فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 129

المبحث الثالث: في بيان وجوبها

اعلم أنه لا خلاف بين أهل القبلة والمعترفين بأحكام الشريعة في وجوب خمس صلوات مكتوبات في اليوم والليلة، ووجوبها معلوم بالضرورة من دين صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه. فإنكار وجوبها يكون ردة وكفرًا لما كانت معلومة بالضرورة من دينه، فمنكرها غير معترف بالنبوة لرده ما لا يمكن جحده، ولا يحكى الخلاف إلا عن ناس من الزنادقة وسفاسف الملاحدة وأهل الغلوِّ من الحشوية، فإنهم زعموا أبادهم اللّه وقطع دابرهم، أنها غير واجبة وأن الأمر إلى المصلي ما شاء أن يفعل فعل. وبعضهم قال: ليس الواجب إلا صلاتين صلاة بالليل وصلاة بالنهار إلى غير ذلك من الأقاويل المحرقة والمذاهب الردية.

والمعتمد في وجوبها: الكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب: فقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [النور:56] . وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] . وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ} [البينة:5] .وقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] . وقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ""يعني به صلاة المغرب وصلاة العشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ""أراد به صلاة الفجر""وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا""أراد به العصر""وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم:17،18] أراد به الظهر، وقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ } [هود:114] . وطرفا النهار هما الفجر والعصر، زلفًا من الليل يريد به العشاء والمغرب. وقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] .

وأما السنة: فما روي عن إبن عمر عن الرسول أنه قال: (( بني الإسلام على خمس، شهادة ألا إله إلا اللّه وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج إلى بيت اللّه الحرام من استطاع إليه سبيلا ) ) ( [1] ) .

وجاء رجل إلى الرسول ، يسأله عما فرض اللّه عليه فقال له: (( خمس صلوات في اليوم والليلة إلا أن تطوع ) ) ( [2] ) .

وفي حديث ضمام بن ثعلبه" ( [3] ) "

أنه سأل الرسول عن فرائض الإسلام وعددها، حتى قال له: آللّه أمرك أن تصلي هذه الصلوات الخمس فقال له الرسول: (( نعم ) ) ( [4] ) .

وقال الرسول يومًا لأصحابه: (( أنتم رعاة الشمس والقمر ) )فمراعاة الشمس لمعرفة أوقات الصلاة ومراعاة القمر للصيام والفرائض والنوافل. وفي حديث: (( إن للّه عبادًا يراعون حركة الشمس لذكر الله ) ). وما ورى عبادة بن الصامت ( [5] )

أن الرسول قال: (( افترض اللّه على عباده خمس صلوات فمن جاء بهن وأحسن وضوءهن وأتم ركوعهن وخضوعهن وخشوعهن كان عهدًا عند اللّه أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن وضيع حقوقهن لم يكن له عندالله عهد فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ) ) ( [6] ) .

وروى أبو هريرة أن رسول اللّه قال: (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر ) ) ( [7] ) .

وروى ابن هشام في سيرته في حديث المعراج أن الرسول لما عرج به إلى السموات وكان ابتداء فرض الصلوات هنالك، فقال الرسول: (( فرض اللّه على أمتي خمسين صلاة فلما لقيت موسى بن عمران فقال: ما فعل معك ربك فقال: فرض اللّه على أمتي خمسين صلاة. فقال: إرجع فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق على ذلك، فراجعه فنقص خمسًا وفي رواية أخرى فنقص شطرها فما زلت أتردد بين ربي وبين موسى حتى جعلها خمس صلوات. فقال: موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق على ذلك. فقلت: أستحي، فإذا النداء من عندالله: (( ألا إني قد أمضيت فريضتي وخففت على عبادي وجعلت الحسنة بعشرة أمثالها، هي خمس وهنَّ خمسون {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [ق:29] ) ).

وأما الإجماع: فمنعقد من جهة الأمة قولًا وفعلًا على وجوب هذه الصلوات الخمس من الصدر الأول إلى يومنا هذا، لا مخالف لهم في ذلك إلا من جهة من حكيناه من الملاحدة، وخلافهم لا يعول عليه وهو مردود لأنهم غير معدودين من الأمة لكفرهم وردتهم.

فإذا تقررت هذه القاعدة من وجوبها بهذه الأدلة التي أوردناها، فاعلم أن أول ما فرض اللّه تعالى من الصلوات قيام الليل أو نصفه أو دونه لقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّل ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل:1""4] . ثم نسخ ذلك وخففه الله تعالى بقوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } [المزمل:20] .

قال ابن عباس: كان بين أول السورة وآخرها سنة، وقيل: نسخ بالصلوات الخمس، وقيل: نسخ بقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء:78] . ثم أول ما فرض اللّه من هذه الصلوات الخمس صلاة الظهر، لحديث جابر: (( صلى بي جبريل [الظهر] عند باب البيت حين زالت الشمس ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله ) )كما سنقرره في باب المواقيت بمعونة اللّه تعالى.

( [1] ) هذا من مشاهير الأحاديث المتواترة من عدة طرق، فقد جاء بأسانيد متقاربة في صحاح مسلم والبخاري وابن حبان وابن خزيمة، وفي سنن الترمذي والبيهقي والنسائي، ومسند أحمد وغيره.

( [2] ) الحديث بكماله أخرجه الستة إلا الترمذي، وفي هذا المعنى احاديث أخر، ا ه‍ (جواهر 1/148) .

( [3] ) ضمام بن ثعلبة السعدي، قال في (الاستيعاب) 2/751: ويقال: التميمي، قدم على النبي بعثه بنو سعد بن بكر وافدًا، قيل: في سنة خمس، وقيل: سبع، وقيل: تسع، ذكره ابن هشام عن أبي عبيدة. فسأله عن الإسلام ثم رجع إلى قومه فأسلموا، روى قصته عدد من الصحابة. قال: ومن أكملها حديث ابن عباس وهي أنه لما قدم على النبي وهو جالس في أصحابه في المسجد فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله: (( أنا ابن عبد المطلب ) )، قال: محمد؟ قال: (( نعم ) )، قال: يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك. قال: (( لا اجد في نفسي سل عما بدالك ) )قال: فأنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك [آلله أمرك] أن تصلي هذه الصلاة الخمس؟ قال: (( اللهم نعم ) )قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة ويرد عليه رسول الله، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأُؤدي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف، فقال رسول الله: (( إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة ) )وكان ضمام رجلًا جعد الشعر، انتهى بتصرف.

( [4] ) أخرجه الستة إلا الموطأ، ا ه‍ (جواهر 1/148) ، وفيه زيادة في أوله: (( أنشدك الله ) )، وفي آخره: (( اللهم نعم ) ).

( [5] ) أبو الوليد عبادة بن الصامت الأنصاري رضي الله عنه، من أصحاب رسول الله المشاهير في الصحبة، ورواية الحديث، روى عن النبي ، وهو بدري أحد نقباء الأنصار. وروى عنه: أنس بن مالك وأبو أمامة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وغيرهم كما في (الجرح والتعديل) 6/95، وفي (مشاهير علماء الأمصار) : أنه توفي سنة 34ه‍ وهو ابن 82 سنة، وفي (تهذيب التهذيب) 5/97: أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا فما بعدها، وفي (( تقريب التهذيب) 1/292: أحد النقباء بدري مشهور، مات بالرملة سنة 34ه‍، وله اثنتان وسبعون، وقيل غير ذلك.

( [6] ) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وقال فيه: (( ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئًا استخفافًا بحقهن...إلخ ) )وأخرجه مالك في الموطأ وابن حبان في صحيحه وابن السكن.

قال ابن عبد البر: هو صحيح ثابت، ا ه‍ (فتح الغفار) ج1 ص 104. جاء هنا عن عبادة أيضًا ولكن بلفظ: (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن...إلخ ) ).

( [7] ) أخرجه مسلم والترمذي وأحمد وابن ماجة، بلفظه وبلفظ: (( الصلاة إلىالصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت