هذا الولي؟ يعني أبا الفتح. فقال: إن جماعة سيدي أبو مدين يعتقدون أنه نقيب الأولياء. فقال له: اسألك بسر هذا الولي * إلا ذكرت لنا قصتك، فحين قال له ذلك لم يتمالك عبرته وتغير حاله وبكى بكاء شديدًا وقال: يا سيدي ما حملك على أن تذكرني ذلك فألح عليه وقال له لابد من ذلك.
فقال: إن بلدي في الغرب قريب من بلاد الفرنج، وما نزال نخرج إليهم فنغير عليهم ويغيرون علينا، فخرجنا مرة عشرين رجلًا قاصدين بلاد العدو، وكان عادتنا أن نسافر بالليل ونكمن بالنهار، فلما
توسطنا الطريق بين بلادنا وبلاد العدو، طلع علينا النهار فأوينا إلى جبل نكمن فيه، فبينما نحن فيه إذ سمعنا حسًا وإذا بعلج قد خرج من داخله، فلما رآنا رجع وإذا برفقائه قد خرجوا معه، وهم مائة من علوج الفرنج شُغْلُهم شُغْلُنا، قد خرجوا من بلادهم يريدون الغارة على بلادنا، وقد أدركهم النهار فأووا إلى ذلك الغار، فلما وقعت العين بالعين لم يبق إلا القتال، لأن العادة قد جرت بيننا وبينهم أن كلا منا إذا ظفر بعدوه لا يبقيه، فقاتلناهم قتالًا شديدًا إلى أن قتل منا أحد عشر، وقتل منهم خمسة وأربعون، ثم شدوا علينا شدة رجل واحد، فلم يبق من العشرين غيري، وتكاثرت علي الجراح فوقعت بين القتلى، فبينما أنا كذلك، وإذا بنسوة قد نزلن من السماء لم أر مثل حسنهن
وجمالهن، فبقيت كل واحدة منهن تذهب إلى واحد من قتلى المسلمين، فتقول: هذا نصيبي فتأخذ بيده فينهض معها، إلى أن جاءتني واحدة منهن، وقالت: هذا نصيبي وأخذت بيدي فحين أحست بيدي الروح، أفلتتني من يدها فلتة غضب، فقالت: وأنت للساعة ثم ذهبت وتركتني فكشف لنا عن ساعده فإذا أثر قبضتها وأصابعها الخمس، أبيض شديد البياض مثل لبن الحليب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قال الامام ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد:
فائدة: السر بين العبد وربه.
قال ابن الجوزي في آخر منتخب الفنون مما بلغه عن ابن عقيل من غير الفنون: قال سمعت يعلى بن الفراء يقول: من قال: إن بينه وبين الله سرًا فقد كفر واي وصلة بينه وبين الإلة وإنما ثم ظواهر راحم فإن عنى بالسر ظاهر راحم، فقد كذب لأنه ليس بسر وإن شيئًا وراء ذلك فقد كفر
وقال: في قول المتوسلين بالميت: اللهم إني أسلك بالسر الذي بينك وبين فلان، أي سر بين العبد وبين ربه لولا حماقة هذا القائل قال ابن الجوزي معترضا عليه: إنما يعنى المتوسل بذلك العبادات المستورة عن الخلق.
حكاية أخرى: