فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 386

المساجد، إذ لمّا سمع بقتله، احتسب واسترجع وقال:"الحمد لله الذي رزقه ماكان يتمنى".

سافر الشهيد إلى أفغانستانَ ثم إلى كردستان العراق، وكان حاضرًا مع مجموعةٍ من العرب جلّهم شاميّون، وكان كما عهدناه، لا يعرف الخوفُ طريقًا إليه وظلّ جنديًا مجهولا، حتى انسحب الإخوة من الجبال لضراوة القصف، ثم عاد الشّهيد إلى بغداد وانضمّ إلى ركْب المجاهدين، لا، بل كان من أوائل السائرين في الركب.

تزوّج أبو حمزة (نضال) من صاحب المكانةِ الرفيعةِ، وقدم الصّدق والسّبق في التوحيد والجهاد، (الحاج ثامر) رحمه الله، فرُزق بولدٍ أسماه محمّد؛ لذا كان يكنّى بأبي محمّد؛ ولكيفيّة مقتله قصةٌ هي بيتُ القصيد وعُنوان الشخصية وبرهانُ الشجاعة.

كان قد أُوكل إليّ وإليه عملٌ مهمّ، فجلست وإياه في غرفةٍ على انفراد، نعدّ الخطّة ونرتب ما أحضرناه من مواد، وأجلَسْنا أحد الإخوة حراسةً أمام البيت، وحتى لا يدخل علينا أحد. وكان البيت في جزيرة الرّمادي، وهو بيت الشُجاع الهُمام اللّيث الشهيد (أبو فارس) ، أسأل الله أن يخلُفَنا فيه خيرا، فقد كان وكان، ولكن الحمد لله، ولعلّي أعود إلى سيرته هو الآخر قريبًا ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ فقد كان نعم السّند وخير الرفيق.

أقول؛ جلسنا سويًا وإذا بالظّهر قد حان موعده، فقلت له: لا بارك الله في عملٍ يُلهي عن الصلاة. فذهبت للوضوء، ومن عادةِ بيوت العرب، أن تكون محلاّت الوضوء والغسل بعيدة عن البيت، وكان البيت يقعُ بالقرب من السّدة (وهي شارع مرتفع عن الأرض بُني لكي يكون سدًا لنهر الفرات) .

أقولُ: ذهبت للوضوء؛ وانا بداخل أحد المرافق، طرَق علي أحد الإخوة الباب طرقًا شديدا مفزعًا يقول بصوت عالٍ (الأمريكان ... الأمريكان) ؛ فخرجتَ مسرعًا ونظرت إلى طريق السدّة، حيث لا يوجدُ طريقٌ للبيت غيرُه، فلم أرَ شيئا، فقلت له: أذَهبوا يا أخي؟. فأشار إليّ أنْ خلْفَك.

وإذا بالبيت محاصرًا من جميع الجهات بعجلاتِ"الهمر"تحيط به؛ اثنتان في الأقلّ منها وجهت الرشاشات مباشرةً إلينا؛ فقلت في نفسي: الآن لو تحركنا يجعل جسدي كالغربال، إذ ليس بيننا وبينه سوى خمسة عشرَ مترًا، لكنّ الله سبحانه وتعالى وفّقَنا للجري في اتجاه الطريق (السدة) ، وجاء جنديٌ أمريكيّ يعدو خلفنا حتى يأسرنا، إذ ليسَ معنا سلاح، وإذا بالأسدِ الهصورِ أبي حمزة يخرج من البيت، وكان ماهرًا جدًا في استخدام المسدس الذي كان لا يفارقه في يقظةٍ أو نوم، ووجّه مسدسهُ نحو الجندي =

الأمريكيّ، وفي خفة ومهارة أصابه برأسه، فما شعرنا إلا وهو يسقُطُ على وجهه، فانشغلَ الجنود به، وشاغلهم هو حتى هرب جميع من في المنزل من المجاهدين.

حتى أنه قبل إطلاق النارِ من مسدّسه، دخل إلى المنزل وأخرج النساء وأراد أن يخرج من المؤخرة، إلا أن الأمريكان كانوا قد حاصروا المنزل من كلّ جهاته بواسطة الجاسوس العارفِ بدُروب المنطقة، ولذا لم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشعر بهم ولم يشعر بهمُ الحارس.

وعودة إلى البطل، بعدما نفَدَت ذخيرته، أخرَجَ رمّانة يدويّة كانت معه، ورماها على الصليبيين فاستقرت بداخل"همر"فأحرقتها، وأحرَقت معها أربعةً من القُلوب السوداء، حتى أنّي رأيتُ المروحيّة تهبط إلى البيت، لتحملَ قتلاهم وجرحاهم في معركة مع مجاهد واحد فقط، حمى إخوانه بنفسه فرحمة الله عليك أيها الحبيب.

وبعد انتهاء المعركة، وبعد يومٍ منها، ذهب والدُ أحد الإخوة إلى المنزل، وكان يعرف أبا حمزة، فأقسَمَ بالله أنّ رائحة المسكِ كانت ملأتْ البيتَ الذي صيّره الأمريكان خرابا، بعدما سرقوا كل ما ادّخرته هذه الأسرة من مال، وأذكُرُ أنّي قابلتُ الشهيد أبا فارس رحمه الله صاحبَ المنزل، فقال عن البيت والمال والشّتات الذي أصابهم" (فدوة) ، كلّنا فداءٌ لهذا الدين وليس المال فقط"، فرحمة الله على الجميع وأسأل الله أن يجمعنا بهم ولا يحرمنا أجرَهم.

الله حسبي حينما تترجلُ ... والصبرُ أجبرُ للفؤادِ و أجملُ

والله حسبي حينما يجتالني ... أسفٌ عليك و حرقةٌ و تململُ

والله حسبي حين أجترع الأسى ... غصصا، ودمعي في ركابك يهملُ

و الله حسبي كلما صالت بنا ... برحى المنية صولةٌ لا تمهلُ

ذهب الذين أحبهم في جحفلٍ ... يتلوه في عين المصيبة جحفلُ

بقي أن أذكر، بأنّ الشهيدَ أبا حمزة كان قد أخذ جثتهُ الأمريكان، ثمّ سلّموها لمستشفى الرّمادي فتمكنّا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت