أن يقاتل لو نزل عدو لأن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، فإن كانت إقامته بالثغر لسبب غير الجهاد وللجهاد أيضًا ولو اراد أن يتحول منه لأمْكنه ذلك من غير مشقةٍ، وكان بحيث لو امتنع الجهاد
من ذلك الثغر لرحل إلى ثغر يتوقع فيه الجهاد، ولو تعطل سببه لرحل إلى مكان آخر يجد فيه سببًا وإن لم يكن ثغرًا، فهذا لايخلو إما أن يكون ذلك السبب من ضرورات المعيشة، أو يكون سببًا زائدًا على قدر الكفايه يمكنه الإستغناء عنه، فإن كان يحصل له الكفايه بدونه ونيته الرحيل لو فقده، فإنه ليس بمرابط علي ماتقتضيه قواعد جماعة من السلف، وما أراه يخلوا من أجر قياسًا على ما أختاره
أبو حامد الغزالي ومن نحا نحوه في أمثال هذه المسأله، لكونه لو تعطل الجهاد من ذلك الثغر لرحل عنه إلى ثغر آخر، ولا يبعد أن تقاس هذه المسأله على مسألة من غزى يلتمس الأجر والغنيمه، على ماسيأتي بيانه في باب النية إن شاء الله تعالى.
فامّا من كان مقيمًا في ثغر من الثغور ونيته أنه لو نزل به عدوّ لفرّ منه ولم يقاتل مطلقًا، فإنه عاصٍ بنيته مُصرّ على معصيته مادام في ذلك الثغر لأن العدو إذا نزل ببلد صار القتال على أهل ذلك البلد فرض عين، لايحل لأحد الإعراض عنه ولا الفرار منه إلا حيث أبيح سيما إن كان الفآر رئيسًا أو قدوة أو ذا منصبٍ في الثغر، فإن إثمه في الفرار ليس كإثم من لايؤبه له ولايُلتفت إليه إن قام أو رحل، ومن كانت هذه نيته فرحيله من الثغر خير له، لأنه كلما طالت إقامته وهو على هذه النيه السيئه ازدادا إثمه وعظم جرمه، وإذا رحل ارتفع عنه الحرج وزال الإثم فيما يستقبل والله أعلم.
مسألة:
قال مالك رحمه الله: ولابأس بأن يخرج الرجل بأهله إلى الرباط، قال سحنون: إلى المواضع المأمونه الكثيره الأهل، مثل الاسكندريه، وتونس وشك في صفاقس وسوسه، قال مالك: ورب ثغر فيه ألف رجل ليس بمأمون، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله ينهى عن سُكنى الثغور بالأهل، والظاهر إنما هو في الثغور التى لايؤمن على أهلها والله اعلم.