وهو مشتمل على مسائل خمس:
المسألة الأولى: في لفظ الطهارة
وهي مصدر من قولهم: طَهَر الشيء يَطهر، نحو كَتَب يكتب، وطَهُرَ يَطْهُر، نحو شَرُفَ يَشْرُف، طهارة.
والاسم: الطهر، وطهرت الشيء تطهيرًا، وتطهرت بالماء تطهرًا.
ومعناها: التنزه من الأدناس.
قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقيَّة
وأوجههم بيض المسافر غران ( [1] )
وطهارى: جمع طاهر، على غير قياس كأنه جمع لطهران، نحو كسلان وكسالى، وحيران وحيارى ( [2] ) ، والمَسَافِرِ: جمع مسفر، وهو ما ظهر من الوجه.
والتفرقة بين المصدر والاسم، هو أنك إذا قلت: طهارة، فإنها مشعرة بالفعل، كأنك قلت: طهر الشيء طهارة، بخلاف قولك: الطهر، فإنه غير دال على الفعل ولا مشعر به، فهو في إطلاقه كإطلاق الرجل في عدم إشعاره بالفعل ودلالته عليه، فهذه هي التفرقة بين المصدر والاسم إذا أطلقه الفقهاء وأهل اللغة، وتحتها أسرار وفوائد لا يخفى حالها على الأذكياء.
والطاهر في اللغة: هو الجاري على نعت الاشتقاق من غير أن يكون فيه مبالغة كالضارب، فإنه الفاعل للضرب من غير مبالغة.
والطهور هو الجاري على جهة الاشتقاق مع اختصاصه بالمبالغة، كضروب وضحوك، فهو في إفادة ما ذكرنا من المبالغة كفَعَّال، نحو ضَرَّاب وقتال.
فالطاهر ما كان مختصًا بالطهارة في نفسه لا غير.
والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره.
فالطاهر: وصف لا زم غير متعد إلى غيره.
والطهور يتعدى إلى غيره، وهو أنه مطهر لغيره، ونعني بتعديته أمرين:
أحدهما: من طريق التأثير، وهو أنه مؤثر في غيره التطهيرَ، كما أن الضارب، مؤثر في غيره الضرب والقاتل مؤثر في غيره القتل، فتأثيره حاصل في جهة الغير كما ذكرناه.
وثانيهما: من جهة اللفظ، وهو أنه متعد إلى مفعول بحرف جر، كقولك: مررت بزيد، بخلاف قولنا: طاهر فإنه لا يفيد واحدًا من هذين الوجهين فلهذا كان لازمًا، فهذا هو مراد الفقهاء بقولهم: إن الطاهر لازم، والطهور مُتَعَدٍ. وهل يفترقان من جهة الحكم أم لا؟ فيهما مذهبان:
أحدهما: أنه لا تفرقة بينهما، وعن هذا قالوا: إن كل شيء من المائعات كان طاهرا فإنه يجوز التطهر به للجنب والنجس، دون الحدث ( [3] ) كالخل واللبن وغيرهما، وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة وأصحابه وأبي بكر بن داود الأصم \s"\c 3 ( [4] ) ."
والحجة لهم على ما زعموه: ما عرف من عادة العرب من عدم التفرقة بين فاعل وفعول في الإطلاق، فما كان الفاعل منه لازمًا فالفعول مثله في اللزوم، كالقاعد والقعود، والنائم والنؤوم، وما كان الفاعل منه متعديًا فالفعول مثله في التعدي، كالضارب والضروب والقاتل والقتول، وهكذا حال الطاهر والطهور لا تفرقة بينهما، وإن كانا في اللزوم على سواء، فلهذا قضينا بأن كلَّ ما كان طاهرًا فهو طهور من غير تفرقة.
وثانيهما: وجوب التفرقة بينهما، فالطاهر ما كان طاهرًا في نفسه كما مر تقريره، والطهور ما كان مطهرًا لغيره، وعن هذا قالوا بأن غير الماء من المائعات لا يكون طهورًا لما كان غير مطهِّرٍ لغيره، وهذا هو رأي أئمة الزيدية ومن تابعهم من فقهائهم، وهو مذهب الشافعي وأصحابه.
والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوْرَا \s"\c 1ً \s"\c 1} [الفرقان:48] .
ووجه الحجة من الآية: هو أن الآية واردة مورد الامتنان بما أنعم اللّه به من نزول الماء للتطهير وخصه بالذكر وجعله من أعظم النعم، فلو كان الطاهر والطهور على سواء لكان لا فائدة في تخصيصه بالذكر ووروده على جهة الامتنان، وقوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًَا طَهُوْرًَا \s"\c 1} [الإنسان:21] ."
ووجه الحجة للدلالة من هذه الآية هو: أنها واردة على جهة المدح والثناء على شراب أهل الجنة وتميزه عن شرابات الدنيا، بأن شراب أهل الجنة طاهر في نفسه مُطَهِّر لغيره كالماء، بخلاف شراب الدنيا فإنه ليس على هذه الصفة، فلو كان الطاهر والطهور سواء لكان الشرابان مستويين في ذلك، وفي هذا دلالة في حصول التفرقة بينهما.
والمختار: ما عول عليه أصحابنا و الشافعي لما رواه أبو هريرة \s"\c 3 ( [5] ) قال: سأل رجل رسول اللّه ً فقال: إنا نركب رماثًا لنا في البحر - الرِّمَاثُ جمع رَمَثٍ بالتحريك وهو زورق صغير يركب عليه في البحر - ومعنا القليل من الماء إن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: (( هو الطهور ماؤه والحل ميتته \s"\c 2 ) ) ( [6] ) . فخص الماء باسم الطهور، وفي هذا دلالة على أن غيره لا يطلق عليه اسم الطهور، وكما هو دلالة على ما ذكرناه من اختصاصه من اسم الطهور، ففيه دلالة أيضًا على أن الماء يُتَطَهَّر به؛ لأنهم سألوه عما يُتَطَهَّر به، فأجابهم بأنه طهور، وما رواه أبو سعيد الخدري \s"\c 3 ( [7] ) عن النبي ً أنه قال: (( خُلِقَ الماءُ ط \s"\c 2َهُورًا \s"\c 2 لا يُنَجِسُهُ إلا ما غَيَّر رِيحَه أو لونَه ) ) ( [8] ) ."
ويدل على ذلك من جهة اللغة قولُ جرير:
عِذاب الثنايا ريقهن طهور ( [9] )
وأراد أن ريقها طاهر يتطهر به؛ لأنه قصد به المبالغة في مدحها، فلو كان الطهور هو الطاهر لا غير، لكان لا مدح موجود لها في ذلك، فإن ريق البهائم يشاركها في كونه طاهرًا، وهذا هو المقصود، ثم إن الخلاف في هذه المسألة له ثمرتان:
الأولى منهما: أنه لا يجوز إزالة الأشياء النجسة ولا رفع الأحداث بشيء من المائعات سوى الماء لاختصاصه بالتطهير عندنا، وهو رأي الشافعي، وعندهم أن ذلك جائز ( [10] ) .
الثانية: أنه إذا تغير الماء بشيء من الطاهرات فإنه لا يجوز الوضوء به ولا الغسل ولا رفع النجاسات، وعندهم أن ذلك جائز كما [ذكرناه] .
فأما قولهم: إن العرب لم يفرقوا بين فاعل وفعول، وبنوهما من الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، فهو فاسد لأمرين:
أما أولًا: فلأنا نعلم قطعًا تفرقتهم بينهما حيث جعلوا فعولًا للمبالغة دون فاعل، فإذا جاز أن يفرقوا بينهما فيما ذكرناه، جاز أن يفرقوا بينهما في كون أحدهما وهو فعول، موضوعًا للتعدي دون فاعل.
وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه تعويل على أمر لفظي في وضع الصيغة، وما ذكرناه تعويل على أمر معنوي. ولا شك أن التعويل على المعاني أحق من التعويل على الألفاظ، واسم الطهارة قد صار منقولًا بالشرع عما كان عليه في اللغة؛ لأنه موضوع في الأصل للتنزه عن الأنجاس ومفيد للنقاء، ثم صار مقولًا في الشرع على إفادة معان شرعية كالغسل والمسح والجفاف والنزح وغير ذلك من المعاني الشرعية، فصار فيما يفيده كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من الأسماء التي نقلها الشرع، وهل تكون مفيدة لمعانيها اللغوية ما أفادتها من معانيها الشرعية أم لا؟ فيه تردد وخلاف قد ذكرناه من قبل، وأخبرنا فيما سبق أنه مع إفادتها لما نُقِلَتْ إليه من المعاني الشرعية، فلا تنفك عن إفادتها لما وضِعَت له من معانيها اللغوية، لكن الشرع قد غَيَّرها وزاد فيها زيادة غير مخلة بمعانيها اللغوية كما أشرنا إليه، فهذا ما أردنا ذكره في بيان ما يفيده لفظ الطهارة وشرح معانيه الدالة عليها.
( [1] ) جاء في لسان العرب: وجمع الطاهر: أطهار وطهارى والأخيرة نادرة، وثياب طهارى على غير قياس، كأنهم جمعوا طهران. قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند المشاهد غُرانُ
ا.هـ لسان ج4/504. وهكذا ورد لفظ البيت في ديوان امرئ القيس، لا كما أورده المؤلف.
( [2] ) لا يبدو أن (كسالى) من هذا الباب؛ لأنه مضموم الأول، إلا أن الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى} قال: قُرئ بضم الكاف وفتحها. ا.هـ كشاف.
( [3] ) لعله يقصد دون الاستنجاء من الحدث.
( [4] ) أبو بكر عبدالرحمن بن كيسان الأصم. عده الإمام المرتضى من الطبقة السادسة (طبقات المعتزلة ص56) وقال: وكان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم خلا أنه كان يخطئ عليًا عليه السلام في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله. قال القاضي (عبدالجبار) : ويجري منه حيف عظيم على أمير المؤمنين، وكان بعض أصحابه يعتذر له.. وله تفسير عجيب، وكان جليل المقدار يكاتبه السلطان. ا.هـ. ملخصًا ولم يذكر تاريخ وفاته.
( [5] ) عبدالرحمن بن صخر الدوسي، أسلم في فتح خيبر وهو أكثر من روى الحديث من الصحابة حتى زاد عدد الأحاديث التي رواها على خمسة آلاف حديث، وهو من أكثر من روى عنه الستة، شكك في بعض أحاديثه عدد غير قليل من أصحاب المسندات، أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة أنها قالت لأبي هريرة: ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي ً؟ هل سمعت إلا ما سمعنا؟ وهل رأيت إلا ما رأينا؟ فقال: يا أُمَّه إنه كان تشغلك المرآة والمكحلة وما كان يشغلني عنه شيء. وقال عن نفسه: حفظت من حديث رسول اللّه أحاديث لو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالحجارة، أخرجه الحاكم أيضًا. وأنكر عليه ابن عمر حديثًا حدَّث به في فضل من تبع الجنازة فاستشهد أبو هريرة بعائشة على صحة الحديث. (المستدرك، در السحابة) .
( [6] ) قال في هامش البحر ما لفظه: عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول اللّه ً فقال: يا رسول اللّه إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ قال رسول اللّه ً: (( هو الطهور ماؤه والحل ميتته) أخرجه مالك في (الموطأ) وأبو داود والترمذي والنسائي.ا.هـ ج2 ص30.
( [7] ) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري (أبو سعيد الخدري) أحد أصحاب رسول اللّه ً وأعلام الأنصار، استصغر يوم أحد، وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة، روى عن النبي ً وعن علي وزيد بن ثابت وأبي قتادة الأنصاري وجابر وابن عباس وغيرهم. روى عنه ابن عباس وابن عمر وجابر وزيد بن ثابت وغيرهم. قال حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله أفقه من أبي سعيد. توفي سنة 64هـ عن 74سنة على خلاف في تاريخ وفاته. (تهذيب التهذيب) .
( [8] ) هكذا الحديث مروي عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول اللّه، إنه يستسقى لك من بئر بضاعة وتلقى فيها لحوم الكلاب وخرق المحائض وعذر الناس. فقال رسول اللّه ً: (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) ). وفي الشفاء: (( خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه ) ). وفي البحر: إن الذي في المهذب: (( الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه ) ). قال في المهذب: فنص على الطعم والريح وقسنا عليهما اللون؛ لأنه في معناهما.ا.هـ.
ونقل في التلخيض: وأما الاستثناء فرواه الدارقطني من حديث ثوبان، وفيه رشد بن سعد وهو متروك، ثم أورد رواية عن البيهقي بلفظ: (( إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه ) )..إلخ. ا.هـ.
( [9] ) أول البيت: ألا إن في نجد وأكناف بيشةٍ ا.هـ . وجرير: هو الشاعر المعروف، جرير بن عطية اليربوعي (640 - 728م) . ولد ومات باليمامة. عاش متكسبًا بالمدح، واتصل بولاة العراق، وصار شاعر الحجاج الذي وصله بعبدالملك بن مروان، وله مدائح شهيرة فيه، وله النقائض مع الفرزدق.
( [10] ) يعني أبا حنيفة وأصحابه وأبا بكر بن داود الأصم.