و لم يباشر قتل نفسه بِسُمٍّ تَحَسَّاهُ، أو حَدِيدَةٍ تَوَجَّأَ بِهَا فِي بَطْنِهِ، و ما تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؟
المقصد السابع
مراعاة المصالح و المفاسد في الحكم على العمليّات الاستشهاديّة:
إنَّ الحُكمَ على أفعال العباد تراعى فيه المصالح و المفاسد، فلا يشرع منها ما يغلب على الظن أو يٌتَيَقَّن أنّه يؤدي إلى مفسدة، تمامًا كما هو الحال في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
قال أبو حامد الغزّالي - رحمه اللّه - [في الإحياء 7/ 26 من الطبعة المنشورة مع شرحها و هو الإتحاف] :
(لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار و يقاتل، و إن علم أنه يقتل، و كما أنه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز -أيضًا- ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف، أو العاجز، فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يُقْتل حتى يَقْتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلةَ المبالاة، وحبَّهم للشهادة في سبيل اللّه، فتُكسَرُ بذلك شوكتهم (.
قلتُ: نَظَرًا لحساسية الوضع و دقّته، و اختلاف النظرة بين الناس في ما يترتب عليه من المصالح و المفاسد فإنّ من الفقه في الدين و التبصّر في الواقع الرجوع إلى أهل الخبرة و الدراية في هذا الباب من عسكريين و إعلاميين و ساسة، و قد ألفيناهم شبه مجمعين على أن هذه العمليات لا تحرر أرضًا، و لا تردُّ عدُوًّا، و لا تعيد حقًا مغتصبًا، و لكنّها تثخن في العدو فتكفأ قَدره، و تحط قَدره، و تشيع البلبلة و التخويل في صفوفه، و تزعزع أركانه و لو بقَدَر، و هذه بعض محاسنها.
و مع ما قد يترتب عليها من زيادة صَلَف العدو و تجبّره و فتكه و انتقامه، فإن الواقع أثبت عِظَم المنفعة و رجوح المصلحة على المفسدة و الحمد لله.
و من منظار المصالح و المفاسد أيضأ، نرى أنّ الحرص على الشهادة يعوّض نقص العدة و العدد , و يؤثر في العدو أبلغ الأثر المادي و المعنوي، و من أمثلة ذلك ما نشهده في بيت المقدس و أكناف بيت المقدس، و ما شهدناه في جنوب السودان من عمليات الدبابين التي ترجمت واقعيًا أنّ حبّ المسلم للشهادة يفوق تمسّك الكافر بالحياة.
و يترتّب على هذه العمليّات إرهاب العدو و إرعابه، و هذا مقصدٌ شرعي، قال تعالى: (سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ) و قال سبحانه: (فإما تثقفنّهم في الحرب فشرِّد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون) [الأنفال: 5.]
و روى البخاري و غيره عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلّم قال: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» ، و لا أبلغ في إيقاع الرعب في صفوف العدو من الإقدام على الموت بطمأنينةِ من باع نفسه لو كفى مثالًا على جدوى العمليّات الاستشهاديّة و بالغِ أثَرِها في العصر الحديث، أنّها أرغمت أنوف القادةِ الروس على إنهاء حربهم الأولى على الشيشان قبل عِدّة سنوات، و أتت بهم صاغرين إلى التفاوض مع المجاهدين. و قد تمخّضت المفاوضات يومئذٍ عن هدنة السنوات الخمس، التي ردّت الروس على أدبارهم، و قَلَبتهم على أعقابهم، لا يلوون على شيء، و لا يتطلّعون إلى أكثر من حقن دماء من تبقّى من جهودهم، بعد أن دبّ الرُّعب في صفوفهم، و فرّق الذعر رأيهم، و أطاش رَميَهم.
و لا يمنع من ذلك ما يراه الناظر بعينٍ واحدة، من همجيّة الرد، و عنجهيّة العدو، فإنّ هذه سنّة الله في عباده، و لنا العزاء في قوله تعالى: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ و تِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140] و قوله سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173] ، و قوله جلّ شأنه: (إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ) [النساء: 104] ... =
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و نحن نعذر من لم يرَ في العمليّات الاستشهاديّة جدوى، و لم يُعلّق عليها أملًا و إن كان صغيرًا، لأن الثمرة اليانعة التي رآها المجاهدون عَيانًا في عمليّاتهم، قد تكون خافيّةً على غيرهم، و خاصّة أولئك الذين قعدوا مع القاعدين، لأنّ (الخفاء و الظهور من الأمور النسبيّة، فربّما ظهر لِبَعض الناس ما حفي على غَيرِه، و يَظهَر للإنسان الواحد في حالٍ ما خَفيَ عليه في حالٍ أخرى، و أيضًا فالمقدّمات و إن كانت خفيّةً فقد فقد يُسلّمها بعض الناس، و يُجادل فيما هو أجلى منها، و قَد تفرَح النفس بما علِمته من البحث و النظر ما لا تَفرَح بما عَلِمَته من الأمور الظاهرة) [شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العزّ الحَنَفي، ص: 112]