فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 129

القسم الثاني

في بيان حكم أرباب الأعذار

وهم: الصبي إذا بلغ، والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، والحائض والنفساء إذا طهرتا، وإنما سموا بهذا الإسم لأنهم معذورون عن الفرض مضطرون إلى تركه. وفي معناهم: الكافر إذا أسلم، وإنما جعلناه من المعذورين لأنه إذا أسلم سقطت عنه المؤاخذة بما تركه في حال كفره. وإذا زالت أعذارهم أو عذر واحد منهم أو حصل العذر وفي الوقت بقية تعلقت بهم أحكام بالزوال والحصول على حسب ما تقتضيه الحال، وسنوضحه في هذه الفروع بمعونة اللّه تعالى.

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول: في ابتداء العذر في الحائض إذا أتاها الحيض أو نفست المرأة أو جُنَّ الرجل أو أغمي عليه في آخر الوقت نظرت، فإن [كان] ذلك قبل فراغهم من الصلاة فإذا كان قد بقي من الوقت في النهار إلى غروب الشمس ما يتسع للطهارة وخمس ركعات لم يجب عليهم قضاء الصلاة لأنهم معذورون في الترك بالإدراك كما لو كان بعد الزوال، وإن كان قد بقي ما يتسع لركعة واحدة أو لأربع مع الطهارة وجب عليهم قضاء الظهر دون العصر لأن الظهر فائت بالتقصير فلهذا وجب قضاؤه، والعصر مدرك بالركعة، فلهذا لم يجب قضاؤه. وإن كانت هذه الأعذار حاصلة في آخر الليل قبل الصلاة للمغرب والعشاء الآخرة نظرت، فإن كان قد بقي من الوقت إلى طلوع الفجر ما يتسع للطهارة وركعة أو ثلاث وجب عليهم قضاء المغرب دون العشاء لما ذكرناه من أن وقت المغرب فائت بالتقصير فلهذا وجب قضاؤه، فإن كان قد بقي للطهارة وأربع ركعات لم يجب قضاء واحدة من الصلاتين لأنه قد أدرك المغرب بكمالها وركعة من العشاء الآخرة فلهذا لم يتوجه القضاء لإدراكهما، وإن كان ما بقي لا يتسع للطهارة وركعة وجب قضاء الصلاتين جميعًا لأنهما فائتتان بالتقصير، وإن كان العذر حاصلًا قبل طلوع الشمس بما يتسع لركعة واحدة مع الطهارة لم يجب قضاء الصلاة لأجل الإدراك، وإن كان دون ذلك وجب القضاء لفوات الوقت بالتقصير.

والأصل في هذا ما روي عن الرسول أنه قال: (( من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها"ومن أدرك ركعة من الفجر فقد أدركها ) ) ( [1] ) ."

فظاهر الخبر دال على [أن] الإدراك بالركعة يكون إدراكًا للصلاة كلها فلما كان الأمر كما قلناه دل على أن هؤلاء إذا أدركوا من الصلاة ركعة لم يلزمهم القضاء كما فصلناه.

الفرع الثاني: في حكم زوال العذر عن هؤلاء في آخر الوقت كالحائض والنفساء إذا طهرت أو المجنون والصبي المغمى عليه إذا أفاقوا والكافر يسلم، فالعذر زائل عنهم كما فرضناه.. نظرت فإن زال وقد بقي من النهار إلى غروب الشمس ما يتسع للطهارة وخمس ركعات فالصلاتان واجبتان عليهم لأن الظهر مدرك على الكمال والعصر مدرك بركعة واحدة، فلهذا وجبا بالأداء، وإن لم تحصل الصلاة حتى خرج الوقت وجب قضاء الصلاتين معًا لأجل التقصير بفوات الوقت. وإن بقي ما يتسع لركعة واحدة أو لأربع مع الطهارة لم يجب قضاء الظهر لأن العذر حاصل بتركه ووجب العصر لإدراك وقته، فإن لم يصل وفاتت وجب قضاؤها لأجل التقصير في الأداء، وإن بقي من الوقت ما لا يتسع للطهارة وركعة لم يجب قضاء الصلاتين جميعًا لأجل العذر فلا تقصير هناك. وإن زال العذر في آخر الليل نظرت، فإن كان قد بقي من الوقت ما يتسع لأربع ركعات مع الطهارة وجب المغرب والعشاء بالأداء لإدراك وقتهما فإن خرج الوقت من غير صلاة وجب قضاؤهما جميعًا لأجل التقصير وإن بقي من الوقت ما يتسع للطهارة وركعة أو ثلاث وجب تأدية العشاء لإدراك وقته ولم يلزم المغرب لأجل العذر. فإن خرج الوقت بطلوع الفجر وجب قضاء العشاء. وإن طلع الفجر وبقي من الوقت ما يتسع لركعة واحدة من الفجر وجب عليه الصلاة بالأداء لإدراك وقتها وإن لم يصلها حتى خرج الوقت فعليه فعلها بالقضاء، وإن أدرك دون الركعة لم يكن مدركًا وقد مضى تقريره.

الفرع الثالث: واعلم أن المنهيات في نظر الشرع آكد من المأمورات، ولهذا فإن من شرب المسكر و [فعل] غيره من المنكرات يقتل إذا لم يتركها، بخلاف تارك الصلاة وغيرها من المأمورات فإنه لا يقتل على فعلها ( [2] )

كما مر بيانه، وفي هذا دلالة على أن ملابسة المنكرات أدخل في فساد الدين من ترك المأمورات. فإذا ثبت هذا فنقول: من دخل عليه وقت الصلاة ورأى منكرًا فإنه تجب عليه إزالته إذا كان قادرًا على إزالته وحصلت في حقه شروطه ثم إما أن يكون في الوقت سعة. أو لا يكون فيه سعة فإن كان في الوقت سعة اشتغل بإزالة المنكر؛ لأن فعله يتضيق فلا يجوز التراخي في فعله، وإن كان في آخر الوقت نظرت في المنكر فإن كان مما لا يمكن تأخيره كالقتل والغرق والحَرَق فإنه يشتغل بإزالة المنكر لأنه لا يمكن تداركه ثم يرجع لتأدية الصلاة، وإن كان مما يمكن تأخيره فإنه يشتغل بالصلاة لأنها مؤقتة فيلاحظ اداءها في وقت الفضيلة ثم يأخذ في إزالة المنكر، فيكون جامعًا بين تأدية الواجبين فعل الصلاة وإزالة المنكر. فإن صلى في أول الوقت وكان هناك منكر يتضيق وقته ومضى في صلاته والحال هذه، فالقوي بطلان صلاته لأنه يكون عاصيًا بالدخول فيها لأنه ترك بفعلها منكرًا يتضيق وقته. وإن كان في آخر الوقت نظرت، فإن كان المنكر لا يمكن تأخيره اشتغل بإزالته وقضى الصلاة بعد فوات وقتها لأن المنكر حق لآدمي والصلاة حق للّه تعالى فإذا تعارضا وضاق الوقت عن تأديتهما فتقديم حق الآدمي أولى، كالدين والوصية.

الفرع الرابع: والعذر إذا عم جميع الوقت سقط القضاء بالحيض والنفاس والجنون والكفر والصبا،والسكران لا يخاطب بالصلاة في حال سكره لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] وهكذا حال من زال عقله بسبب محرم نحو شرب البنج، ومن تردَّا فزال عقله فهؤلاء لا يخاطبون بالصلاة لأنها زائلة عقولهم كالسكران، وهل يجب عليهم قضاء الصلاة الفائتة بالسكر أم لا؟ فيه وجهان:

أحدهما: أنه لا يجب عليهم لأنه زائل العقل فأشبه المجنون والمغمى عليه وهذا هو رأي الناصريه.

وثانيهما: أنه يتوجه عليهم القضاء، وهذا هو رأي القاسمية، وهذا إنما يتوجه في حق من زال عقله بالسكر وشرب البنج والأفيون حتى لا يدري ما يقول، فأما من لم يزل عقله بشرب الخمر ولكن بدا منه أوائل النشاط والطرب، فطلاقه وعقوده صحيحه وجميع تصرفاته حاصلة [على] نعت الصحة لبقاء العقل وصحته.

والمختار: أنه إذا زال عقله بالسكر فلا يصح طلاقه ولا بيعه ولا شراؤه ولا ردته؛ لأن ملاك الأمور العقل وقد زال فلا تكليف عليه بشيء من التكاليف الشرعية والعقليه ولو أخطأ وأثم بشرب المسكر فلا يكلف بما لا يعقله ولا يفهمه كمن كسر رجله فإنه لا يكلف بالصلاة قائمًا. وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في طلاق السكران ونذكر الخلاف والإختيار والانتصار له، وقد تم غرضنا من الباب الأول وهو باب مواقيت الصلاة وما يتعلق بها وبالله التوفيق.

( [1] ) تقدم.

( [2] ) يقصد على فعل تركها كما يبدو، وفي المسألة خلاف واسع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت