الفصل الثاني
في بيان الأحكام المتعلقة بالحيض
اعلم أن المرأة إذا ورد عليها الحيض تعلقت بها أحكام شرعية وجملتها أربعة عشر حكمًا:
الحكم الأول: أنه تحرم عليها الصلاة والدخول فيها والتلبس بها لقوله: (( دعي الصلاة أيام أقرائك" ) ). وقوله: (( إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة"وإذا رأيت الدم الأحمر فتوضئي وصلي ) ). ولا خلاف في هذا الحكم بين الأئمة وعلماء الأمة، وروى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه قال: (( الحائض تقضي الصوم دون الصلاة" ) ) ( [1] ) ."
وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة عليها لأنها لو وجبت عليها وفات الوقت وجب قضاؤها، ومثل هذا لا يطلقه الصحابي إلا عن توقيف من جهة الرسول إذ لا مجرى للإجتهاد في العبادات الشرعية.
الحكم الثاني:سقوط وجوبها، لما روت عائشة قالت كنا نحيض عند رسول اللّه فلا نقضي الصلاة ولا نؤمر بقضائها ( [2] )
وهذا أيضًا مما لا خلاف فيه بين الأئمة وفقهاء العامة، ولما رويناه من خبر زيد بن علي.
الحكم الثالث: أنه يحرم عليها الصوم والدخول فيه والتلبس به والتشبه بالصائمين، لما روى أبو سعيد الخدري أن الرسول قال: (( إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم" ) ) ( [3] ) "
ولا يسقط وجوبه عليها فإذا طهرت وجب عليها القضاء لما روت عائشة أنها قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ( [4] ) .
ولما روينا من حديث زيد بن علي، والظاهر أنه لا خلاف في هذا الحكم بين الأئمة وفقهاء الأمة، ولأن إيجاب قضاء الصلاة فيه حرج ومشقة لتكرره في كل شهر بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر في السنة إلا مرة واحدة، وقد قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] . ولا عسر أعظم من إيجاب العبادات المتكررة في الأوقات، وقد ذكرنا من قبل أن الإجماع منعقد على سقوط قضاء الصلاة وإيجاب قضاء الصيام مجمع عليه، وقد حكي الخلاف في إيجاب قضائهما جميعًا عن الخوارج.
ويحكى أن امرأة دخلت على عائشة فقالت لها: نقضي الصلاة والصوم؟ فقالت: يا هذه أحرورية أنت؟ إن فعلتها فإن هذا مذهب الخوارج. وحرورا قرية الخوارج بالحاء المهملة والراء [المضمومة والراء] المفتوحة المهملة بألف تأنيث مقصورة ( [5] )
وخلافهم هذا خلاف ساقط لا يعتد به والإجماع السابق من الصدر الأول والتابعين على فساد ما قالوه فهم خارقون للإجماع فلا يلتفت إليه بحال.
الحكم الرابع: وهل يجوز لها قراءة القرآن أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز لها قراءة القرآن ويحرم عليها النطق به وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن ) ) ( [6] ) .
المذهب الثاني: أنه يجوز لها قراءة القرآن وهذا هو المحكي عن مالك وقول قديم للشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنها إذا لم تقرأ القرآن أدَّى ذلك إلى نسيانها للقرآن.
والمختار: ما عول عليه الأئمة ومن وافقهم من علماء الأمة.
والحجة على ما قلناه: قوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ"} [الواقعة:79] . فإذا كان المس ممنوعًا بظاهر الآية فالقراءة ممنوعة أحق وأولى بكل حال."
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه ( [7] ) .
وهو قول قديم حكاه المسعودي عن الشافعي وهو غير معمول عليه عند أصحابه، ويدل على بطلان هذه الحجة، هو أنا نقول: إنها تقرأ القرآن بقلبها وتتذكره دون التلفظ بلسانها وفيه حصول الغرض من عدم النسيان كما قالوه.
الحكم الخامس: يحرم عليها الطواف لقوله: (( الطواف بالبيت صلاة ) ) ( [8] ) .
وقد دللنا على أنها ممنوعة من الصلاة فهكذا حال الطواف، ولقوله لعائشة، لما حاضت: (( اصنعي ما يصنع الحاج"غير أنك لا تطوفين بالبيت ) )ولأن الطواف لا بد [له] من دخول المسجد وهي ممنوعة منه، ولا خلاف في تحريم الطواف عليها بين الأئمة وفقهاء الأمة."
الحكم السادس: ويحرم عليها مس المصحف وحمله لقوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ"} [الواقعة:79] . ويجوز لها حمل المصحف بعلاَّقته لأنها ليست مباشرة له ويجوز لها مس الجلد أيضًا ويجوز لها مس حواشيه. وهل يجوز لها أن تقرب أوراق القرآن بقلم أو عود؟ فيه وجهان:"
أحدهما: الجوار. لأنها غير حاملة ولا ماسة.
وثانيهما: المنع لأن ما كان بيدها من عود أو غيره فالفعل منسوب إليها.
وإن حملت متاعًا فيه القرآن فهل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: الجواز لأن المقصود إنما هو المتاع دون القرآن.
وثانيهما: المنع لأنها حاملة للقرآن، ويجوز لها حمل كتب التفسير وإن كان فيها القرآن لأن الإطلاق عليها أنها من كتب التفاسير دون القرآن.
الحكم السابع: يحرم عليها اللبث في المسجد لقوله: (( لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" ) ) ( [9] ) ."
وأما العبور في ساحة المسجد فهو ممنوع عندنا لظاهر الحديث الذي رويناه، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر بجوازه، لحديث عائشة لما قال لها الرسول: (( ناوليني الخمرة" ) ).فقالت له: إني حائض. فقال: (( حيضتك ليست في يدك ) ) ( [10] ) "
والخمرة: حصير صغير. وهذا الخلاف في العبور في المسجد إذا كانت مستوثقة بالشد فأما إذا لم توثق بالشد فإنه يحرم العبور لأنه لا يؤمن فيها أن تلوث المسجد بالنجاسة.
الحكم الثامن: والحيض يمنع من صحة الإعتكاف لأنه إذا حرم عليها اللبث في المسجد من غير عبادة كما أوضحناه فلأن يحرم عليها ذلك مع نية العبادة والتلبس بها [أولى] ، ومن جهة أن الإعتكاف يفتقر إلى الصوم وهو مستحيل في حق الحائض فلهذا بطل الإعتكاف منها.
الحكم التاسع: وجوب الغسل عليها عند انقطاع الدم، وهل يجب الغسل عليها برؤية الدم أو بانقطاعه؟
والمختار: أنه لا يجب عليها الغسل إلا بانقطاع الدم وهو القول الجديد للشافعي، وله قول آخر قديم [أنه] يجب برؤية الدم، وعلى هذا إذا اجتنبت المرأة ثم حاضت قبل أن تغتسل فلا غسل عليها للجنابة من جهة أن الدم غير منقطع ولأن ما أوجب الطهارة فهو مانع من صحتها كالبول.
الحكم العاشر: الحكم ببلوغ المرأة عند حيضها ولا خلاف في كونه أمارة للبلوغ في حق النساء، بين الأئمة وفقهاء الأمة.
الحكم الحادي عشر: أنها إذا حاضت ثم طلقت امتنع اعتدادها بالشهور لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ"} [البقرة:228] ولا خلاف في ذوات الحيض أن العدة في حقهن بالأقراء."
الحكم الثاني عشر: أنها إذا طلقت وهي حائض فإنه يأثم لحديث ابن عمر، ولا تعتد بتلك الحيضة في العدة بل تستأنف كما سنوضحه في العدد بمعونة اللّه تعالى.
الحكم الثالث عشر: أنه يحرم طلاق المدخول بها في حال حيضها لقوله تعالى: {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . والغرض: مستقبلات للعدة.
الحكم الرابع عشر: أنه يحرم وطؤها في فرجها لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ"وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222] . ولما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: (( من أتى كاهنًا أو عَرَّافًا أو منجمًا"يصدقه فيما يقول أو أتى امرأة في دبرها أو حائضًا فقد كفر بما أنزل على محمد ) ) ( [11] ) .
فهذه الأحكام كلها متعلقة بالحائض.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في تحريم وطئ الحائض في فرجها لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ"} [البقرة:222] . مع علمه بحيضها وعلمه بتحريمه وذكره للحيض، فإن خالف النهي ووطأ والحال ما ذكرناه فإنه يأثم لمخالفة النهي، وهل يكفر أو يفسق بالوطئ المحرم أم لا؟ فيه نظر."
والمختار: أنه لا يكفر ولا يفسق لأن الكفر والفسق إنما يكونان بأدلة قطعية ولا دلالة تدل على ما قلناه من كفره وفسقه، ولأنا لا نقطع بكونه كبيرة. والإكفار أو التفسيق إنما يكون بإرتكاب الكبائر. فأما ما روي عن الرسول: (( من أتى امرأة وهي حائض فقد كفر بما أنزل على محمد" ) )فلا يلزم لأمرين:"
أما أولًا: فلأنه خبر واحد فلا يقع به إكفار ولا تفسيق لأنه لا يثمر اليقين ولا القطع.
وأما ثانيًا: فلأنه محمول على استحلال الوطئ لأن استحلاله يكون ردة لأن تحريمه معلوم بضرورة الدين. وتلزمه التوبة من هذه المعصية والاستغفار إلى الله تعالى لقوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ"} [النور:31] ."
وهل يلزمه مع التوبة غرم مال أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه إن أتاها في أول الدم لزمه أن يتصدق بدينار، وإن أتاها في آخره تصدق بنصف دينار وهذا قول قديم للشافعي، ومحكي عن الأوزاعي وإسحاق.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس عن الرسول أنه قال: (( من أتى امرأة وهي حائض فليتصدق بدينار ومن أتاها وقد أدبر الدم فليتصدق بنصف دينار ) ). وفي حديث آخر: (( من أتى امرأته وهي حائض فليتصدق بدينار أو نصف دينار ) ) ( [12] ) .
وثانيهما: أنه لا يلزمه شيء، وهذا هو قول أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والقول الجديد للشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن علي أن رجلًا أتاه فقال: يا أمير المؤمنين إني وطأت امرأتي على غير طهر. فقال: (( اذهب فما أنت بصبورٍ ولا قذورٍ"واستغفر اللّه من ذنبك ولا تعد إلى مثلها ولا حول ولا قوة إلا بالله ) ) ( [13] ) "
ولم يأمره بالكفارة.
والمختار: ما قاله أصحابنا لما ذكرناه من الحجة لهم ونزيد فنقول: وطءٌ محرم للأذى، فلا تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر، واحترزنا بقولنا: محرم للأذى عن الوطئ في الحج وفي شهر رمضان على رأي من يوجب الكفارة.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما حديث ابن عباس فعنه جوابان:
أما أولًا: فلأن الرواية مضطربة فيضعف.
وأما ثانيًا: فلأنه محمول على الاستحباب.
وقد حكي عن الحسن البصري وعطاء أنه من وطأ امرأته وهي حائض وجب عليه ما يجب على المجامع في شهر رمضان.
وحجتهما على ذلك: هو أنه وطءٌ محرم فأشبه الوطءَ في نهار رمضان، وعنه جوابان:
أما أولًا: فلأنا لا نسلم وجوب الكفارة على الواطئ في نهار رمضان لما سنقرره في كتاب الصوم.
وأما ثانيًا: فلأن المعنى في الأصل: هو أنه وطءٌ محرم في زمان لا يحل فيه الوطءُ فافترقا.
وإن وطأها من غير علم بالحيض ولا علم بتحريمه ومع نسيان الحيض فلا إثم عليه، لقوله: (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ) )والجهل وعدم العلم سواء في سقوط الإثم.
الفرع الثاني: في الإستمتاع من غير جماع وله ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: الإستمتاع بها بما فوق السرة وبما دون الركبة فهل يجوز أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الجواز وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة.
والحجة على هذا: ما روت عائشة قالت: كان رسول اللّه يباشر نساءه وهن حُيَّضٌ في إزار واحد ( [14] ) .
الحجة الثانية: ما روي عنها أيضًا قالت: كان رسول اللّه يأمرنا في وقت حيضنا أن نأتزر ثم يباشرنا، وأيكم يملك من إربه ( [15] )
ما كان رسول اللّه يملك ( [16] ) .
المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ"} [البقرة:222] ."
والمختار: ما عول عليه الأكثر من الأئمة والفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد ما روي عن عمر أنه قال، سألت رسول اللّه ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: (( ما فوق الإزار ) ) ( [17] ) .
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: الآية تدل على المنع من الإستمتاع من جميع الوجوه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن المراد بالمحيض هو دم الحيض وليس المراد منه لا الزمان ولا المكان لأن اللّه تعالى قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ"} [البقرة:222] . وفسره بأنه الأذى وفي هذا دلالة على أن المراد منه الدم فالمراد هو اعتزال الدم فلا تقربوا الدم."
وأما ثانيًا: فتحمل الآية على ما يوافق الأخبار لئلا يؤدي إلى مناقضة الكتاب والسنة وهما متوافقان.
نعم، فإن كان على هذه المواضع دم الحيض فهل يجوز مباشرتها أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما المنع لأنه دم الحيض فأشبه الفرج.
والثاني: الجواز لحديث عمر وعائشة وقد ذكرناه.
والمختار: الجواز لأنها مجانبة للفرج فأشبه سائر الأعضاء الخارجة فإن لم يصبها شيء من الدم جاز ولا خلاف فيه بين أئمة العترة وأكثر فقهاء العامة.
الحالة الثانية: في الإستمتاع بما فوق الركبة ودون السرة، فهل يجوز أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو رأي الإمامين الهادي والناصر ومحكي عن القاسم وحكي عنه الكراهة وهو رأي الإمامين الأخوين ، ومروي عن محمد ومالك، والقول الأصح للشافعي.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( اصنعوا كل شيء إلا النكاح" ) ) ( [18] ) "
وفي هذا دلالة على أنه لا يجتنب إلا الفرج لا غير.
المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو قول مالك وأحد قولي الشافعي، ومحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( لك ما فوق الإزار وليس لك ما تحته" ) ). وهذا نص فيما نريده ولأنه استمتاع في الحائض بما تحت الإزار فأشبه الوطءَ في الفرج."
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم من فقهاء العامة.
والحجة على ذلك: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أنه استمتاع بالحائض فيما دون الفرج فأشبه التلذذ بما بين الفخذين والساقين.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: الخبر دال على إباحة ما فوق الإزار دون ما تحته.
قلنا: الخبر محمول على أنه تلوث بالدم وما هذا حاله فنحن نمنع منه، أو نقول: إن الخبر محمول على من [لا] يملك نفسه عن الوقوع في المحظور، وإنما وجب حمله على ما ذكرناه لتكون الأدلة متطابقة.
قالوا: استمتاع بما تحت الإزار فيحرم كما لو وطأ في الفرج.
قلنا: هذا معارض بما ذكرناه من القياس فيبطل القياسان ويجب الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وممن قال بالجواز الأوزاعي وأحمد وإسحاق والمروزي من أصحاب الشافعي.
الحالة الثالثة: الإستمتاع بالتلذذ بالفرج إذا كان الدم مقصرًا أو غسلته، فهل ذلك جائز أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع، وهذا هو الظاهر من مذهب العترة وفقهاء الأمة.
والحجة لهم على ذلك: هو أن ظاهر الأخبار التي رويناها عن عائشة وعن غيرها دالة على اجتناب الفرج ومصرحة بالمنع منه، ثم ظاهر الآية دال على المنع منه فإنه علل الإعتزال ومنع من القرب لأجل الأذى والأذى في زمان الحيض فيه دائم فلهذا قضينا بامتناعه.
المذهب الثاني: الجواز وهو المختار. ويدل عليه حجج ثلاث:
الحجة الأولى: هو أن الآي والأخبار إنما منعت من الإستمتاع لما فيه من التلوث بالنجاسة وقد فرضنا الجواز في حال كون الدم مقصرًا أو كان مغسولًا، وإذا كان الأمر هكذا زال المنع بزوال التلوث فلا مانع من التلذذ به في هذه الحالة إذ لا نجاسة ظاهرة فيه كما قررناه.
الحجة الثانية: قوله: (( اصنعوا بالحائض كل شيء ما خلا الجماع" ) )وهذا فيه دلالة ظاهرة على جواز التلذذ به من غير إيلاج فيه وهو المقصود."
الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك عن الرسول أنه قال: (( يتجنب منها زوجها مكان الدم وله ما رواءه" ) ) ( [19] ) ."
وظاهر هذا الخبر دال على أن الفرج تلوث بالدم ونحن نمنع منه في هذه الحالة ولكن إذا فرضنا إقصار الدم أو غسله جاز ذلك، فقد وضح لك بما أوردناه جواز ذلك.
الفرع الثالث: إذا انقطع دم الحائض بحصول الطهر حل لها أن تصوم لأن تحريمه إنما كان بالحيض وقد زال ولا يحل لها الصلاة والطواف واللبث في المسجد والإعتكاف وقراءة القرآن لأن المنع من هذه الأمور إنما هو للحدث، ولا شك أن الحدث باق.
وهل يجوز وطؤها قبل الاغتسال أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر وزيد بن علي والسيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب وهو رأي الشافعي ومالك.
والحجة على ذلك:قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ"} [البقرة: 222] . فجعل لحل الوطءِ والقرب غايتين:"
إحداهما: الطهر وهو النقاء بقوله: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} . يقال: طهر من النجاسة يطهر إذا نقى.
وثانيتهما: التطهر بالماء بقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يقال: تطهر بالماء إذا اغتسل به، فهذه القراءة مفيدة لهذين المعنيين المختلفين فقد أفادت الطهر من الحيض والطهارة بالماء فيجب حملها عليهما كما أوضحناه.
والقراءة الثانية: بالتشديد في قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهَرْنَ} . وهي مفيدة للتطهير بالماء لأن المعنى ولا تقربوهن حتى يَطَّهَرْنَ بالماء فإذا تَطَّهَرْنَ بالماء فأتوهن، لكنا أخذنا اشتراط الطهر بالنقاء من دليل آخر ومن جهة أن الطهارة بالماء غير مفيدة حتى يحصل الطهر بالنقاء، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن القراءتين متطابقتان على المنع من وطئها حتى تغتسل وهذا هو المطلوب.
المذهب الثاني: أنها إن طهرت لأكثر الحيض وهو عشر جاز وطؤها وإن لم تغتسل وإن طهرت لأقل من عشر لم يجز وطؤها حتى تغتسل أو تيمم إن لم تجد الماء وهذا هو قول زيد بن علي وهو رأي أبي حنيفة.
والحجة على ما قاله، قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ"} [البقرة:223] ولم يفصل. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ"، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون:5ـ6] . من غير فصل بين حالة وحالة، وفي هذا دلالة على ما قلناه.
الحجة الثانية: قولهم: لو كان ثم مانع عن وطئها لكان لأجل بقاء الاغتسال عليها وبقاء الاغتسال عليها لا يمنع من وطئها كما لو كانت جنبًا.
الحجة الثالثة: قالوا: ولأن هذا سبب يتعلق به تحريم وطئها وقد علمنا زواله بدليل الإحرام والصوم فوجب أن يزول التحريم.
المذهب الثالث: أنها إذا غسلت فرجها جاز لزوجها وطؤها بعد العشر، وهذا شيء يحكى عن الأوزاعي وداؤد من أهل الظاهر.
والحجة لهما على ما قالاه: هو أنها قد أمنت من معاودة الحيض في هذه الحالة فجاز له وطؤها كما إذا اغتسلت أو تيممت، وما ذكرناه حجة لأبي حنيفة فهو حجة لهما لأنهما يعتبران انقضاء مدة الحيض وكمالها كما يعتبره إذ لا قائل بجواز وطئها قبل تمام حيضها وإنما أوجبا غسل الفرج من أجل ما يلحقه من آثار الدم والعفونة. وذكرهما غسل الفرج يحتمل الوجوب ويحتمل الاستحباب.
والمختار: ما قاله أصحابنا.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: (( إذا أقبلت الحيضة فأمسكي عن الصلاة"وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ) ). فأوجب عليها الاغتسال عند الإدبار وهو نص فيما قلناه."
الانتصار: يكون بإبطال ما يخالفه.
قالوا: الآيتان تدلان على ما قلناه.
قلنا: ظاهرهما متروك بالإجماع لأنهما متناولتان للحيض والنفاس فلابد من تأويلهما فنحملهما على حل الوطءِ بعد الاغتسال، كما حملتموها على حل الوطء بعد الانقطاع.
قالوا: بقاء الاغتسال لا يكون مانعًا عن الوطءِ كالجنابة.
قلنا: ليس المانع هو بقاء حكم الاغتسال كما زعمتم وإنما المانع من الوطءِ بقاء حكم الحيض الذي يذهب بالاغتسال.
قالوا:قد علمنا زوال السبب الذي يتعلق به تحريم وطئها بدليل الإحرام والصوم.
قلنا: بقاء حكم الحيض لا يمنع من الإحرام والصوم لأن الصوم إمساك. والإحرام لا يمنع منه الحيض فضلًا عن الاغتسال، بخلاف الوطءِ والصلاة فإن بقاء حكم الاغتسال مانع منهما فافترقا.
وأما من زعم أنها تغسل فرجها لا غير فالكلام عليه كالكلام على أبي حنيفة إلا أنهما اشترطا غسل الفرج للنظافة عن سائر العفونات التي في الفرج عقيب الحيض.
الفرع الرابع: فإن لم تجد الماء جاز لها التيمم للصلاة لأنها عادمة للماء. وهل تؤدي الصلاة بالتيمم في أول الوقت أو في آخره؟ يكون على الخلاف الذي ذكرناه في باب التيمم.
ويجوز لها أن تتيمم للوطء لأن التيمم طهارة تستباح بها الصلاة فأباحت الوطء كطهارة الماء. وهل يشترط في التيمم للوطء شرط آخر أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة أن التيمم كاف في صحة الوطئ وهو رأي الشافعي، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يجزي التيمم للوطءِ حتى تؤدي به فريضة، وله في هذه المقالة نظر دقيق.
والحجة على ذلك: هو أن التيمم إنما شرع لتأدية العبادات ولما فيه قربة ولم يشرع لتأدية الأمور المباحة كالوطءِ، ولهذا فإن سبب نزوله عدم الماء لتأدية الصلاة، فقال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا"} [المائدة:6] . فلما كان مشروعًا لما ذكرناه من العبادة لم يجز تأدية الأمور المباحة حتى يؤدى به المقصود من العبادة فلهذا كانت العبادة مقصودة وتأدية المباح على جهة التبع، وعنه رواية أخرى أنه يستباح به الوطءُ من غير صلاة وهو مروي عن محمد وزفر."
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة لأن الطهارة بالتراب نازلة منزلة الماء عند عدمه فلهذا استبيح به الوطءُ كالطهارة بالماء.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما ما قاله أبو حنيفة من أنه شرع من أجل تأدية العبادات فلا ننكره لكنه قد نزل منزلة الماء عند عدمه وهو بدل عنه وليس يكون أعلى حالًا من الماء، فإذا جاز تأدية الأمور المباحة بالماء جاز تأديتها بالتراب من غير تفرقة بينهما.
الفرع الخامس: إذا أراد وطءَ امرأته فقالت: أنا حائض، فهل يقبل قولها أم لا؟ فيه تردد، منهم من قال: ينظر في حالها فإن كانت مسلمة قبل قولها لأن الغالب من حالها الصدق لأجل الإسلام. وإن كانت فاسقة فإنه لا يلتفت إلى قولها لفقد العدالة.
والمختار في ذلك: التعويل على شمائلها وأحوالها، والمعتمد في ذلك هو غلبة ظنه فإن غلب ظنه صدقها لم يجز له وطؤها، وإن غلب على ظنه كذبها جاز له وطؤها من غير التفات إلى الإسلام والفسق لأنه ربما يغلب على الظن صدقها ولو كانت فاسقة لقرائن أحوالها وما يظهر من شمائلها.
الفرع السادس: إذا تيممت وصلت بهذا التيمم فريضة أو نافلة فهل يحل وطؤها أم لا؟ فعلى ما اخترناه من جواز تأدية الفرائض الكثيرة بالتيمم الواحد يحل وطؤها ولو صلت، فأما من يمنع من تأدية الفروض الكثيرة بالتيمم الواحد، فمنهم من منعه حتى تعيد التيمم للوطءِ، ومنهم من أجازه لأنه نازل منزلة الغسل وهو القوي على أصلهم.
الفرع السابع: ويستحب للنساء الحيَّض ذوات الأزواج وغير ذوات الأزواج أن يتعهدن أنفسهن في أوقات الصلاة بالتطهر والتنظيف إذا كان الدم مقصرًا، وذكر اللّه تعالى في أوقات الصلوات يكون ذلك على جهة التمرين لئلا يقع التساهل في تأدية الصلوات في حال الطهارة من الحيض كما ورد به الشرع في أمر الصبيان بالصلاة قبل البلوغ تمرينًا لهم على فعلها بعد البلوغ، ويستحب لذوات الأزواج منهن التعهد لأنفسهن بالتطهير والتنظيف واستعمال الطيب لإزالة الروائح الكريهة بالحيض لأجل المباشرة التي فصلناها للأزواج في حال الحيض.
الفرع الثامن:الحيض له سن مخصوص وقدر مخصوص فإذا وجد ذلك تعلقت به أحكام الحيض، والمرجع في إثباته وتقريره على الوجود وهو ما يوجد عادة مستمرة فإذا وجد ذلك صار أصلًا.
قال الإمامان الناصر والهادي: وأقل السن الذي ترى فيه المرأة الحيض تسع سنين وما زاد على ذلك فهو عادة مستمرة وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة لنا على ذلك: هو أن كل ما ورد به الشرع مؤقتًا فالإعتماد فيه على التوقيت، وما ورد مطلقًا فلا بد من تقديره، و [إن] لم يكن لتقديره أصل في الشرع ولا في اللغة فإنه يرجع فيه إلى العرف والعادة، وهذا كما نقول في قبض المقبوضات في البياعات، والحرز في السرقة، والأيمان فإن هذه الأمور كلها التعويل فيها على مجرى العادة والعرف.
قال الشافعي في الأم: أعجل من سمعت في الحيض من النساء نساء تهامة يحضن لتسع سنين، وقال: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة. وقال أصحابه: يجيء على أصله أن تكون جدة لها تسع عشرة سنة لأنها تحمل لتسع سنين وتضع لستة أشهر ثم تحمل ابنتها لتسع سنين وتضع لستة اشهر فذلك يكون تسع عشرة سنة وهذا كله يأتي على مذهبنا.
( [1] ) رواه الإمام زيد في مجموعه.
( [2] ) أخرجه النسائي، و للباقين إلا الموطأ نحوه. وهو مروي عن معاذة أنها سألت عائشة، فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد بلفظه. إه. (جواهر) 1/135.
( [3] ) تضمنه الحديث السابق.
( [4] ) تقدم.
( [5] ) قال ياقوت في معجم البلدان: حروراء: بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدودة، إلى أن قال: قيل: هي قرية بظاهر الكوفة، وقيل: موضع على ميلين منها نزل به الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، نسبت إليها الحرورية من الخوارج، اه ج2 ص245، وفي لسان العرب: قال الجوهري: حروراء اسم قرية يمد ويقصر. اه. ج4 ص 185.
( [6] ) أخرجه الترمذي موقوفًا على ابن عمر، وقد تقدم في الغسل.
( [7] ) من القول بأنها إذا لم تقرأ القرآن أدَّى ذلك إلى نسيانها للقرآن.
( [8] ) سيأتي في الحج.
( [9] ) تقدم في الغسل، أخرجه أبو داؤد عن عائشة.
( [10] ) أخرجه الستة إلا البخاري عن عائشة، بلفظ: (( ناوليني الخمرة من المسجد ) )اه، جواهر ج1ص126.
( [11] ) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة بلفظ: (( من أتى حائضًا في فرجها أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد ) ). اه (جواهر) 1/37، ورواه أحمد وأبو داؤد والترمذي عن أبي هريرة بزيادة (( ...أو كاهنًا فصدقه..) اه (فتح الغفار) 1/98.
( [12] ) وجاء في (فتح الغفار) عن ابن عباس عن النبي في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار، رواه الخمسة وصححه الحاكم وابن القطان وابن دقيق العيد.
وقال أحمد: ما أحسنه من حديث، وفي لفظ للترمذي: إن كان دمًا أحمر فدينار، وإن كان دمًا أصفر فنصف دينار، وفي رواية لأحمد: جعل في الحائض تُصاب دينارًا، فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصف دينار، وكل ذلك عن النبي اه بلفظه 1/99.
( [13] ) حكي نحوه في (أصول الأحكام) .
( [14] ) تضمنه الحديث الذي يليه.
( [15] ) جاء في حاشية الأصل: أربه، يروى بفتح الألف والراء المهملة، وبكسر الألف وسكون الراء، والمعنى فيهما: حاجة النفس، ذكره الخطابي في المعالم، قال: والأرب هو العضو.اه.
( [16] ) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا وأراد رسول الله أن يباشرها أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضتها (أول الحيض) ثم يباشرها، وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله يملك إربه. وللترمذي رواية بمعناه، وفيه روايات وأحاديث أخر, اه (جواهر) 1/137.
( [17] ) أورده في (الجواهر) عن معاذ أنه سأل رسول الله عما يحل له من امرأته وهي حائض. فقال: (( ما فوق الإزار، والتعفف من ذلك أفضل ) )ذكره رزين، وفي رواية عن زيد بن أسلم أن رجلًا سأل رسول الله فقال له: (( تشد عليها إزارها ثم شأنك في أعلاها ) )أخرجه الموطأ، اه 1/137.
وفي (فتح الغفار) عن حزام بن حكيم أنه سأل رسول الله فقال: (( لك ما فوق الإزار ) )رواه أبو داؤد، اه 1/99.
( [18] ) وفي لفظ: (( ...إلا الجماع ) )رواه الجماعة إلا البخاري، ومناسبة الحديث ما رواه أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي فأنزل الله تعالى: وَيَسْأَلُوْنَكَ عَنِ المَحِيْضِ قُلْ هُو أذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِيْ الْمَحِيْضِ )) [البقرة: 122] . اه (فتح الغفار 1/98) .
( [19] ) أورده في (الجواهر) وقال: حكاه في (الشفاء) 1/138.