فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 386

إعلم أن الرباط المطلوب: عبارة عن ربط الانسان نفسه في ثغر يتوقع فيه نزول العدو، بنية الجهاد أو الحراسة أو تكثير سواد من فيه من المسلمين، وكلما كان الخوف في مكان اشدّ كان الرباط أفضل فيه والثواب أجزل، وسواء كان ذلك المكان ساحل بحرٍ اوغيره وقد ضعّف مالك رحمه الله امر الرباط بجُدّة، لأن العدو إنما نزل فيها مرةً واحدة. وقد سئل مالك رحمه الله: عن سكان الثغور بالأهل والولد؟ فقال: ليسوا بمرابطين، وإنما الرباط لمن خرج من منزله متعمدًا للرباط في موضع الخوف.

قال المولف عفى الله عنه: والذي يظهر لي والله أعلم، أن من كان ساكنًا بثغر لايربطه فيه إلا توقع الجهاد او قصد الحراسه، ولو شاء أن يرحل عنه لرحل من غير مشقة عليه في الرحيل، أنه مرابط وله أجر الرباط وإن كان معه أهله وولده، أو كان له فيه سبب بشرط أن يكون بحيث لو عرض عليه زوجة أجمل من زوجته، اوسبب أوسع من سببه أوغيرذلك، بمكان ليس بثغر، لما خرج من الثغر رغبة فيما عرض عليه، فإن الأعمال بالنيات، ومازال السلف الصالح من الصحابة والتابعين يسكنون الثغور بأهليهم وأولادهم بنية الرباط.

ولعل مالكًا رحمه الله إنما يعنى بذلك من ولدوا بالثغور ونشأوا بها وكانت إقامتهم فيها، لوجود اهاليهم وحُبًا لأوطانهم وغبطة بما هم فيه من الاسباب و الأنشاب (1) من غير قصد لهم في الرباط، لانه قد أجاز خروج الرجل بأهله إلي الرباط كما سيأتي.

وفي كلام ابي محمد بن عطية مايشعر بذلك، فإنه قال في تفسيره: فاما سكان الثغور دائمًا باهليهم الذين يعمرون ويكسبون هنالك فهم وإن كانوا حماةً فليسوا بمرابطين انتهى والله اعلم.

وأما من نزل ثغرًا واقام فيه لإقامة رئيسه بحيث لو رحل رئيسه لرحل هو أيضًا، أولسبب يغبط به نفسه لايتهيا له في غير الثغر أو لزوجة لاترحل معه الى غيره أولوظيفة ومنصب ورزق ونحو ذلك، بحيث لو أراد التحول إلى غيره لشق عليه ذلك ولو امتنع توقع الجهاد بذلك الثغر لما رحل عنه لرغبته فيما هو فيه، أو لو وجد سببًا اورزقًا أوسع من رزقه وسببه بمكان آخر لتحول من ذلك الثغر إليه، فإن هذا ليس بمرابط وليس له من أجر الرباط شيء، إذ الرابط له في الثغر إنما هو سبب آخر غير الجهاد ولعل مالكًا رضى الله عنه إنما أراد هذا وأمثاله، وربما يثاب هذا على نية الجهاد إن كان نيته

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الانشاب: جمع نشب وهو المال والعقار. الصحاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت