الفصل الثالث
في بيان المستحاضات في النفاس
اعلم أن الاستحاضة كما هي واردة في الحيض فهي واردة في النفاس لأن المقصود بالاستحاضة إنما هو إنافتها على الحد المعتاد في النفاس واختلاط دم النفاس بدم الاستحاضة وعند هذا يقع النظر في التمييز بين الدمين بالإضافة إلى المتبدأة وذات العادة والمميز ة والمتحيرة. فهذه أربع نذكرها في المستحاضات وما عداها مردود إليها بمعونة اللّه تعالى.
المستحاضة الأولى: المتبدأة وهي التي لم يسبق لها عادة في مقدار التنفس بالدم فإن المعيار الصادق والفيصل الفارض بين كونها مستحاضة أو غير مستحاضة إنما هو عبور الدم ومجاوزته على الأربعين فهو نفاس كله، فإذا كانت متبدأة فإنا نردها إلى عادة نسائها من قبل أبيها لأنه هو الممكن في حقها والأخص في أمرها. والبرهان الشرعي على صحة ما قلناه من ردها إلى عادة نسائها هو أن الاحتمالات هاهنا أربعة:
الاحتمال الأول: أن ترد إلى لحظة واحدة وهو أقل النفاس وهذا قول للشافعي حكاه الغزالي وغيره ولا وجه له لقلته وندوره وخروجه عن الإعتياد.
الاحتمال الثاني: أن تكون مرودودة إلى الأغلب والأكثر من النفاس وهو الأربعون، وهذا قول يحكى عن الشافعي أيضًا وهذا وإن كان له وجه في الاحتمال لكن الباب باب العبادة فيجب فيه الإحتياط فلهذا وجب الرجوع إلى دون الأربعين لما ذكرناه.
الاحتمال الثالث: الرجوع إلى أكثر النفاس وهو الستون وهذا شيء يحكى عن المزنى من أصحاب الشافعي وهذا أيضًا مردود لما حققناه من [أن] أكثر النفاس هو أربعون لا غير وأن التعويل على الستين إنما هو أمر وجودي لا دلالة عليه من جهة الشرع ويعارضه غيره من سائر الأمور الوجودية النادرة.
الاحتمال الرابع: أن تكون مرودودة إلى عادة نسائها، وهذا هو المحكي عن الإمام القاسم بن إبراهيم ومحكي عن أبي حنيفة.
والمختار: ما عول عليه أصحابنا واختاروه للمذهب من رد المبتدأة إلى عادة النساء في النفاس.
والحجة على هذا: ما في حديث حمنة بنت جحش أنها لما استحيضت قال لها الرسول: (( تحيضي في علم اللّه تعالى كما تحيض النساء"ستًا أو سبعًا وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن ) ) ( [1] ) ."
فردها الرسول إلى عادة النساء. وإذا تقرر ذلك في الحيض ثبت مثله في النفاس لأنهما سيان من جهة اللفظ والمعنى.
أما اللفظ فقد سماه الرسول نفاسًا كما قررناه وأما من جهة المعنى فلأنه ترخية الرحم يوافق الحيض في أكثر أحكامه فلهذا كان حكمهما واحدًا إلا أن يخالفه دليل شرعي يدل عليه وقد أشرنا إليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، وقد أشرنا إلى بطلان هذه الاحتمالات، وأن أكثرها تحكم لا دليل عليه، فإذا تقرر بما أشرنا إليه وجوب رجوعها إلى عادة نسائها فإن اتفقت العادات فالمأخوذ بواحدة منهن، وإن اختلفت عاداتهن فإنها تأخذ بأكثرهن عادة احتياطًا في حق العبادة من أجل مخامرة الأذى ومخالطته. وإن لم يكن هناك لها نساء أو كان لها نساء لكن جهلت عادتهن فالواجب الرجوع إلى أكثر النفاس وهو أربعون. فإذا رجعت إلى عادة النساء قضت ما زاد على عادتهن أو عادة أكثرهن؛ لأنها معذورة في ترك العبادات لأجل اتصال الدم وإنافته على الغاية، فأما ما زاد على الأربعين فهو استحاضة بكل حال فيجب عليها تأدية العبادات بعد الخروج من الأربعين واتصال الدم به. وإن ولدت امرأة متبدأة وكانت ذات جفاف فينظر في حالها فإن استمر بها الجفاف أقل الطهر وهو عشرة أيام كان ما بعده يكون حيضًا ويبطل حكم الأربعين لتوسط الطهر وكما عولنا على خبر حمنه في حق الاستحاضة والحيض فهو معولنا في حق المبتدأة واستحاضتها بالنفاس لأنهما مثلان في حق الإبتداء.
المستحاضة الثانية: المعتادة. وإذا جاوز دمها الأربعين فإنها ترد إلى عادتها التي قد تقررت مرتين كما ذكرناه في الحيض. وهل تقضي ما زاد على عادتها أو يكون الدم في الأربعين كله استحاضة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تقضي ما زاد على عادتها لأن رجوعها إلى عادتها هو الواجب مهما كان ممكنًا في حقها كما أشار إليه % بقوله: (( لتنظر عدد الأيام والليالي"التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها ما أصابها ) )وهذا هو القوي لدلالة الخبر عليه."
وثانيهما: أن الدم كله استحاضة؛ لأن الدم لما عبر على الأربعين دل ذلك على كونه استحاضة، إذ لا اختصاص لبعضه من بعضه بالنفاس، فلهذا كان الكل استحاضة، وهنا الوجهان حاصلان في حق المتبدأة لكن الأقوى في ذات العادة رجوعها إلى عادتها والزائد استحاضة، والأقوى في حق المبتدأة أن الكل يكون استحاضة. فأما الزائد على الأربعين فإنه يكون استحاضة بكل حال بخروجه عن حد النفاس والشأن كله والتردد إنما هو فيما دون الأربعين إذا كان متصلًا بما فوقها فإنه يقع فيه التردد والنظر كما قررناه.
دقيقة: اعلم أن التردد الذي أشرنا إليه من الرجوع إلى العادة في حق ذات العادة وأن الدم كله استحضاة في حق المبتدأة وإن كان محتملًا لخلافه كما أشرنا إليه، فإنما هو في حق الحيض فأما في النفاس فالقوي أن الدم كله استحاضة إذا كان مجاوزًا لحد الأربعين ومنيفًا عليها، والتفرقة بين الحيض والنفاس هو أن النفاس وجوده معلوم قطعًا ويقينًا لأنه يخرج عقيب الولد وهو نفاس لا محالة فلم يجز أن ينتقل عن النفاس إلى الاستحاضة إلا باليقين وهو مجاوزة الأربعين باتصال الدم، بخلاف الحيض فإنا لا نحكم بكونه حيضًا من جهة الظاهر لا بالقطع واليقين فجاز أن ينتقل عنه من غير قطع فافترقا. فهذا ما أردنا ذكره في النفاس المعتاد في المرأة إذا استحيضت فيه.
المستحاضة الثالثة: المميزة. فإذا ابتدأها دم النفاس وعبر على أربعين يومًا فيجري فيها ما يجري في الحائض. والأربعون يومًا بمنزلة العشر في الحيض والتمييز بين الدمين إنما يكون معتبرًا إذا كان مجاوزًا للأربعين، وأما إذا كان دون الأربعين فكله نفاس لا محالة فإذا رأت النفاس عشرة أيام دمًا أسود محتدمًا قانيًا، وعشرة أيام صفرة، وعشرة أيام غبرة. فالعشر الأولى كلها نفاس، وأما العشرون الثانية فكلها استحاضة إذا عبرت على الأربعين لأجل التمييز بين العشر الأولى والثانية والثالثة، واعتمدنا في التمييز بين الدمين على حديث فاطمة بنت أبي حبيش لما استحيضت حيضة شديدة فقال الرسول: (( إنها ليست حيضة إنما هو دم عرق"فإن دم الحيض أسود يعرف ) ). وأراد بكونه معروفًا إنما يكون في حق النساء لكثرة علاجه ومباشرتهن له."
ووجه آخر: وهو أن اعتمادنا على التمييز عند اتصال الاستحاضة أقوى وأخص من عودها إلى عادة نسائها لأن ما هذا حاله فهو أمارة قوية بين دم النفاس ودم الاستحاضة. وإن نفست المرأة بدم أحمر وتلاه الغبرة والصفرة فإن الأحمر نفاس والغبرة والصفرة استحاضة عند عبورها الأربعين من جهة أن الأحمر يقوم مقام الأسود عند عدمه فلهذا كان قائمًا مقامه في التمييز بين الدمين، وإن اسودَّ الدم أو إحمرَّ أو كان غبرة أو صفرة في الأربعين فما دونها فكله نفاس لأنه في مدة إمكان النفاس فلا تغير عن حاله، وإن رأت المرأة عند نفاسها عشرة أيام دمًا أحمر وعشرة أيام دمًا أسود ثم اتصلت الاستحاضة بالأسود وعبر على الأربعين ففيه وجهان:
أحدهما: أن نفاسها من أول الأحمر لأن له قوة بالسبق على الأسود ولا حكم للأسود لاتصاله بالاستحاضة بالزيادة على الأربعين.
وثانيهما: أن الأسود يرفع حكم الأحمر، ومعنى قولنا: أنه يرفعه [أي] أنه يسقط حكمه ويكون ابتداء نفاسها من أول الأسود عشرًا أو سبعًا أو خمسًا، والباقي استحاضة والأول أصح؛ لأنه لا وجه لإسقاط الأحمر عن الاعتبار، وعلى هذا يكون الأحمر نفاسًا والأسود وما بعده استحاضة. فهذا ما أردنا ذكره في المميزة بين الدمين وهي مشتملة على أسرار وتفاصيل، ومن أحاط بما ذكرناه هان عليه إدراك ذلك وتمييزه.
المستحاضة الرابعة: وهي المتحيرة التي لم يعرف لها عادة في النفاس لأجل النسيان، ولا عرفت عدد نفاسها وأطبق عليها دم النفاس فلا تعرف شيئًا من معانيه إلا ابتداء الولادة لا غير. فهذه تكون كالناسية لوقتها وعددها في الحيض. وقد قررنا فيها أصلين: إما بالرد إلى المبتدأة، وإما العمل على الطهارات في الصلاة والصوم وسائر العبادات والعمل على تحريم ما يحرم على الحائضات وتؤمر هذه النفساء بالأخذ بالإحتياط في الأمور السبعة التي أسلفنا ذكرها.
وقد تم غرضنا من باب الحيض وبتمامه يتم الكلام على أبواب الطهارة. ونشرع الآن في بيان أسرار الصلاة مستعينين بالله وهو خير معين.
( [1] ) تقدم.