والخبر: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي. ) )الحديث.

( [7] ) تقدم.

( [8] ) أخرجه أبو داؤد والترمذي، وقد شمله حديث بنت أبي حبيش الذي تقدم.

( [9] ) يعني: القول الثاني للناصر.

( [10] ) فاطمة بنت أبي حبيش كما تقدم.

( [11] ) الأخبار الدالة على الوقت والعدد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت