قال المؤلف عفى الله عنه: فهذا صحابي قد انغمس في العدو بمشهد فيه ألوف من الصحابة وأقروه على ذلك ولم يعيبوا عليه.
474 ـ وخرج ابن عساكر بإسناده عن محمد بن إسحاق، وابن سمعان عن بعض مشايخه فذكر حديثًا في حصار دمشق، قال: وأقبل رجل من المسلمين حتى انتهى إلى نهر دون حمص، مما يلي دير مسحل، فأنتهى إلى الماء فسقى فرسه وجاءه نحو من ثلاثين رجلا من أهل حمص، فنظروا إلى رجل واحد فأقبلوا نحوه، فأقحم فرسه ثم عبر الماء إليهم، فحمل عليهم فقتل أول فارس ثم الثاني ثم الثالث، ثم اتبعهم بقتل واحد بعد واحد، حتى إنتهى إلى دير مسحل، وقد صرع منهم أحد عشر، ثم اقتحموا في جوف الدير فاقتحم معهم، فرماه أهل الدير بالحجارة حتى قتلوه رحمة الله عليه.
وأعظم من هذا الفعل:
475 ـ ما رواه غير وأحد عن بسر بن أرطاه، وكان ممن ذكر في الصحابة، أنه غزا الروم فجعلت ساقته لا تزال تصاب فيكمن لهم الكمين، فيصاب الكمين، فلما رأى ذلك تخلف في مائة من جيشه، فانفرد يوما في بعض أودية الروم فإذا براذين مربوطة نحو من ثلاثين والكنيسة إلى جانبهم فيها فرسان تلك البراذين الذين كانوا يعقبونه في ساقته، فنزل عن فرسه فربطه ثم دخل الكنيسة فأغلق عليه وعليهم بابها، فجعلت الروم تعجب من إغلاقه فما استقلوا إلى رماحهم حتى صرع منهم ثلاثة، وفقده
أصحابه فطلبوه فأتوا فعرفوا فرسه وسمعوا الجلبة في الكنيسة، فأتوها فإذا بابها مغلق فقلعوا بعض السقف ونزلوا عليهم، وبسر ممسك طائفة من أمعائه بيده اليمنى فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بسر مغشيًا عليه وأقبلوا على أولئك فأسروا وقتلوا فأقبل عليهم الأسارى، فقالوا: ننشدكم الله من هذا؟ فقالوا: بسر بن أرطاه، فقالوا: والله ما ولدت النساء مثله فعمدوا إلى أمعائه فردوه في جوفه ولم ينخرق منه شيء ثم عصبوه بعمائمهم وحملوه ثم خاطوه فسلم وعوفي.
قال المؤلف عفى الله عنه: وأعظم من فعل بسر:
476 ـ ما فعله البراء بن مالك أخو أنس بن مالك - رضي الله عنه - يوم اليمامة، حين تحصنوا بني حنيفة، فإنه قعد على ترس، وقال: ارفعوني برماحكم فالقوني إليهم فحملوه برماحهم وألقوه وراء الحائط، فنزل وحمل فيهم وحده، وفتح لاصحابه الباب فأدركوه وقد قتل منهم عشرة، وجرح البراء يومئذ بضع وثمانين جراحة، ما بين رمية وضربة، فأقام عليه خالد بن الوليد شهرا حتى برء من جراحته. روى هذا البيهقي في السنن، وابن الأثير في أسد الغابة، وغيرهما.