الفصل الأول
في ماهية الحيض وبيان معناه
اعلم أن الحيض عبارة عن الدم الذي ترخيه الرحم، وما في حكمه، في زمان الإمكان.
فقولنا: هو الدم الذي ترخيه الرحم، نحترز به عن دم البكارة ودم الجرح فإنها دماء لا ترخيها الرحم وإنما هي جروح تلحق الرحم ولهذا يلحقها الألم، ودم الحيض حاصل من جهة اللحم من غير ألم يلحق بخروجه في غالب الأحوال.
وقولنا: وما في حكمه نحترز عن الصفرة والكدرة وعن النقاء المتوسط بين الدمين، فإن هذه الأمور كلها معدودة في الحيض كما سنوضحه فيما بعد بمشيئة اللّه تعالى.
وقولنا: في زمان الإمكان، نحترز به عما يحصل في زمان الصغر والكبر الخارجين عن حدِّ المعتاد فإنه لا يعد من الحيض، ومن أصحابنا من جعل في تتمة الحد: جعل دلالة على أحكام وعلة في أحكام. وهذا لا حاجة إليه لأن الحد قد تم بما ذكرناه فلا حاجة إلى الزيادة بهذه الأمور لأن المعنى مفهوم من دونها كما أشرنا إليه، والتفرقة بين ما يكون دلالة على الحكم وعلة فيه هو أن من حق العلة أن تكون مناسبة للحكم وملائمة له، وهذا نحو تحريم الوطئ وتحريم قراءة القرآن وتحريم دخول المسجد ونحو تحريم الصلاة والطواف إلى غير ذلك، فالحيض جعلناه علة في هذه الأحكام لما كان مناسبًا لها وملائمًا، فلما كان أذىً كان مانعًا من هذه الأمور، فأما ما جعلناه دلالة على الحكم فلا يحتاج فيه إلى المناسبة والملائمة بحال وهذا نحو جعل الحيض أمارة للبلوغ وعلامة لإنقضاء العدة فلا يحتاج في هذا إلى مناسبة وإنما هو أمارة ودلالة وعلامة، فافترقا بما أشرنا إليه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: قال الإمامان الهادي والناصر ×: الحيض هو الدم الخالص الذي تراه المرأة فتصير بالغة عند ابتدائه بها وتعتاده النساء الوقت بعدى الوقت.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً} [البقرة:222] . وقوله: (( إذا أقبلت الحيضة فأمسكي وإذا أدبرت فاغتسلي ) ) ( [1] ) .
والإجماع منعقد على ما ذكرناه. ودم الحيض أسود محتدم ( [2] )
بحراني ذو دفقات له رائحة خبيثة تعرف. والمحتدم: بحاء مهملة ودال منقوطة من أسفلها، هو اللذاع للبشرة لحدته وله الرائحة الكريهة. والبحراني: بباء بنقطة من أسفلها وحاء مهملة، هو الناصع في سواده وفيه ثخن وغلظ، والاعتبار في كونه حيضًا بالسواد دون سائر صفاته من الإحتدام والرائحة.
وهل يكون التعويل في علامة الحيض على السواد أو على الوقت؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التعويل على اللون دون الوقت وهذا هو المحكي عن الناصر في الكبير ( [3] ) ورواية عن مالك وهو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ"} [البقرة:222] ."
ويعني بكونه أذى: ما كان جامعًا لتلك الأوصاف التي ذكرناها، ولم يذكر الوقت.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى"وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} [الرعد:8] . فخص معرفته بنفسه ولو كان بالوقت والعدد لعرفناه فلما وكله إلى نفسه دل ذلك إلى ما قلناه من تعلقه بالدم وأوصافه لا غير."
المذهب الثاني: أن التعويل في التمييز [هو] على الوقت والعدد دون لون الدم وصفته، وهذا هو قول الهادي والقاسم وأحد قولي الناصر ذكره في الألفاظ ( [4] ) ومحكي عن زيد بن علي وأبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال لحمنة" ( [5] ) : (( تحيضي في علم اللّه تعالى ستًا أو سبعًا"كما تحيض النساء في كل شهر ) ) ( [6] ) وفي حديث أنس بن مالك عن النبي أنه قال: (( الحيض ثلاث أربع خمس ست"سبع ثمان تسع عشر وما زاد فهو استحاضة ) ) ( [7] ) ."
والمختار: أن الحيض متميز باللون والوقت جميعًا والعدد، وأن الأدلة الشرعية مشيرة في تمييزه إلى ما ذكرناه من هذه الأمور الثلاثة.
والحجة على ما قلناه من تميزه باللون: ما روي عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها استحيضت فسألت الرسول فقال لها: (( إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة"وإذا كان أحمر فتوضائي وصلي فإنه دم عرق ) )وقوله: (( دعي الصلاة أيام أقرائك") ) ( [8] ) وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222] . وقال اللّه تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ"} [البقرة:228] . فجميع الآي القرآنية والأخبار النبوية كلها دالة على ما ذكرناه من [اعتبار] اللون والوقت والعدد وأن الحيض متميز بما ذكرناه، وهذه طريقة مرضية أعني: الجمع بين الأدلة الشرعية والعمل بها أجمع فما كان دالًا على اللون من الأحاديث عملنا به وما كان يدل على العدد والوقت من الأحاديث وجب العمل عليه ولا معنى لتمييز الحيض بواحد من هذه الأمور الثلاثة دون سائرها."
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما من زعم أنه متميز باللون [وحده] فلا وجه [له] ، كما حكي عن الناصر ومن وافقه.
قلنا: الآية دالة على مطلق الأذى ولم يذكر لونًا، والأحاديث دالة على اللون والوقت والعدد.
وما حكي عن الهادي والقاسم أنه لا اعتماد على اللون فإنما يريدان أنه لا يعتد به وحده وإنما يقع التمييز بما ذكرناه من الأمور الثلاثة ولهذا فإن الوقت إذا بطل كأن يكون في وقت الإمتناع بطل كونه حيضًا، وإن بطل العدد كأن ينقطع في يوم واحد بطل كونه حيضًا، وهكذا فإنه لو بطل اللون في أول الحيض بطل كونه حيضًا، فحصل من مجموع ما ذكرناه: أنه لابد مما أشرنا إليه من اعتبار الوقت والعدد واللون في كونه حيضًا شرعيًا.
نعم إذا وقعت الاستحاضة واتصل الدم وعبر على العشر فإنه يجب مراعاة صفة الدم في المبتدأة، وذات العادة فإن كان أسود في عشر المبتدأة فكله حيض، وإن كان أسود في الزائد على العادة في ذات العادة فكله حيض، فأما دم الاستحاضة فإنه رقيق أحمر مشرق له رائحة الدم لا غير بخلاف دم الحيض كما أوضحنا أوصافه، وعلى هذا يكون التميز بين الدمين يظهر عند الاستحاضة، ويؤيد ما ذكرناه من اعتبار حال الدم الأسود في الاستحاضة أنها كما ترجع عادة النساء في المبتدأة فهكذا ترجع إلى عاداتها في ذات العادة والباقي يكون استحاضة، فهكذا يرجع قبل عادة النساء وقبل عادتها إلى حال الدم في سواده فيكون حيضًا وإلى إشراقه فيكون دم استحاضة، كما أشار إليه صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه حيث قال: (( إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة"فإذا كان أحمر فتوضائي وصلي فإنه دم عرق ) ). وهذا هو رأي الشافعي في أحد قوليه قد اخترناه وأوضحناه بالدلالة كما مر بيانه."
الفرع الثاني: في حكم الصفرة والحمرة والكدرة والغبرة.
اعلم أن هذه الأمور من جملة الأذى وقد قال تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ"} [البقرة:222] . ولا خلاف بين علماء الأمة أن الأذى الحاصل في رحم المرأة كالبول والمني والودي والمذي والمصل والمدة والقيح ليست حيضًا ولا تتعلق بها أحكام الحيض، وإنما الخلاف في الصفرة والكدرة والغبرة، ولا خلاف أيضًا في أن هذه الأمور لا تكون حيضًا إذا كانت حاصلة في أيام الإمتناع وإنما الخلاف إذا حصلت في أيام الإمكان وفيها مذهبان:"
المذهب الأول: القائلون بالتعميم، وهو إذا حصلت في أيام الإمكان فهي حيض سواء حصلت في المبتدأة وفي ذات العادة أو كانت حاصلة في أول الحيض أو في آخره أو بين الدفقات، وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي والهادي ورأي الإمامين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب ومحكي عن أبي حنيفة ومحمد ومالك والليث وعبدالله بن الحسن.
والحجة على ذلك، قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ"} [البقرة: 222] . ولم يفصل في الآية بين أذى وأذى وهذه الأمور كلها من جملة الأذى."
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ"} [البقرة: 222] وظاهر الآية دال على تحريم القرب إلا بعد الطهارة من كل ما يتعلق بالأذى، وهذه الأمور من جملة الأذى."
الحجة الثالثة: قوله لحمنة بنت جحش لما استفتته: (( إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي" ) )فدل كلامه هذا على أن حكم الحيض لا يرتفع بيقين ما دامت ترى شيئًا من هذه الأمور."
المذهب الثاني: القائلون بالتفصيل ولهم أقوال أربعة:
فالقول الأول: محكي عن القاسم وعنه روايتان:
الرواية الأولى: ما حكاه عنه ولده الهادي، ورواية: محمد بن منصور عنه في كتاب الطهارة أنهما ( [9] )
في أيام الإمكان حيض بكل حال وفي أيام الإمتناع ليسا حيضًا ( [10] )
وهو رأي الهادي وغيره.
والحجة فيه: ما حكيناه حجة للهادي فلا فائدة في تكريره.
الرواية الثانية: أنه قال إن المرأة لا تترك الصلاة إذا رأت الصفرة والكدرة ابتداء وتغتسل إذا رأت الدم الأسود وإن بقيت الصفرة فظاهر هذه الرواية أنهما لا تكونان حيضًا إذا توسط بينهما الدم الأسود.
والحجة على هذه الرواية: ما روي عن الرسول أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: (( إذا رأيتي الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة"فإذا كان أحمر فتوضائي وصلي فإنه دم عرق ) ). فاعتباره دم الحيض بأنه أسود دال على أنهما ليسا من الحيض."
والحجة الثانية: ما روي عن أم عطية الأنصارية أنها قالت: ما كنا نعد الصفرة والكدرة بعد الحيض شيئًا ( [11] ) . ومثل هذا القول لا يصدر إلا عن توقيف من صاحب الشريعة إذ لا مدخل للإجتهاد فيه.
القول الثاني:محكي عن الناصر وعنه روايتان:
الرواية الأولى: ما قاله في (الكبير) وحصله الشيخ أبو جعفر لمذهبه أنهما إذا كانا في أيام الإمكان فهما حيض بعد الدم وقبله، وإذا كانا في أيام الإمتناع فليسا حيضًا مثل ما حكيناه عن الهادي.
والحجة على هذه الرواية: ما حكيناه حجة للهادي فلا نعيده.
الرواية الثانية: أنهما إذا حصلا قبل مجيء الدم الأسود فليسا حيضًا، وإن كانا بعده فهما حيض إلى العشر فإن زاد فهما استحاضة.
والحجة على هذه الرواية: ما حكيناه عن فاطمة بنت أبي حبيش من أن دم الحيض أسود يخالف دم الاستحاضة فإذا حصلا قبل السواد فليسا من آثاره وإذا حصلا بعد السواد فهما من جملة آثاره فلا جرم حصلت التفرقة بين الحالين.
القول الثالث: محكي عن الشافعي وعنه روايتان:
الرواية الأولى: أنهما حيض في الأزمنة الممكنة وليسا حيضًا في الأزمنة المستحيلة مثل ما حكيناه عن الهادي.
والحجة له: ما حكيناه حجة للهادي من دون فرق.
الرواية الثانية:أنهما إذا حصلتا قبل مجيء الدم الأسود فليستا حيضًا وإن كانتا بعده فهما حيض.
والحجة له على هذه الرواية: هو أن الاعتبار عنده بصفة الدم وهو السواد فما ليس بسواد فلا يكونان حيضًا خلا أنهما إذا وقعتا بعده فهما من آثاره.
القول الرابع: محكي عن أبي يوسف وقد قال: ما كان منهما قبل الدم فحكمه حكم الطهر فلا يكون حيضًا وما كان منهما بعد الدم فهو حيض، ولم يعتبر ما اعتبره القاسم في الرواية الثانية من توسط الدم بينهما في أنهما لا يكونان حيضًا.
والحجة له على ذلك: هو أن التعويل في دم الحيض على صفته وسواده كما أشار الرسول في حديث بنت أبي حبيش فإذا تقدمه الطهر فليستا حيضًا لأنهما لاحقتان به وإن تأخرتا بعد الحيض فهما لاحقتان به في كونهما حيضًا. فهذه جملة الأقاويل في الكدرة والصفرة قد فصلناها كما ترى.
والمختار منها: ما قاله الإمامان زيد بن علي والهادي واختاره الإمامان الأخوان، وهو قول الأكثر من علماء الأمة.
وحجتهم: ما أشرنا إليه ونزيد هاهنا حججا ثلاثًا:
الحجة الأولى: قوله لعائشة: (( لا تصلي حتى تري القَصَّة البيضاء" ) ) ( [12] ) والقصة فيها روايتان:"
الرواية الأولى: بالقاف والصاد المهملة ولها معنيان:
أحدهما: أنه يريد بها الخرقة من القطن تستدخلها المرأة في رحمها فإذا رأتها نقية من الكدرة والصفرة فقد حصل الطهر فوجب الاغتسال.
والثاني: أنه يريد بالقصة ترابًا شديد البياض يُستخرج من معادنه وأراد أنها لا تغتسل حتى ترى النقاء مثل القصة في البياض، وكلا المعنيين لا غبار عليه وهما جميعًا يفيدان تنقية الرحم من الحيض والمبالغة في ذلك.
الرواية الثانية:بالفاء والضاد بنقطة من أعلاها، والغرض أنها لا تغتسل حتى ترى النقاء مثل بياض الفضة في الصفاء والتنقية.
الحجة الثانية: ما روي عن عائشة قالت: كنا نعد الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيضًا ( [13] ) وظاهر هذا التوقيف من صاحب الشريعة؛ لأن الطهارات وسائر المقادير لا مدخل للإجتهاد فيها.
الحجة الثالثة: هو أن ما هذا حاله من الصفرة والكدرة أذى يرخيه الرحم في زمان الحيض فلا جرم عددناه من جملة الحيض كالدم الأسود، أو نقول: صفرة أو كدرة خارجة من الرحم في أوقات الحيض فوجب الحكم عليهما بكونهما حيضًا كالصفرة والكدرة بين دفقات الدم، أو نقول: إن الأصل في الكدرة والصفرة أنهما دمان خالصان لكن شابهما شائب غَيَّرَ لونهما، فحصول الشوب فيهما لا يخرجهما عن كونهما حيضًا، فحصل بما حققناه أنهما حيض في أزمنة الحيض.
فأما ما حكي عن أبي العباس من التلفيق والجمع بين مذهب الهادي والقاسم وبجعل قولهما واحدًا، وزعم أن مراد الهادي بأن الصفرة والكدرة حيض إذا كانتا بين دفقات الدم ليكون موافقًا لكلام القاسم، وهذا فيه تعد من ثلاثة أوجه:
أولها: أن الهادي صرح بكونهما حيضًا إذا حصلتا في أزمنة الإمكان ولم يفصل بين حالة وحالة ولا بوقت دون وقت، والقاسم إنما قال بكونهما حيضًا إذا كانتا بين دفقات الدم في أحدى الروايتين وهاذان القولان لا يمكن الجمع بينهما لما فيهما من البعد والتفاوت.
وثانيها: أن كل واحد من الإمامين قد حاز منصب الاجتهاد وأحرز علومه فكل ما أفتى به وذهب إليه فهو حق وصواب فلا معنى لجمع القولين قولًا واحدًا، فأقاويل المجتهدين ومذاهبهم في المسائل الفقهية لاخطأ فيها فلا معنى للتلفيق حذرًا من الخطأ إذ لا خطأ، وأظن أن ما حمله على ذلك هو أن مذهبه أن المسائل الاجتهادية فيها حق معين وليس الأمر كما زعم وإنما هي صواب كلها وقد قررناه في الكتب الأصولية.
وثالثها: أنهما مختلفان في غير هذه المسائل الاجتهادية، فإذا كان لا تلفيق هناك فهكذا لا حاجة إلى التلفيق هاهنا.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. فأما ما احتج به الناصر من حديث بنت أبي حبيش في التفرقة بين حصولهما قبل الدم الأسود فلا يكونان حيضًا وبعده يكونان حيضًا، فعنه جوابان:
أما أولًا: فلأن التفرقة التي ذكروها بين الدم الأسود وبعده تحكم لا مستند له من جهة الشرع.
وأما ثانيًا: فلأن حاله بعد الدم كحاله قبله، فإذا كان حيضًا قبله فهكذا يكون حيضًا بعده.
وأما ما حكي عن القاسم من أن المرأة لا تترك الصلاة إذا رأت الصفرة والكدرة وتغتسل إذا انقطع الدم الأسود وإن بقيت الصفرة لما روي من حديث بنت أبي حبيش، فعنه جوابان:
أما أولًا: فلأن الخبر محمول على الدم الذي عبر على العشر فإنه إذا كان مجاوزًا للعشر فهو استحاضة.
وأما ثانيًا: فإنه معارض بما ذكرناه من الأدلة من الآي والأخبار فإنها دالة على كونهما حيضًا.
وأما ما حكيناه عن الشافعي في الرواية الثانية من أن التعويل على صفة الدم في الحيض فإذا وقعت قبله لم تعد من الحيض وإذا وقعت بعده فهي حيض فالجواب عنه مثل ما أوردناه على كلام الناصر من غير فرق بينهما وبمثل هذا يبطل ما حكيناه عن أبي يوسف فقد حصل تقرير الإختيار بما أوردناه من الأدلة الشرعية وبما أوردناه من الإعتراضات على ما يخالفه والحمد لله.
الفرع الثالث: الدم الذي تراه الحبلى هل يكون حيضًا أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما لا يجتمعان ( [14] ) وهذا هو المحكي عن زيد بن علي وهو رأي الهادي والناصر وأحمد بن عيسى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وعبدالله بن الحسن ( [15] ) .
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ"} [الطلاق:4] . فجعل عدتها بالوضع فلو كانت من ذوات الأقراء لكانت عدتها منقضية بها لا بالوضع كالحامل ( [16] ) ."
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال في سبايا أوطاس ( [17] ) : (( ألا لا توطأ حامل حتى تضع"ولا حائل حتى تُستبرأ بحيضة ) ) ( [18] ) فجعل الحيض علامة لبراءة الرحم من الحبل. فلو كان يجامعه الحبل لكان لا يجوز أن يجعل وجوده علمًا لانتفاء الحبل."
الحجة الثالثة: ما روي عن علي % أنه قال: رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقًا للولد ( [19] ) .
الحجة الرابعة: روي عن عائشة أنها قالت: الحامل لا تحيض ( [20] ) . وما هذا حاله فإنه لا يجوز صدوره من جهة الصحابي إلاَّ عن توقيف من جهة الرسول لأن هذه أمور غيبية لا يمكن علمها إلا من جهة الوحي لأنه لا مدخل للاجتهاد فيها.
المذهب الثاني: جواز اجتماعهما وهذا هو الأصح من قولي الشافعي، وله قول آخر مثل قولنا، ومحكي عن مالك والليث.
والحجة على ما قالوه: ما روي عن الرسول أنه قال لبنت أبي حبيش: (( إذا كان دم الحيض أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة"وإن كان الأحمر فاغتسلي وصلي ) ). ولم يفصل بين أن تكون حاملًا أو حائلًا."
الحجة الثانية: ما روي عن عائشة أنها قالت: رأيت رسول اللّه يخصف نعله وأسارير وجهه تبرق فقلت يا رسول اللّه أنت أحق بما قاله أبو كبير الهذلي ( [21] ) ":"
ومبرأ من كل غبر حيضة
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه
وفساد مرضعة وداء معيل
برقت كبرق العارض المتهلل
فقال ÷: (( وأنت مبرأة من أن تكون أمك حملت بك في غبر الحيض" ) )والغبر بغين بنقطة من أعلاها وباء بنقطة من أسفلها مضاعفة، هي البقايا."
الحجة الثالثة: قالوا: وإذا ثبت أن المرأة تحمل على الحيض ثبت أنها تحيض على الحمل.
والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والناصر والمؤيد بالله ومن وافقهم من علماء الأمة.
والحجة عليه: ما قررناه ونزيد هاهنا أدلة:
الحجة الأولى: ما روي عن الرسول أنه قال لابن عمر لما أراد أن يطلق امرأته للسنة: (( طلقها طاهرًا أو حاملًا" ) ) ( [22] ) . فجعل الحمل وقتًا لإيقاع الطلاق للسنة فلو كانت ممن تحيض لم تكن مدة الحمل كمدة الطهر وفي هذا دلالة على أنهما لا يجتمعان."
الحجة الثانية: هو أن الزوج لو طلقها وهي حامل جاز له أن يطلقها عقيب الوطئ فلو كانت ممن تحيض لوجب أن يفصل بين وطئها وطلاقها بحيضة كالحائل التي لا حمل معها.
الحجة الثالثة: لو كانت ممن تحيض لوجب انقطاع عدتها بالأقراء كالحائل فلما اتفقنا على أن انقضاء عدتها بالوضع ثبت أنها لا تحيض أصلًا، ويؤيد ما ذكرناه من هذه الأدلة أنها تعتد من الطلاق بغير الحيض وهو الوضع، فوجب أن لا مساغ للحيض فيها كالآيسة ولأن المعهود في مطرد العادة أنها لا تحيض وأن الدم منقطع عنها في أغلب أحوالها مع السلامة فوجب الحكم بأنها لا تحيض في تلك الحالة كالصغيرة والكبيرة ولأن المعهود من عادات النساء في أغلب أحوالهن أن ذات العادة إذا تأخر حيضها عن وجوده وحصوله يومين أو ثلاثًا فإنه يغلب على ظنها وقوع الحمل بتأخر الحيض عنها، فلو كان الحيض جائزًا وقوعه لم تكن هذه أمارة قوية بحصول الحمل في بطنها.
الانتصار لما قلناه: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: حديث بنت أبي حبيش يدل على ما قلناه.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولًا: فلأنه إنما أورده تعريفًا للمستحاضة الحائل في التفرقة بين الدمين لأجل الصلاة ولم يخطر بباله الحبلى عند صدور هذا الكلام.
وأما ثانيًا: فلأنا نحمله على الحائل ليطابق ما ذكرناه من الأدلة السابقة.
قالوا: حديث عائشة دال على جواز الحمل في غُبَّر الحيض وهي البقايا وفيه دلالة على ما قلناه من اجتماعهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن المراد بالغُبَّر: الآثار بعد إنقضاء الحيض وانقطاعه لأن الغالب العلوق بعد تقضي الحيض وانقطاعه بخلو الرحم وفراغها، ويؤيد ما ذكرناه ما قاله تعليمًا لمن طهرت من الحيض: (( خذي فرصة من مسك فاستدخليها وتتبعي بها آثار الدم
)) ( [23] ) . وفي هذا دلالة على أن الآثار تكون بعد إنقضاء الحيض وانصرامه.
وأما ثانيًا: فلأنا نحمله على المستحاضة التي تقضى حيضها واتصل الدم فكان استحاضة ووطأها زوجها فحملت على أثر الحيض، فأين هذا عما ذكروه من اجتماع الحيض والحبل؟ وإنما حملناه على ذلك توفقة بين الأدلة حذرًا من تناقضها.
قالوا: إذا ثبت أن المرأة تحمل على الحيض ثبت أنها تحيض على الحمل.
قلنا: عما أوردوه جوابان:
أما أولًا: فلأن هذه مجازفة وقياس من أمر جامع بينهما وما هذا حاله فلا يكون طريقًا إلى تحصيل الأحكام الشرعية ولا مثمرًا لثبوتها، وهل هذا إلا بمنزلة من يقول: إذا ثبت في حق الصغيرة أنها تبول ثبت أنها تحيض، فكما ان مثل هذا لا يعول عليه في الأقيسة فهكذا ما قالوه، ولولا أن صاحب (البيان) احتج به لما أوردناه لضعفه تنزيهًا لكتابنا هذا عن إيراد الأقيسة الركيكة.
وأما ثانيًا: فلأن التفرقة بينهما حاصلة، فلأنه إنما جاز حمل الحائض لخلو الرحم عن الحوائل وتطهيرها عن جميع الشواغل التي تمنع وقوع النطفة في قرارها التي استأثر اللّه بعلمها ولهذا فإن عدم الحيض قد جعله اللّه تعالى مظنة لحصول العلوق بالولد كما ذكرناه بخلاف الحامل فإنها قد صارت رحمها مشغولة بالولد فلا وجه لاتصال الحيض بها فبطل ما توهموه.
الفرع الرابع: دم الحيض ينقطع لأجل الإياس لا خلاف فيه لقوله تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكّسْهُ فِي الْخَلْقِ } [يس:68] . فإذا كانت في حال صغرها حيضها منقطع فهكذا ينقطع حيضها في حال كبرها تصديقًا للآية في نكس الخلقة بالكبر والشيخوخة في كل الأحوال ولأنها بالكبر والشيخوخة تبطل الرطوبات وينحل الجسم وتذهب الماوية وذلك يكون سببًا لانقطاع الحيض. ولكن التردد والخلاف في وقته، وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن حد الإياس: بلوغ المرأة ستين سنة وهذا هو رأي القاسمية نص عليه في (الأحكام) ، واختيار السيدين الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب، ولم يحك عن الناصر في حال الإياس شيء.
والحجة على ذلك: هو أن من العلماء من لم يقدره بتقدير، ومنهم من قدره فبعضهم قال هو خمسون سنة وبعضهم خمس وخمسون، ولم يحك عن أحد الزيادة على الستين فأخذنا بأكثر ما قيل لأنه قد روي أن كثيرًا من النساء حضن بعد خمسين سنة ولم يعلم في الغالب من العادة أن واحدة منهن حاضت فوق الستين، فلهذا قضينا بأن الستين أصدق المقادير.
المذهب الثاني: أن حد الإياس خمسون سنة وهو المحكي عن زيد بن علي، وهو محكي عن محمد من أصحاب أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أن هذه التقديرات لا مجال للإجتهاد فيها وإنما هو على حسب الإعتياد من حال النساء وقد اطردت العادة على هذا القدر من غير زيادة فلهذا وجب التعويل عليه والله اعلم.
المذهب الثالث: أن حد الإياس: خمس وخمسون وهذا هو رأي الحنفية غير محمد.
والحجة لهم على هذا: أن هذا هو الأغلب من عادة النساء خاصة الروميات فإنهن أرق طبعًا، فذكروا أنهن لا يزدن على هذا القدر وأن المرأة لا تزيد على الخمسين إلا أن تكون قرشية لصلابة أبدانهن وشدة لحومهن.
المذهب الرابع: أنه لا تقدير في حد الإياس وإنما يرجع به إلى عادة النساء وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة له: أن هذه المقدرات لا يجري فيها شيء من الأقيسة لانسداد مسالك القياس فيها، وإنما يرجع فيها إلى ما كان من جهة اللّه تعالى ومن جهة رسوله، فإذا لم يكن من اللّه فيها شيء ولا من جهة الرسول فالمرجوع فيها إلى عادة النساء لأن هذا أمر يختص النساء ويعرف من جهتهن فلهذا كان التعويل فيه على عادتهن في القلة والكثرة لأنهن به أخص وبه أعرف.
والمختار: ما قاله الهادي في الأحكام.
والحجة لهم: ما أسلفناه ونزيد هاهنا وهو أن الإجماع منعقد على المنع من الزيادة على ما قلناه فالأخذ بالأكثر هو الأولى والأحوط ولأنه لا مانع منه إلا بدلالة شرعية ولا دلالة هناك، ويؤيد هذا أنهم اختلفوا في مقدار الجذعة فقال بعضهم: ما تمت لها ستة أشهر، وعن بعضهم: ثمانية، وقال بعضهم: أكثر الحول. وقلنا: ما تمت لها سنة لأنه متفق بهذا القدر على كونها جذعة وفيما دونها الخلاف فأخذنا بما اتفقوا عليه، وهكذا هاهنا فإنهم اتفقوا على أن حد الإياس الستون واختلفوا فيما دونه، وكما قلنا إن أكثر الحمل أربع سنين وفيما دونها وقع الخلاف فالأخذ بالأكثر يكون إجماعًا على أن لا زيادة على ذلك المقدار بحال.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
اعلم أن الحاجة ماسة إلى تقدير حد الإياس في المطلَّقة حتى تنتقل إلى العدة بالأشهر بعد أن كانت معتدة بالأقراء ليصح حلها للأزواج، فأما من زعم تقديرها بالخمسين والخمسة والخمسين فهو تحكم لا مستند له من جهة الكتاب ولا من جهة السنة وقد أوضحنا أن هذه المقدرات لا مدخل للإجتهاد فيها وإنما حكمنا لها بالستين من جهة أن الإجماع منعقد على عدم الزيادة عليها، وفائدة تقديرها بالستين هو انتقالها من عدة الأقراء إلى عدة الأشهر كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ"إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق:4] . فصارت عدة الآيسات لصغر أو كبر ثلاثة أشهر بالنص."
نعم لو اعتدت بالأشهر للإياس ثم حاضت قبل انقضائها فإنها تنتقل إلى الإعتداد بالحيض كما سنوضحه بمشيئة اللّه تعالى، فأما من زعم الرجوع في ذلك إلى عادة النساء كما هو محكي عن الشافعي فهو ردٌّ إلى عماية؛ لأنه لا عادة هناك فيردها إليها، ولأن العادة إنما تستقر بدليل شرعي ولا دلالة هناك ثم لو قدرنا أن هناك دلالة شرعية على تقدير العادة فقد علمت بالشرع فلا حاجة إلى تحكيم العادة مع الدلالة الشرعية.
الفرع الخامس: الدم إذا عبر على العشر، فهل تكون التفرقة بين الحيض والاستحاضة هي الرجوع إلى صفة الدم في السواد والحمرة أو يكون التعويل على الرجوع إلى عادتها في ذات العادة وإلى عادة نسائها في المبتدأة؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التعويل إنما هو إلى الرجوع إلى العادة، وهذا هو رأي الهادي والقاسم والمؤيد بالله ومن وافقهم فإن عندهم أنه لا تعريج في التفرقة على صفة الدم.
والحجة على ذلك: هو قوله: (( دعي الصلاة أيام أقرائك" ) ). وقوله: (( تحيضي في علم اللّه كما تحيض النساء") )ولم يذكر صفة الدم.
المذهب الثاني: أن الاعتبار في ذلك بصفة الدم، وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: (( إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة"وإذا رأيت الأحمر فتوضئي وصلي فإنما هو دم عرق ) )."
والمختار: ما ذكره الإمام الناصر ورآه الشافعي، والحجة له: ما رويناه من خبر بنت أبي حبيش فإنه نص في الرجوع في الميز إلى صفة الدم.
نزيد هاهنا وهو أن الدم إذا كان أسود فهو أمارة قوية في كونه حيضًا وإن تغير عن صفة السواد فهو أمارة قوية في كونه استحاضة ولأنه أخص وأقوى من الرجوع إلى عادتها في ذات العادة وعادة نسائها في المبتدأة، ومن جهة أن التعويل في الحيض والاستحاضة إنما هو على الأمارات.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( اعتدي بالأقراء" ) )وقوله: (( دعي الصلاة أيام أقرائك") ).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن المراد بالخبرين: اعتدي بالدم الحاصل في الأقراء ويكون على حذف مضاف كأنه قال: بدم الأقراء كما قال تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ"} [يوسف:82] . أي أهلها، وحذف المضاف إليه كثير في كلام اللّه تعالى وكلام رسوله ."
وأما ثانيًا: فلأنا نحمله على أن المراد: اعتدي بالدم الذي يكون مقدرًا بالأقراء، وإذا كان الأمر كما قلناه لم تكن فيما أوردوه حجة على عدم الاعتبار بصفة الدم. فهذه الفروع الخمسة نشأت عن ماهية الحيض أثرناها وحركناها، وكما ذكرنا ما هيته فلنذكر على أثره أحكام الحيض.
( [1] ) هذا الحديث روي من عدة طرق منها عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت لرسول الله: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله: (( إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ) )وفي رواية صفوان: (( فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ) )أخرجه البخاري ومسلم، وأخرج الأولى الموطأ وأبو داؤد والترمذي والنسائي، وفي (الجواهر) : كما جاء في (الشفاء) بلفظ: (( إذا رأيتي الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة، وإذ كان الآخر فتوضئي وصلي فإنه دم عرق ) )اه 1/134، وهذا الحديث أشهر حديث في الحيض والاستحاضة، وهو مروي من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة.
( [2] ) جاء في حاشية الأصل: احتدم الدم اشتدت حمرته حتى يسود، من: احتدمت النار إذا التهبت، والبحر (في بحراني) عمق الرحم ومنه قيل للدم الخالص الحمرة باحر وبحراني، والبحراني الشديد الحمرة، نسب إلى البحر لصفاء لونه بخلاف دم الفساد، وقيل: لأنه يخرج من قعر الرحم كما يخرج الماء من قعر البحر، حكاه البندنجي، وقيل: لأنه يخرج بسعة يتدفق كما البحر، قاله الأسنوي. اه.
( [3] ) كتاب للناصر.
( [4] ) كتاب (ألفاظ الناصر) .
( [5] ) حمنة بنت جحش الأسدية، أخت زوج النبي، كانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم احد، فخلف عليها طلحة بن عبيد الله، وهي التي كانت تستحاض في أغلب الروايات.
قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) 12/440: وأما الواقدي فزعم أن المستحاضة أم حبيبة بنت جحش أخت حمنة.
( [6] ) أخرجه أبو داؤد في حديث طويل عن حمنة بنت جحش أنها كانت تستحاض حيضة شديدة فمنعتها من الصلاة والصوم، فشكت حالها إلى رسول الله فقال: (( أبعث لك الكرسف فإنه يذهب الدم ) )قالت: هو أكثر من ذلك قال: (( فاتخذي ثوبًا ) )قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًا، فقال: (( سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك، وإن قويت عليهما فأنت أعلم ) )قال لها: (( إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء ) )إلى آخر الحديث كما ورد في (جواهر الأخبار-هامش البحر) 1/130.
( [7] ) جاء الحديث في (جواهر الأخبار) أنه من كلام أنس وليس من كلام النبي كما نقله عن (الشفاء) بأن أنسًا لم يقل ذلك إلا توقيفًا؛ لأنه ليس بمجتهد إلى آخر ما ذكره، ولم يرفع الحديث إلى النبي كما في الكتاب (الشفاء) وفي (الانتصار) اه. 1/130.
( [8] ) هذا من حديث فاطمة بنت أبي حبيش وقد تقدم.
( [9] ) الصفرة والكدرة.
( [10] ) الأحكام 1/76.
( [11] ) أخرجه أبو داؤد والنسائي.
( [12] ) في (الجواهر) ما جاء في (الجامع الكافي) عن مولاة عائشة واسمها مرجانة قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك: الطهر من الحيضة، أخرجه الموطأ، وأخرجه البخاري، والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، هي الجص بكسر الجيم لا يجوز فيها غير ذلك، اه. 1/132.
( [13] ) حكي في (الشافي) عن عائشة بلفظه: قال في (الجواهر) : ولفظه في (التلخيص) كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا، ثم قال النووي في شرح المهذب: ولا أعلم من رواه بهذا اللفظ. اه 1/132.
( [14] ) الحيض والحبل.
( [15] ) العنبري.
( [16] ) كلمة (كالحامل) هنا ليس لها داع لأنها حامل، وهي موضوع البحث.
( [17] ) أوطاس: وادٍ في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين للنبي ببني هوازن، اه ملخصًا من (معجم البلدان) للحموي. 1/281.
( [18] ) أخرج نحوه النسائي عن أبي سعيد، وأورده في (الاعتصام) عن أمالي أحمد بن عيسى بسنده عن أبي سعيد في أن قوله تعالى: {وَالْمُحصَناتُ مِنْ النِّسَاء} نزلت في سبايا أوطاس، وأورده في (الروض) بلفظ قوله في سبايا أوطاس: (( ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة ) ). اه1/518.
( [19] ) أورده في (الروض) بلفظه: وقال: أخرجه أبو العباس الحسني بإسناده إلى أمير المؤمنين موقوفًا. اه 1/518.
( [20] ) جاء في سنن الدارقطني 1/219 وفي الميزان 6/223 والكامل 6/185 والأوسط2/239.
( [21] ) أبو كبير هو عامر بن الحليس، قال في الأعلام (ج3ص250) : شاعر فحل من شعراء الحماسة، قيل أدرك الإسلام وأسلم، وله خبر مع النبي ، له ديوان شعر مطبوع...إلخ.
( [22] ) جاء نحوه عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر ذلك للنبي، فقال: (( مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم تعتد بتطليقة ولا تعتد بحيضة ) )) وهو مروي بعدة طرق وألفاظ.
( [23] ) تقدم في الغسل.