اضطرب رأي الخائضين في علوم الاجتهاد في المسائل الخلافية، في أن الطهارة من النجاسة هل يعقل معناها أم لا؟
فالذي ذهب إليه الأكثر من أئمة العترة ومن تابعهم من العلماء من شيعتهم أنها غير معقولة المعنى، ونعني بكونها غير معقولة المعنى، هو أنها مشروعة على جهة التعبد من غير أن يفهم معناها، ومن أجل كون معناها غير معقول، تعين الماء لها، فلا يجوز إزالتها بغير الماء، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه \s"\c 3 ( [1] ) وداود وزفر \s"\c 3 ( [2] ) ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة.
والحجة لهم على ذلك: هو أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة ولا يفهم من جهة الشرع وجوب إزالة النجاسة إلا من أجلها، والمعنى الذي من أجله وجبت لأجل الصلاة غير معقول ولا ترشد إليه مخائل المعاني ولا تجري فيه مسالك الأشباه، وفي هذا دلالة على أنها غير معقولة، ويؤيد كونها غير معقولة المعاني، وجوب الاغتسال من المني دون البول والغائط، وهما أكبر وأقذر منه، فدل ذلك على انسداد معانيها بكل حال، ولأن إزالة النجاسة طهارة تراد للصلاة وتقصد من أجلها، فلا يجوز فهم معناها كالوضوء، وإذا كانت غير مفهومة المعنى تعين الماء لها، فلا يجوز إزالتها بغير الماء، وهذه هي الفائدة في كونها غير معقولة المعنى، وزعم أبو حنيفة وأصحابه أن طهارة النجاسة معقولة المعنى، وأن مقصود الشرع منها إزالة عينها واستئصال أثرها، وهذا يحصل بما كان يرفع ويقلع من المائعات كالخل واللبن، فقد حصل معناها المعقول، وإلى هذا ذهب أبو عبدالله الداعي \s"\c 3 ( [3] ) ."
والحجة لهم على ما قالوه: ما ذكرناه من تقرير معناها المعقول من الرفع والقلع، وإذا كان معناها معقولًا وهو حاصل بكل ما كان يرفع أثرها ويزيل عينها من المائعات، فقد تقرر مقصود الشرع بفهم المعنى، وينوي على هذا إزالتها بغير الماء من كل مائع رافع لها.
والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي ومن وافقهم في كونها غير معقولة المعنى، ومن أجل ذلك تعين لها الماء، ولم يجز إزالتها بغيره من سائر المائعات. ويدل على ذلك أنها جارية على صرف التعبد والاحتكام، فلا تفهم فيها مخائل المعاني وطرقها منسدة فيها، فلا يُضطَرَبُ فيها بالخطوات الواسعة لضيق مسلكها ودقة مجراها، وما هذا حاله فإنه يجب الجمود فيها على حكم الشرع واقتراحه، لما كان معناها غير مُفْهَم فيجب قصر الإزالة على الماء.
الانتصار: يكون بتزييف ( [4] ) ما اعتمدوه.
قالوا: الغرض والمقصود هو الإزالة، فتجب إزالتها بكل قالع للأثر.
قلنا: هذا فاسد فإنا لا نُسَلِّمُ أن المقصود هو الإزالة، فإنه قد تجوز الصلاة مع الآثار النجسة وإن بقي أثرها بعد غسلها بالماء كما سنوضح الأمر فيه، ثم إنا وإن سلمنا أن الغرض هو الإزالة، لكن لا نُسَلِّم أنه كل المقصود، بل هو المقصود مع نوع تعبد، كما أن الغرض بالعدة هو براءة الرحم، لكن ليس كل المقصود منها. وإذا كان الأمر كما قلنا من كونها غير معقولة المعنى، وجب تَعَيُّنُ الماء لها، وهذه هي الفائدة بكونها غير معقولة المعنى. والذي يقطع شجارهم ويحسم مادة سعيهم، أنا نقول لهم: إزالة النجاسة لا تجب لغير الصلاة، فأخبرونا عن وجه وجوبها للصلاة.
فإن قالوا: المفهوم من جهة الشرع أن المصلي مأمور بأن يأخذ في الصلاة أبهى زي وأحسن هيئة فهكذا يكون مأمورًا بالتنقية من الأقذار والنجاسات أحق وأولى.
قلنا: هذا تكرير للسؤال، فلم تجب التنقية في الصلاة؟ وعنه نسأل.
فحصل من مجموع ما ذكرناه أن اشتراط إزالة النجاسة في الصلاة لا يعقل معناه، بل هو جار على صرف التعبد فهكذا حال النجاسة نفسها لا يعقل معناها. وإذا كان أمرها جاريًا على ما ذكرناه من التعبد، وجب تعين الماء لها كما قررناه من قبل، لأجل إشارة ظواهر الشرع إلى قصره على الماء فلا وجه لإعادته، وإزالة النجاسة ليس من قبيل العبادات فلا تكون مفتقرة إلى النية، وتصح تأديتها ممن ليس من أهل العبادة كالكافر والصبي. وإن نوى التقرب بها كان مثابًا على فعلها؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، كما جاء في الحديث، وهو رأي أصحابنا والفقهاء لا يختلفون فيه، والوجه فيه ما أشرنا إليه.
( [1] ) أبو يعقوب إسحاق بن محمد الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، ترجم له الشيرازي في (طبقات الفقهاء) ضمن فقهاء خراسان وقال عنه: جمع بين الحديث والفقه والورع، سكن نيسابور ومات بها سنة 238هـ. وسئل عنه أحمد بن حنبل. فقال: ومن مثل إسحاق؟ إسحاق يسأل عنه؟ وقال إيضًا: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وقال إسحاق: أحفظ سبعين ألف حديث وأذاكر بمائة ألف حديث، وما سمعت شيئًا إلا حفظته ولا حفظت شيئًا قط فنسيته.
( [2] ) أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس بن مسلم العنبري، أحد الفقهاء والعباد. قال ابن حبان في الثقات: كان متقنًا حافظًا لم يسلك مسلك صاحبيه، وكان أقيس أصحابه وأكثرهم رجوعًا إلى الحق. ا.هـ، وهو أول من قدم من البصرة برأي أبي حنيفة. توفي سنة 158هـ.، عن ثمانية وأربعين سنة. (مقدمة البحر) .
( [3] ) أبو عبدالله محمد بن الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الإمام المهدي بويع له بالإمامة ثم كاتبه أهل الديلم فوصل إليهم سنة 353هـ.، وهو الذي أظهر في الديلم أن كل مجتهد مصيب. وكانت الناصرية تخطئ القاسمية والعكس، فرجعوا إلى قوله بعد مناظرات كثيرة، ولم يزل مجاهدًا حتى قبضه اللّه بهوسم مسمومًا سنة 360هـ. ومن مشائخه في الفقه: أبو الحسن الكرخي، وفي علم الكلام: أبو عبدالله البصري. (مقدمة الأزهار) .
( [4] ) بمعنى كشف زيف (عدم صحة) ما اعتمدوه.