العزم وصدق القصد في طلب الشهادة خلا سبيله، ولو كان عمرو ومن معه من المسلمين يعلمون أن ذلك غير جائز لما وسعهم تمكينه من الذهاب، والواجب عليهم منعه من الذهاب إلى العدو وحده، والله أعلم.
485 ـ وذكر الحافظ ابن الذهبي في تاريخ الإسلام: أن الناس في وقعة الحرة وقد ذكرت سببها في باب الشجاعة من الأصل [1] ، اجتمعوا على عبد الله بن حنظله الصحابي - رضي الله عنه - وبايعهم على الموت، فقاتلوا قتالًا شديدًا فقال لمولى له: احم ظهري حتى أصلي الظهر، فلما صلى قال له مولاه: ما بقى أحد فعلام نقيم؟ ولواؤه قائم ما حوله خمسة، فقال ويحك: إنما خرجنا على أن نموت، فلما هزم الناس طرح الدرع وقاتلهم حاسرًا حتى قتلوه.
وقال جويرية بن أسماء: انهزم الناس وعبد الله بن حنظلة متساند إلى بعض بنيه، يغط نومًا، فنبهه أبنه، فلما رأى ما جرى، أمر أكبر بنيه، فقاتل حتى قتل، وكان له ثمانية بنين فلم يزل يقدمهم واحدًا واحدًا حتى أتى إلى آخرهم، ثم كسر جفن سيفه وقاتل حتى قتل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
485 ـ تاريخ الأسلام. (ص 549 رقم 7)
486 ـ وخرج البيهقي بإسناده عن مالك بن دينار قال: لما كان يوم الزاوية، قال عبد الله بن غالب: إني أرى أمرًا ما لي عليه صبر، روحوا بنا إلى الجنة، قال: فكسر جفن سيفه وتقدم، فقاتل حتى قتل، قال: وكان يوجد من قبره ريح المسك، قال مالك: فانطلقت إلى قبره فأخذت منه ترابًا فشممته فوجدت منه ريح المسك.*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أبو حمزة الأردني
أعني البطلَ المجاهدَ، والجبل الأشمّ (نضال عربيّات) ، أو (أبو محمّد) ، أستاذُ علم التّشريك ببلاد الرافدين، وأوّلُ من أرسى دعائمه وثبّت أركانه، ويرجِع إليه الفضلُ بعد الله في علم تشريك السيارات، فهذا الأستاذ له الفضلُ بعد الله في معظم العمليات الاستشهادية التي سبَقت مقتلهُ، بدءًا بالحكيم ومرورًا بـ"ديملّو"في الأمم المتحدة، والقوّات الإيطالية وأوكار الكفر في فندق شاهين ومطعم نبيل، وسائر كُبريات العمليّات الاستشهادية؛ فمن هو عن قُرْب؟
شابٌّ هادئُ الطّبع ليّن الجانبِ، حسَنُ العِشرة لا تفارقُ البسمة وجهه، لا يخلو حديثه من دُعابة لطيفةٍ أو تعليقةٍ ظريفة، إن جالسته ظننته يعرفك أو تعرفه منذ سنين، يطوي عنك الغُربة، ويرفع حجاب البعد ليستقر في سُويداء قلبك، وكثيرًا ما يبتدرهُ السّائل: أظنّنا التقينا سابقًا - وما كان -، إلا أنّ الأرواح جنودٌ مجندةٌ، فما تَعارف منها ائتلف وما تَناكر منها اختلف.
من أسرةٍ عريقةٍ ميسورة الحال، أبوه -كما يقال وكما يظهر - من سمْته صاحبُ خلُق ودين ومن أهل
(1) 1 ص 994.