قال المؤلف عفى الله عنه: فأي فعل أعظم من هذا، وأي إقدام أبلغ منه، وأي تغرير يقرب منه، ومع هذا فلم يعب الصحابة عليه، ولم ينهوه بل عدوا ذلك من مناقبه - رضي الله عنه - فعليك بالشجاعة والإقدام ولا يثني عزمك عن الشهادة الملام، واخرج عن نفسك لله وسلمها طوعًا إلى الله، ولا عليك أن تقتل بين اثنين أو تستشهد بحملك على ألفين، والإقدام على القليل لا يتحقق فيه النجاة والحمل على الكثير لا يسرع بك إلى الوفاة، {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون:11]
وقريب من فعل البراء ما فعله علي بن أسد فيما
477 ـ خرجه ابن عساكر بإسناده عن موسى بن أبي إسحاق الأنصاري قال: كان علي بن اسد قد قتل وصنع أمورا عظاما فمر ليلة بالكوفة، فإذا رجل يقرأ من جوف الليل {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53) } إلى أخر الآية [الزمر:53] فقال علي: أعد، فأعاد ثم قال: أعد فأعاد، ثم قال: أعد فأعاد، فعمد فأغتسل ثم غسل ثيابه فتعبد، حتى عمشت عيناه من البكاء، وصارت ركبتاه كركبتي البعير، فغزا البحر فلقي الروم فقربوا مراكبهم بمراكب العدو، فقال علي: لا أطلب الجنة بعد اليوم أبدًا، فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فما زال يضربهم وينحازوا، ويضربهم وينحازوا حتى مالوا في شق واحد فانكفيت عليهم السفينة، فغرق وعليه درع من الحديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
476 ـ السنن الكبرى، كتاب السير باب التبرع بالتعرض للقتل. (ص 542 رقم: 945) .
478 ـ وخرج ابن عساكر باسناده عن عقبة بن قيس الكلابي، أن رجلا قال لأبي عبيدة بن الجراح يوم اليرموك: إني قد أجمعت على أمري أن اشد عليهم، فهل توصيني إلى نبيكم - صلى الله عليه وسلم - بشيء، فقال: تقرؤه السلام، وتخبره إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
479 ـ قال الأمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: في الإحياء في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف، والعاجر، فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يقتل حتى يَقْتُلْ، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله فتكسر بذلك شوكتهم انتهى.