ننطلق في تحقيقنا لهذا الكتاب من فهمنا اللغوي لكلمة (التحقيق) ، وهو أنه عمل مستقل يتغيا محاولة لإظهار حقائق يحددها الغرض منه، بصورة كلية أو جزئية، أو تقتصر على أبرزها أو في حدود ما يمكن إظهاره منها. سواء أكانت هذه الحقائق من متن الموضوع أم مترتبة على وضعه، مفهومة من سياقه أم مضافة إليه بحكم علاقته بما عداه من موضوعات مماثلة من جهة، وبغاياته من جهة موازية.
وهذا الفهم يتيح لنا المضي في تحقيق الكتاب (.. في حدود ما يمكن إظهاره منها..) وهو حد أدنى لا حد لأقله. كما أن اعتبارنا هذا الفهم بهذا الحد في التحقيق يجعل التحقيق ممكنًا وأكثر إمكانًا من انتهاج التحقيق، إما باعتبار الحَدّ الاصطلاحي له، وإما باعتبار الحد الموضوعي الذي يبرز القيمة العلمية للكتاب، وتميز أسلوبه ومنهجه. بينما الحد أو الفهم الأول قد يزيح شبح التَّهيب، ويتيح الإقدام على العمل في حدود ما يمكن أن يكون (أضعف الإيمان) وننطلق في تحقيق هذا الكتاب من دوافع أو أسباب أربعة:
أولها: قيمة الكتاب التراثية والفكرية في إطار الفقه الإسلامي، وهي قيمة لا يحددها موضوعه مجردًا.. بل أيضًا، ميزات قلما تتوافر مجتمعة في غيره بمثل ما هي فيه. ومنها مثلًا:
1-حجم الكتاب. حيث يقع في ثمانية عشر جزءًا.
2-منهجه الذي يجعل منه موسوعة إسلامية رائعة، سواء في أعلام الفكر الإسلامي ومدارسه ومؤلفاته، أم في تقرير آراء كل علم وفريق ومدرسة في كل مسألة، وإيراد أدلة واجتهادات وأقوال كل منهم منقحة معللة.. مما يجعل من الكتاب بحثًا شاملًا في إطار أصبح يسمى، بالفقه المقارن.
3-أسلوبه في تبويب وترتيب الموضوعات والمسائل في تصنيف وتسلسل يحدد ويحقق استقلال الموضوع من جهة، ويحافظ على الاتساق العام والترابط الموضوعي من جهة أخرى وبقدر متساوٍ ومتناسب وبارز. وسنتحدث عن الكتاب بصورة أوسع عند الحديث عن موضوعه.
ثانيها: نشر الكتاب، وهذا الدافع يمثل في ذات الوقت الغاية الأولى من التحقيق، ولكن نشر الكتاب يأتي دافعًا قويًا في الحالين؛ إذ أن إهمال كتاب بهذا الحجم والقيمة العلمية من التراث الإسلامي اليمني، يعد أكثر من إهمال لأهميته، وإهدار لقيمته إلى ما قد يصل به إلى حد يقرب فيه التساوي بين وجوده وعدمه، ثم لا يلبث هذا الإهمال أن يجعل منه نسيًا منسيًا. وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار:
1-أن عصر المطابع الذي نعيشه يختلف كثيرًا عن عصر المخطوطات، حيث أصبح الاعتماد في عصرنا على الكتاب المطبوع المتداول المتوافر بكثرة، سواء في المدارس والمعاهد والكليات العامة والمتخصصة، أم في مراكز البحوث والدراسات. عدا القلة من الباحثين. ناهيك عن اهتمام الأفراد خارج هذه المؤسسات ممن ينحصر اهتمامهم في الغالب في جانب الاطلاع.. ومن هنا فإن الاهتمام عمومًا بالكتاب المخطوط، يكاد في هذا العصر، ينحصر في غايتين:
أولاهما: في هواية اقتناء الكتاب التراثي المخطوط. وهذه الغاية ترجح جانب القيمة الأثرية التراثية التاريخية فيه على القيمة العلمية.
وثانيتهما: وفي القيمة المرجعية له.. وهذه الغاية يؤمها الباحث الحصيف. وقد أصبحت نادرة، وخصوصًا إذا استثنينا الباحثين المتخصصين في كتب التراث أو الاختصاصيين بها.
بينما -بطبيعة الحال- كان الكتاب المخطوط قبل ثلاثين عامًا في اليمن بالذات، كتابًا مقروءًا ومتداولًا، يستتنسخه الناس ويشترونه، ويتوارثونه ويحافظون عليه، لغرض القراءة، ولقيمته العلمية قبل كل شيء. ومن هذه المقارنة البسيطة بين عصر المخطوطات وعصر المطابع، تتضح أهمية النشر دافعًا وغاية وحرصًا على قيمته العلمية من النسيان وعدم الفائدة.
2-ثم إن أقصى ما يمكن أن يلاقيه الكتاب المخطوط من عناية، لا يتجاوز توثيقه في بعض المكتبات العامة ومراكز البحوث. وفي هذه الحال فإن وجوده لا يتجاوز كثيرًا مساحة العنوان في أدلة وقوائم هذه المكتبات والمراكز.
ثالثها: ندرة الكتاب، وندرة الكتاب مخطوطًا بمعنى قلته وندرته في أيدي الناس، هي حالة تعم كل كتاب مخطوط؛ إذ أن نسخ أي مخطوطة مهما تكن نسخًا كثيرة، فإنها في الحد الأقصى لعدد نسخها لن تتجاوز العشرات. ولكن هذا الكتاب (الانتصار) هو وقليل من أمثاله، تظل فيه ندرة الكثرة أو كثرة الندرة حالة أخص به وأظهر فيه.. لسبب واحد كاف ناهيك بغيره. وهو حجم كتاب (الانتصار) الذي يبلغ ثمانية عشر جزءًا. وهذا ما جعل منه مخطوطة نادرة حيث توجد، من حيث أنها لا تكاد توجد منه نسخة كاملة بأجزائها الثمانية عشر في مكان واحد. فكل مكان بحثنا فيه عن هذا الكتاب أثناء القيام بجمع نسخ منه لغرض تحقيقه، لم نجد فيه نسخة كاملة من الانتصار، سواء في المكتبات العامة أو الخاصة. وظل السؤال عنه والبحث قائمين طيلة فترة التحقيق وحتى بداية الطبع ولا يزالان.
وقد يكون مثيرًا للاستغراب القول، بأنا بدأنا في هذا المشروع بمقابلة النسختين الأوليين من حيث حصولنا عليهما، وليس بين أيدينا من كل نسخة منهما غير الأجزاء الثلاثة الأولى من الكتاب، ونحن في ذات الوقت لا نعرف من أين سنحصل على بقية الأجزاء لنسخة واحدة، فضلا عن بقية الأجزاء لكلتا النسختين ونسخ أخرى. وكان هذا تنفيذًا لمبدئنا الذي جعلناه رائدنا في هذا المشروع، وهو المبدأ الرباني الإنساني {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} .. أن نعمل بما في وسعنا، وبما يتوفر لدينا من أجزاء ونسخ، وحتى لو كان جزءًا واحدًا أو نسخة واحدة. ولولا الإصرار على هذا المبدأ لما بدأنا.
وتقابل ندرة الكتاب هذه، ما سبقت الإشارة إليه من قيمة هذا الكتاب الموسوعة بحق، ولدرجة أنه من الكتب التي قلما أمكن لغيرها من نظائرها أن يغني عنها. ولا نريد أن نطلق حكمًا يحتاج إلى كثير من التروي والنظر العلميين، فنقول باستحالة حلول أي كتاب آخر من كتب الفقه الإسلامي اليمني محله، على كثرتها واتساع مجالها.
وقيمة الكتاب لم يعد ممكنًا ظهورها والإفادة منها مالم يطبع الكتاب وينشر، ويصبح في متناول العالم والمتعلم والباحث على حد سواء، وفي أي مكان وزمان، وإلا فلا نعتقد أنه يُفْرِطُ في الرأي من يقول بأن المخطوطات في هذا العصر حبيسة حبرها وجلودها، وعديمة الفائدة العامة والخاصة إلا للقلة من ملاكها، إن لم يشملها عصر النشر وزمن الطباعة والمطابع.
رابعها: غاية التحقيق.
كذلك تأتي غاية تحقيق الكتاب هنا، دافعًا لتحقيقه. وهنا، وفي كتاب (الانتصار) بصفة خاصة بالنسبة إلينا.. نعتقد أن التحقيق في مفهومه ومنهجه، أو في جانبيه النظري والعملي، يعني رأيًا في هذين الجانبين نوضحه فيهما كما يلي:
أ - الجانب النظري.
نلخص الجانب النظري لنسخ المخطوطة، في فقرات ثلاث:
1-المخطوط بين عصرين:
نعرف أن طباعة المخطوطة من كتب التراث، تنقلها طفرة من عصرها الذي تم فيه تأليفها إلى العصر الحديث نقله واحدة لا تدرج فيها ولا تمهيد. وهذه النقلة لا يمكن أن نفهمها على أنها بسيطة وسهلة؛ لأن قضيتها هنا لا تنحصر في عملية التقنية الآلية التي يعبر عنها بأنها كتاب كانت كلماته مخطوطة باليراع والمحبرة، تم نسخه طباعة بواسطة آلة الكمبيوتر. إن القضية كما نعتقد، أعمق وأوسع وأكبر من هذا الفهم البسيط.. لأنها قضية اجتماعية تاريخية لغوية ثقافية، فليس من السهل والطبيعي تقديم هذه المخطوطة مطبوعة إلى القارئ المعاصر والعادي خصوصًا، ليتعامل معها تعاملًا طبيعيًا كأي كتاب آخر، ويلغي عشرة أو ثمانية أو خمسة قرون من السنين تفصل بينه وبين تلك المخطوطة، إن فارق الزمن لا بد أن يظل مؤثرًا في علاقة القارئ المعاصر بتلك المخطوطة أثرًا ينعكس على مدى استفادته منها وإفادتها إياه، انخفاضًا وتدنيا وركاكة في أحسن الأحوال، إن لم ينصرف عنها انصرافًا كليًا. وهذا ما هو حاصل بالفعل وموجود، وحتى مع الاعتراف بأن هناك أسبابًا أخرى تصرف الأجيال المعاصرة عن كتب التراث المطبوعة، برغم تميز هذه الفترة بالإقبال النسبي عليها، ومنها مثلًا سببان:
أولهما: تميز هذا العصر بالانتشار الكثير والواسع للعلوم والفنون والوسائل الحديثة في التعليم والتثقيف والمهن والترفيه.
ثانيهما: ارتباط العلوم الحديثة بالمعيشة ارتباطًا مباشرًا.
ومع الاعتراف كذلك، بأن هذه المخطوطات بالنسبة إلى العربي ومن يتكلم العربية، هي مكتوبة بلغته، إلا أنه لا مجال من الاعتراف أيضًا، بأن الفارق الزمني يعني أشياء كثيرة ومؤثرة.. يعني الفوارق في المصطلحات والاستخدام اللغوي والتوظيف المعنوي والدلالي للمفردات واختلاف الأسلوب بصفة عامة. إضافة إلى أن لعلماء الفكر الإسلامي في كل نوع وفرع منه مصطلحات خاصة به، سواء في المسميات أو الاشتقاقات أو المجازات أو الجمل والتعابير الأخرى.
2-وظيفة التحقيق:
من ذلك.. نجد أن التحقيق لأي مخطوط يصل إلى ما يقارب الضرورة. ولكن على أساس أن يكون التحقيق كاملًا قدر الإمكان؛ لأن وظيفة التحقيق هنا تكون -بصفة عامة- مقربة للمسافة الفاصلة بين القارئ وحتى الباحث المعاصر من جهة، وبين الكتاب المخطوط من الجهة الأخرى. وتأكيد ضرورة التحقيق يظهر جليًا عند أن تكون وظيفته تقريب الكتاب كما سبق؛ لتتحقق الغاية من نشر الكتاب في أكبر قدر ممكن متاح، وهي إبراز قيمته العلمية وتسهيل الاستفادة منه لطالب العلم والباحث على حد سواء.
3-بين النشر والنسخ:
وقد سبقت الاشارة إلى المستوى المتدني الذي وصل إليه التحقيق للمخطوطات، وهذه الحال موضع شكوى لا في اليمن فحسب، بل في معظم الأقطار العربية والإسلامية التي توجد بها المخطوطات التراثية، بصورة تجعل من تحقيقها ونشرها عملًا متميزًا ومستقلا. والعجب ليس فقط من إقدام هؤلاء المحققين على نشر المخطوطات وهم غير مؤهلين لذلك العمل، ولكنه أيضًا يكون أكثر من حال القادرين على التحقيق ممن لديه اطلاع واسع، وتجربة سالفة، وفهم بأصول العمل. ثم نجدهم ينسخون المخطوطة طباعة دون أن يضيفوا إليها أي شيء مما هو ضروري ومهم في وجوده وسهل في إنجازه، مثل تبويب الموضوعات وفهرسها. وهؤلاء يصدق عليهم قول الشاعر: ( [1] )
ولم أر في عيوب الناس شيئًا
كنقص القادرين على التمام
والذي نعرفه عن التحقيق، منذ أن فتحنا أعيننا على الكتب المطبوعة المحققة من كتب التراث عن طريق رواد التحقيق والنشر في اليمن، أمثال الأساتذة الأفاضل: القاضي عبدالواسع بن يحيى الواسعي، وعلي بن اسماعيل المؤيد رحمهما اللّه وغيرهما.
نعرف أن التحقيق عمل متميز مستقل يضاف إلى المخطوطة يُعَرّفُ بها، مخطوطة وموضوعًا ومؤلفًا. ويسهل الاستفادة منها في فهارس وملاحق عدة. ولكن أن ينسخ الكتاب فقط.. فهذا لا يمكن أن يكون من التحقيق في شيء، وهو إلى العمل التجاري أقرب وألصق منه بالعمل الثقافي العلمي المسئول.
ب - الجانب العملي:
وهنا.. أجدني مضطرًا لاستكمال الاستطراد الذي تجاوزت به بابه بحكم شدة الترابط بين هذين الجانبين. وفي هذا الجانب العملي من التحقيق، نركز موضوعه في فقرات أربع:
الأولى: النسخ والأمانة العلمية:
قلنا في الحد المبسط والعملي للتحقيق ما معناه: بأنه كشف وإضافة حقائق في الكتاب وإليه تبرز قيمته العلمية وتسهل استفادة القارئ المعاصر منه، بين أكثر قدر ممكن منها وأقل قدر لا بد منه.
ولعل في مثل هذا الحد قدرًا جيدًا من المرونة والتسامح عن بلوغ الحد الأعلى من ناحية، وقدرًا من الحرص والتمسك بالحد الأدنى الذي يمثل أضعف الإيمان من ناحية أخرى، وفي ذلك إتاحة الفرصة لتحاشي الإفراط في شروط التحقيق التي تؤدي إلى الابتعاد عن تحقيق المطبوعة ونشرها، والسمّو عن التفريط في الاكتفاء بنسخها طباعة دون أن يلمس المطلع أي جهد للتحقيق. وبما أن حالة الإفراط المانعة من التحقيق، هي سالبة عدمية.. فإن حالة التفريط إيجابية تتمثل في عمل يحدد موضع وموضوع الحديث عنه.
ونمر به في مثالين:
أحدهما: النسخ المجرد:
وبين أيدينا عدد من المخطوطات النادرة التي تم طبعها دون أثر فيها للتحقيق، والغريب أن من تولوا نشرها، يصرون على أن يسموا هذا النشر تحقيقًا مكتوبًا على صفحاتها الأولى ومحفورًا على أغلفتها. وكما سبق، فإن هذا الإخراج للمخطوطة يكون عدمه أفضل من وجوده؛ ذلك أنه يمنع في الغالب، إقدام شخص آخر على التحقيق مرة أخرى لذلك الكتاب. ثم إن فائدته تظل قليلة وحبيسة في داخله. وكان أقل قدر من أضعف الإيمان أن يضع الناشر تبويبًا للموضوعات وفهارس لها.. ولكن الذي حدث أنه لم يضف شيئًا.. ولديَّ بعض من هذه الكتب لا أجدني قادرًا على الاستفادة منها أبسط المعارف إلا بأن أتصفح الكتاب من غلافه إلى غلافه في كل حالة أبحث فيها عن عَلمٍ أو مفردة أو رأي لمؤلفه.
وثانيهما: الإخلال بالأمانة العلمية:
وهذه الحالة أو المثال أشد سوءًا و أكثر ظلمًا وهضمًا للكتاب ولمؤلفه. وقد ظهرت لدينا في فترات متباعدة من العشرين عامًا الأخيرة، بضعة كتب تراثية تم نشرها وإدخال إضافات إلى صميم موضوع الكتاب منها. وحذف كلمات وجمل، بل ومفردات من أماكن متفرقة فيها. وذلك لغرض التحريف المتعمد للمخطوطة الأصل، باسم إخضاع آراء وأسلوب ومصطلحات الكتاب لمفاهيم وآراء معينة حدثت أخيرًا على الساحة الفكرية والثقافيه والسياسية. ومثل هذا العمل، يعتبر جريمة علمية وتاريخية وخلقية وجنائية في حق الكتاب ومؤلفه خاصة، وفي حق الفكر والتاريخ عامة.
وتمثل هاتان الحالتان قضية الأمانة العلمية والتاريخية، ولذا يجب على من يستطيع، وفي المقدمة العلماء والمثقفون.. الوقوف بحزم إلى جانبها ضد أي شخص عمل أو يحاول أن يعمل في اتجاهها والمس منها والإساءة إليها. ولا نريد أن نسمي أمثلة من هذه الكتب، حرصًا على ترك المسئولية لأصحابها المباشرين في مؤسساتها المختصة.. على أمل أن يتم تدارك القصور والخطأ في الطبعة القادمة لمثل هذه الكتب.
الثانية: العودة إلى التراث:
والملاحظ أن ظاهرة العودة إلى كتب التراث الإسلامي، أصبحت حقيقة تتصاعد من عام إلى آخر. وبصرف النظر عن أسبابها ودوافعها مما ليس هذا مكانها.. فإنها ظاهرة تزيد من دوافع الاهتمام بنشر كتب التراث الإسلامي من جهة، وبرفع مستوى التحقيق لهذه الكتب من جهة ثانية.
ففي كل محافظات ومدن الجمهورية في اليمن مثلًا.. تزايد الطلب على المخطوطات اليمنية في الفكر الإسلامي، بصورة أصبحت تمثل قضية لدى الجيل الشاب بصفة خاصة. ولندرة طباعة ونشر هذه المخطوطات، اعتمد الناس على تصويرها كما هي، في نسخ تتعدد وتتكاثر بين وقت وآخر، حتى أن مئات من المخطوطات أصبحت صورها المنسوخة منتشرة بشكل بارز ومميز في المكتبات الخاصة والمساجد وحلقات التدريس وغيرها، ولا يزال الإقبال يزداد ويتصاعد عليها حتى أصبحت آلات طبع المخطوطات عن طريق التصوير وآلات التجليد، مهنًا وحرفًا رائجة يعيش منها ويتفرغ فيها كثير من الناس.
الثالثة: عزلة التراث اليمني:
وبالإضافة إلى ندرة الكتاب مخطوطًا كما أشرنا إلى هذا العامل بوصفه واحدًا من الدوافع لتحقيق المخطوطات ونشرها، فإن موضوع عزلة التراث الفكري اليمني.. يمثل أيضًا واحدًا من أبرز الدوافع لتحقيق ونشر أي مخطوطة.
ونتحدث عن هذا الموضوع من جوانب ثلاثة:
أولًا: مدى عزلة التراث اليمني في الداخل:
أعرف أن أشياخًا مطلعين وفتيانًا متطلعين من أشياخنا وفتياننا العلماء والمتعلمين، قد يقدمون أكثر من اعتراض أو استدراك أو تحفظ على هذا الموضوع من حيث أن كتب التراث الإسلامي اليمنية لم تعد تعيش حالة توصف بالعزلة، بعد أن فُتح الباب على مصراعية للتحقيق والنشر، وبعد أن توفرت وسائل الطباعة ودور النشر والمهتمون بالتحقيق وخرج إلى النور مئات من المخطوطات.
وفي الحقيقة التي نعتقدها ونقتنع بها.. فإن هذا الاعتراض من وجهته العامة وارد ومقبول في جملته لا تفصيله؛ كونه لا يتعارض مع الحقيقة.. ولكنه لم يطرح الحقيقة كلها ومن كل جوانبها وطبقًا للأسس التي تقوم عليها والمعايير التي تقاس بها. وحقيقته بالتالي، تظل نسبية من جانب، ومنطلقة من مدى توفر الوسائل تشريعًا ومؤسسات نشر من جانب آخر.
وبطرح الحقيقة من جميع جوانبها وبأبرز أسسها ومعاييرها، يتضح صدق العزلة على الحال الذي تعيشه كتب التراث. وألخص ذلك في ملامح أربعة:
1-إن المقصود بتعبير العزلة، هو عزلة هذا التراث اليمني عن القارئ في داخل الجمهورية اليمنية وخارجها في الأقطار العربية خصوصًا، ثم الإسلامية عمومًا، هذا جانب من العزلة.. وجانب ثانٍ، وهو عزلة كتب التراث عن حياة الناس الفقهية والثقافية عمومًا. ولا نقصد بذلك فرضها على فئة أو مؤسسة أو منهج دراسي، وإنما المقصود بهذا هو عزلتها عن الناس والأماكن، في حدود الحاجة والفائدة القائمتين على الطلب والرغبة. وجانب ثالث، وهو أن المخطوطة هي في حد ذاتها ووضعها وطبيعتها، عزلة للكتاب. وتزايد الإقبال على كتب التراث بين أوساط الناس بمختلف فئاتهم وثقافاتهم، المخطوطة منها (عن طريق التصوير كما سبق) والمطبوعة.. يؤكد بما لا مجال فيه للشك، أنه لو أصبحت المخطوطة من كتب التراث مطبوعة منشورة، لشملها هذا الإقبال. ولم يعد الآن مستغربًا أن يسمع الواحد منها بين وقت وآخر أصحاب دور نشر في سوريًا ولبنان بالذات، يسألونه عن مدى معرفته بشيء من التراث اليمني يمكن أن يتولوا طبعه ونشره ابتداءً أو إعادة. وهم لا يعنون كتبًا بعينها ولكن أي كتب. وهذا السؤال نسمعه أكثر أثناء معارض الكتاب الدورية التي تقيمها جامعة صنعاء. وفيه دلالة كافية على رواج كتب التراث؛ إذ أن كثيرًا من أصحاب هذه الدور أصحاب هدف محدد ومعروف سلفًا، وهو المردود المالي من هذا العمل. وبرغم ذلك فإنهم أصحاب هدف مشروع وعمل يستحق التشجيع والتسهيل والمساعدة لإنجازه.
المناظرة بين المشرق والمغرب:
ومثال آخر من الواقع.. وهو أن الحوار الذي عقده أستاذان من أبرز الباحثين العرب ( [2] ) وأدارته بينهما إحدى المجلات العربية ( [3] ) تحت عنوان عام، هو (المناظرة بين المشرق والمغرب) في حلقات خلال العام 1989م، وهذا الحوار شغل مساحة واسعة من القراء في الوطن العربي وخارجه، وظلت المطالبة باستمراره والتعليق على جوانب منه، تزداد وتتسع. كما كان من نتائجه انصراف أعداد غير قليلة من مختلف فئات الناس، إلى البحث عن كتب التراث والسؤال عن عناوين منها متعددة. وذلك ما لم يكن متوقعًا بهذه الكثرة على الأقل. ودلالة المثال في أن الحوار كان في مجال القضايا الفكرية التراثية، ثم ما استتبع ذلك من استخدام المدارس والمذاهب والإعلام في إطار الفكر الإسلامي، مادة للحوار. وإضافة إلى هذا، فإن شطر هذا الحوار - كما قرأت أخيرًا قد صدر في كتاب.
2-وبما أن المخطوطة عزلة للكتاب كما سلف، ونقرؤ مثلًا: من المحقق القاضي محمد بن علي الأكوع الحوالي، حيث يقول عن مخطوطة: (العقود اللؤلؤية) ( [4] ) بأنها النسخة الوحيدة من الكتاب.. فإن ما لا يزال من تراث الفكر اليمني سجين المخطوطات، يزيد عن ما نسبته 90% تسعون في المئة أو عن تسعة أعشاره.. اعتمادًا على أدنى التقديرات لعدد المخطوطات من كتب التراث اليمني ( [5] ) .
3-عزلة المكتبات الخاصة:
ونتجاوز ما تسرب من كتب التراث اليمني إلى الخارج خلال حقب مرت من التاريخ، ولا يزال يتسرب بصورة ربما أكثر من الماضي، وبكل الوسائل والطرق المشروعة وغير المشروعة، والطرق غير المشروعة أكثر، وذلك مما هو الآن في كثير من المتاحف والمكتبات العامة وهو كثير ( [6] ) ، ناهيك عما ضل عن طريق هذه المكتبات والمتاحف، والتجاوز قائم على أساس أن هذا الجانب منها يقع في متناول الباحث والمطلع القادرين.. إذا تجاوزنا هذا، فإن النسبة الكبرى من المخطوطات اليمنية في الداخل، هي التي توجد في المكتبات الخاصة، وهي واقعة تحت احتكار ملاكها الذين يمتنع كثير منهم حتى عن إعطاء بيانات كاملة وشاملة عما بحوزتهم، إلى المراكز والمكتبات العامة، فضلًا عن تقديم شيء منها إلى هذه المكتبات العامة التي تقع في متناول الباحث والمطلع.
واحتكار المكتبات الخاصة للمخطوطات، يكاد يكون عادة متوارثة لدى الأسر اليمنية كغيرها من الأسر في غير اليمن، ولعلها في اليمن أرسخ وأعمق.. ومن آيات ذلك، على طريق التمثيل ظاهرتان:
أولاهما: أن مخطوطات الأسر المالكة لها، أصبحت معروفة تقريبًا، بحيث يمكن للمطلع على المخطوطات والمهتم بها.. معرفة عناوين الكتب التي تملكها الأسرة أو الأسر الفلانية، هذا من حيث أسماء وموضوعات المخطوطات في أبرزها وأشهرها على الأقل. وكذا يمكنه من حيث شكل المجلدات تمييز نسخ المخطوطات ونسبتها إلى ملاكها. حتى أشبهت المخطوطات في ملكياتها، العمارات والعقارات تقريبًا، فلا تستغرب أن تسمع شخصًا يتحدث عن الفوارق والميزات بين نسخة آل فلان من الكتاب الفلاني، وبين نسخ أخرى منه للأسر الفلانية مثلًا.. من حيث جودة ونوع الخط والهوامش والتصحيح ...إلخ.
وثانيتهما: ترتب على حرص الأسر على مخطوطاتها، أو تسبب فيه ونتج عنه أن انتشر واشتهر في أوساط كثير من الأسر اليمنية -ولا يزال لدى بعضها حتى اليوم- حصر توارث المخطوطات من الكتب بصفة خاصة على الذكور من أفراد الأسرة دون النساء، حتى لا يخرج موروثها من الكتب إلى أسر أخرى. ولكن دون وجود تعصب أو تحيز ضد الوارثات من النساء أو إنكار حقهن بأية صفة من الإكراه أو الحرمان، بل برضاهن أولًا، وبتعويضهن عن الكتب من المنقولات الموروثة الأخرى ثانيًا، أو أن يشتري الرجل نصيب قريبته من أسرته، بعد القسمة بثمن الزمان والمكان حسب تقويم عدول مختصين، ويساعد على ذلك في الغالب، عدم اهتمام المرأة بالمخطوطات من جهة، وكثيرًا ما تشاطر أسرتها الحرص على الاحتفاظ بالمخطوطات المتوارثة.
وهذه عادات وأساليب ليس هذا موضع مناقشتها، وقد لا يجد المعترض سبيلًا شرعيًا إلى الطعن فيها، طالما ظلت قائمة على الصفة الشرعية التي استعرضنا جانبًا منها في المثال الأخير. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى.. فإن الحرص الشديد من أصحاب المكتبات الخاصة على مجلداتهم، وهو حرص يشمل في الغالب المتعلمين وغيرهم من أفراد الأسرة الواحدة.. لا يبدو أنه آت من فراغ، ولكن له أسبابًا فرضتها حالات تعرضت فيها الكتب للضياع بطرق مشروعة أو شبه مشروعة، كالعارية التي لا ترد، وكأخذها بصورة مؤقتة لبعض المدارس، ثم بعد فترة من الزمن والنسيان تصبح وقفًا بطريق الخطأ، أو تتنقل من شيخ (أستاذ المدرسة العلمية) إلى آخر، وربما من مدرسة إلى أخرى.. وبطرق غير مشروعة، كالمصادرة والنهب والابتزاز والسرقة...إلخ. ثم من ناحية ثالثة، أن اعتقادًا ترسخ لدى كثير من الأسر اليمنية يربط المحافظة على المخطوطات الموروثة بشيء من كرامة وسمعة الأسرة، وهو اعتقاد قد بدأ بانتشار المطابع بالدرجة الأولى، يتلاشى في طريقه إلى الانحسار.
4-عزلة المكتبات العامة:
وكما سبق، فإن وجود المخطوطات في المكتبات العامة، وإن كان وجودها فيها أقل عزلة وأكثر حضورًا، إلا أنها في حد ذاتها عزلة أيضًا، لولا تبريرها بأنها أهون الشرين كما يقال، وأن ذلك هو كل ما في الإمكان حاليًا؛ ذلك أن وجودها تظل فائدته محصورة تقريبًا على الباحث والدارس، بمن فيهم أصحاب الدراسات الأكاديمية العليا أو المتخصصة. ويؤكد هذه العزلة في بلادنا وما شابهها بصفة خاصة، عوامل عدة مثل:
أ - إن جمهور المكتبات العامة من المثقفين في بلادنا، جمهور لم يتجمهر بعد ولا يكاد يظهر بما يستحق أن يذكر، فما بالنا بعامة الناس.
ب - إن الحصول على نسخ أو أوراق منسوخة من محتويات المكتبات العامة، لا يزال أمرًا صعبًا ومرتفع التكاليف عند إمكانه. وكثيرًا ما يتعذر ذلك في بعض المخطوطات لأسباب غالبًا ما تكون غير منطقية ولا مقبولة.. وعلى سبيل المثال، فقد أفادنا مسئول في إحدى المكتبات العامة للمخطوطات، أثناء المحاولة للحصول على نسخ من بعض المراجع.. أفاد بأن لديه أمرًا من المسئول الأول عن المؤسسة المشرفة على المكتبة يقضي بمنع تصوير المخطوطات بحجة أن ذلك يسبب التفسخ وشيئًا من الإساءة المادية (تمزق بعض الأوراق والتجليد) إلى المخطوطات، وهو عذر مقبول لو كان النسخ متعذرًا إلا من المخطوطة الأصل، ولكنه غير مقبول ولا مقنع إذا عرفنا أن بالإمكان تصوير نسخة واحدة من كل مخطوط بواسطة فنيين متخصصين، ثم النسخ عن الصورة، هذا من جهة.. ومن أخرى فإن المفروض استخدام أحدث أجهزة النسخ والتصوير التي تؤدي الغرض ولا تضر بالمخطوطة، ولا تسبب لها أي إساءة. وهو احتجاج كما ترى، يعتبر دليلًا على عدم الاهتمام بحق النسخ والاطلاع، وعدم الاهتمام بصيانة المخطوطات، وعدم وضع الحل الجذري، أكثر من كونه مبررًا مقنعًا بعدم النسخ.
ثانيًا: عزلة الفهم الخاطئ.
والجانب الثاني من الجوانب الثلاثة التي حددتها لتناول موضوع عزلة التراث الفكري اليمني.. هو عزلة الفهم الخاطئ لهذا التراث، وأطلق عليه هنا صفة العزلة.. إطلاقًا لا يستخدم ضربًا من معاني وأساليب الكناية أو المجاز، ولكن هذا الفهم قد مثل عزلة للتراث الفكري اليمني (الزيدي) بكل ما تعنيه الكلمة في دلالتها الحقيقية من دلالة لغوية. وأحاول توضيح هذا الجانب في أربعة من وجوهه:
الأول: أن هذا الفهم الخاطئ، قد ضرب عزلة شديدة على التراث الفكري اليمني لسنوات طويلة مضت ولا يزال قائمًا ومفروضًا، وبأساليب شتى وإصرار عجيب.. هو صادر من بعض المدارس الإسلامية، ثم من تأثر أو قلد هذه المدارس، أو يحاول التظاهر بالتأثر والتقليد لها، لأسباب أو لأخرى. وتظهر ملامح الصورة لهذا الفهم، في العناصر الأربعة التالية:
1-أنه صادر من بعض المدارس الإسلامية كما سبق. وأنه بدأ تقريبًا منذ ثلاثة قرون مضت، ولا يزال فحله مستفحلًا، ودعائم بنيانه مدعومة، ودعاوى دعوته متصاعدة.
2-نطلق عليه (فهمًا) تجوزًا؛ لأنه فهم ليس صادرًا عن اعتقاد بريء، ولكنه يجمع بين صفات العمد والإصرار والاستمرار.
3-يستهدف هذا الفهم الإساءة إلى الفكر الإسلامي اليمني عمومًا، باسم الفكر أو المذهب (الزيدي) وهذا من العوامل التي قد تشير إلى أن دوافع الفهم ليست فكرية بحتة.
4-يصف الفهم هذا أتباع المذهب الزيدي أو اليمنيين عمومًا، بأنهم أصحاب بدع.. ومن هنا، يمضي في وصفهم بالانحراف عن الدين، ينسب إليهم الشرك مرة والكفر أخرى والفسق ثالثة...إلخ.
الثاني: أنه فهم متعمد لغرض الإساءة إلى الفكر الإسلامي في اليمن، لا يقتصر فقط على تخطئة هذا الفكر، ولكنه يتعداه إلىالتحذير منه ونعته بكل الأوصاف والنعوت السيئة التي هو أبعد ما يكون عنها.
الثالث: أن محاولات يمنية متكررة لتوضيح الفكر اليمني أمام أعلام ذلك الفهم ومدارسه وفي كل الفترات والعهود الماضية وحتى الآن.. قد جرت من قبل كثير من علماء اليمن، منذ العلامة محمد بن علي الشوكاني والعلامة محمد بن إسماعيل الأمير، والعلامة صالح بن مهدي المقبلي.
وعرض أصحاب هذه المحاولات كتب الفكر الإسلامي اليمني الزيدي من أمهات مراجع الكتب لتوضيح أصول ومصادر وآراء هذا الفكر.. ولكنها كلها تبدأ باعتراف أصحاب هذا الفهم بخطأ فهمهم، فإذا انفض الجانبان عن المقام، أنكر أولئك ما سمعوا ورجعوا عما قالوا وعادوا إلى ما اعتادوا. ويتذرع أصحاب هذا الفهم في بعض ما يقولون وما يكتبون ضد الفكر اليمني، بمخالفة هذا الفكر لمذهبهم في آراء لا تخرج في معظمها عن الآراء الاجتهادية التي لا خلاف بين الأمة في جواز الاجتهاد فيها اختلافًا؛ والاختلاف فيها اجتهادًا. وليس هذا التعريج سوى استطراد من موضوع عزلة التراث اليمني، مما يمنعنا عن الإيغال فيه وتتبع بعض من الأمثلة في هذا والأدلة عليه.
الرابع: يُلاحَظ في السنوات العشر الأخيرة تقريبًا.. ظهور مؤلفات جديدة عن بعض أعلام الفكر اليمني صادرة في فترات متفاوتة.. في دراسات عليا. وهذه المؤلفات أو الدراسات، وإن كانت موضوعاتها يظهر عليها أنها منتقاة، إلا أننا يجب أن نعتبرها بادرة جيدة على أمل أنها قد تتيح فرصًا لنظرة علمية وموضوعية نحو هذا الفكر.
وأريد التنبيه هنا.. إلى أن وضع هذا الحديث في شكل علامة تعجب من ذلك الموقف والفهم الخاطئ تجاه الفكر اليمني، لا يعني أبدًا أننا نريد من الآخرين أن يقطعوا بتصويب كل التراث الفكري الإسلامي في اليمن ومذاهبه وآرائه واجتهادات أعلامه، بصفة مطلقة.. أو أن يتركوا مذاهبهم وتراثهم وينصرفوا إلى هذا التراث. فهذا غير وارد.. ولكن الغرض الذي نريده هنا، يتلخص في نقطتين:
أولاهما: أن لا يقول أولئك في الفكر والمذاهب وأعلامهما في اليمن رأيًا أو نعتًا قبل أن يقرؤوا من مؤلفات هذا الفكر مجموعة متنوعة في موضوعها ومؤلفيها تكون كافية لتكوين نظر ورأي صحيحين، وأن لا يقولوا عنها بعد قراءتها كلامًا يتناقض مع ما رأوه وقرأوه فيها، أو رأيًا مغايرًا لما فهموه منها أو صفات لا تنطبق عليها. وهذا أقل ما يمكن أن لا يفرط فيه أو يتجاوزه أو يقصر عنه العالم الورع في ما ينقله ويرويه ويكتبه عن غيره من الناس.
وثانيتهما: أن يكون التعامل مع هذا الفكر على حقيقته، بوصفه فكرًا إسلاميًا اعتور تأليفه وتأصيله وتوسيع علومه وآرائه، علماء مجتهدون من أكبر وأشهر علماء المسلمين على مدى قرون من السنين وأجيال من الباحثين والمحققين.. وعلى أساس أن الاختلاف في الاجتهادات والمذاهب قضية واردة ومسلم بها، وموضع احترام وإجلال بين علماء الأمة ومدارس ومقاصد الشريعة، يفترض أن لا يسبب شيء منها فرقة أو تنابذًا أو سوءًا من قول أو فعل، وهي قضية قائمة معروفة غير منكرة من عهد الصحابة (رضوان اللّه عليهم) ، ثم التابعين وحتى اليوم. ولم يُحدث شيءٌ منها عِدَاءً أو فُرقة بين الأمة إلا في فترات محدودة ولدى أشخاص محدودين، وذلك في حالتين تقريبًا:
إحداهما: عندما دخلت طفيليات من الأغراض والمقاصد والدوافع مغطاة بدثار الإسلام ومتسمية باسم الاجتهاد وهي بعيدة عنهما.
والأخرى: عند أن حلت العصبية والحمية محل البحث العلمي والنظر الموضوعي في قضية الاجتهاد وقضايا الفكر الإسلامي عمومًا.
ثالثًا: عزلة الانتشار العام:
الجانب الثالث من جوانب عزلة التراث اليمني.. عزلة الانتشار العام له في خارج اليمن. وهذا الجانب يرتبط كما نعتقد الآن، بعامل وسبب يفوق غيره من العوامل والأسباب الأخرى، وهو عزلة المخطوطات اليمنية عن المطابع وندرة ما طبع منها حتى الآن، ويأتي بعد هذا السبب أسباب ثانوية، لا أرى داعيًا لاستقراء شيء منها هنا.
( [1] ) للمتنبي من قصيدة مطلعها:
ملومكما يجل عن الملام ووقع فعاله فوق الخصام
( [2] ) د: محمد عابد الجابري، و د:حسن حنفي.
( [3] ) مجلة (اليوم السابع) .
( [4] ) (... في تاريخ الدولة الرسولية) تأليف: علي بن الحسن الخزرجي الطبعة الثانية 1993م في مجلدين.
( [5] ) يقدر الباحثون مخطوطات التراث في اليمن ما بين مائة وخمسين إلى مائتين وخمسين ألف مجلد.
( [6] ) منها ما ذكره الباحث الدكتور حسين العمري في كتابه: (مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني) .