وكانوا لا يخالطون أهل العسكر، وكانوا يسيرون وحدانًا وينزلون كذلك، فإذا رأوا العدو لم يقاتلوا ما كفوا، فغزوا مرة فلقيهم الطاغية في جمع كثير من البطارقة، فقاتل المسلمون قتالًا شديدًا فقال بعضهم لبعض: هل ترون ما نزل بالمسلمين، وقد وجب علينا الآن بذل أنفسنا، فتقدموا، وقالوا لمن بقي من المسلمين: كونوا من ورائنا وخلوا بيننا وبين القتال نكفكم إن شاء الله، فقاتلوا حتى هزموا الروم.
فقال ملك الروم لمن كان معه من البطارقة: من جاءني برجل من هؤلاء قدمته، فشدت الروم عليهم وأخذتهم اسارى لم يصب أحد منهم جرحًا، فقال ملكهم: لا فتح ولا غنيمة أفضل من هؤلاء، فارتحل حتى أتى بهم القسطنطينية، فعرض عليهم دين النصرانية فأبوا عليه، ونادوا يا محمداه * فقال الملك: ما يقولون؟ قال: يدعوا نبيهم، فأقبل عليهم الملك، وقال إن أنتم أجبتموني وإلا غليت قدورًا حتى إذا بلغت، ألقيت كل واحد منكم في قدر، قال: فأبوا عليه، فأمر بثلاث قدور فنصبت، ثم صب فيها الزيت ثم أمر بالوقود فأوقد تحتها ثلاثة أيام كل ذلك يعرض عليهم في كل يوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* سئل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ: (في الدرر ص 160 ج 2)
هل يجوز التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم , أو غيره من الأنبياء والمرسلين والصالحين في الدعاء؟.
فأجاب: التوسل المشروع , الذي جاء به الكتاب والسنة , هو: التوسل إلي الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحات , والأسماء والصفات اللائقة بجلال رب البريات , كقوله تعالى حاكيا عن عباده المؤمنين أنهم توسلوا إليه بصالح أعمالهم: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ (193) } الآية [آل عمران: 193] .وكما ثبت في الصحيحين من قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار , فانطبقت عليهم الصخرة , فتوسلوا إلي الله بصالح أعمالهم , الحديث؛ كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان في صحيحه وغيره؛ (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك , أو أنزلته في كتابك , أو علمته أحدًا من خلقك , أو أستأثرت به في علم الغيب عندك) .
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمزي وغيره:"اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، ياذا الجلال والإكرام، ياحي ياقيوم"وفي الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه:"أسألك ياالله"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا رحمان بجلالك ونور وجهك"الحديث، وأمثال ذلك."
فهذا كله أمر مشروع، لا نزاع فيه، وهو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) } [المائدة ـ 35] وكذلك التوسل إلى الله بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته في حياته، وبدعاء غيره من الأنبياء والصالحين في حياتهم، فهذا كله مستحب، كما توسل الصحابة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته في حياته، وتوسلوا بدعاء العباس بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وسلم وبدعاء يزيد بن الأسود الجرشي.
وأما التوسل بجاه المخلوقين، كمن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر العلماء على النهي عنه، وحكى ابن القيم رحمه الله تعالى: أنه بدعة إجماعا، ولو كان الأنبياء والصالحون لهم جاه عند الله سبحانه وتعالى، فلا يقتضى ذلك جواز التوسل بذواتهم وجاههم.
لأن الذي لهم من الجاه والدرجات، أمر يعود نفعه إليهم، ولا ننتفع من ذلك إلا باتباعنا لهم ومحبتنا لهم، والله المجازي لنا على ذلك.
وأما التوسل بذواتهم مع عدم التوسل بالإيمان والطاعة فلا يكون وسيلة، ولأن المتوسل بالمخلوق إن لم يتوسل بما يحصل من المتوسل به من الدعاء للمتوسل أو بمحبته واتباعه فبأي شيء يتوسل؟!
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، في كتاب: الاستغاثة، مازلت أبحث وأكشف ماأمكنني من كلام السلف، والأئمة، والعلماء، هل جوز أحد منهم: التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فعل ذلك أحد منهم، فما وجدته، ثم وقفت على فتيا للفقية أبي محمد بن عبد السلام، أفتى بأنه
لايجوز التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم وأما بالنبي صلي الله عليه وسلم فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك.
وذكر القدوري في شرح: الكرخي، عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز أن يسأل الله بالأنبياء , انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى؛ قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز , لأنه لا حق للمخلوق على الخالق , فلا تجوز