يوم الرحيل خرج الكوفي بالدواب حتى أتى مرجًا فترك الدواب ترعى، فلما وضعت رؤوسها ترعى، وضع الرجل رأسه لينام، فأتاه آت فقال: أجب صاحب القصر، فإذا هو بقصر فقام، فانطلقا حتى إذا دنيا من القصر، فإذا هو بجوار يمدن، ويقلن: مرحبًا قد جاء قد جاء، فصار في القصر، فإذا هو بسرير عليه جارية عليها من الحلي والحلل والحسن ما يعجز النظر، وهي تقول: مرحبا يا ولي الله، فأخذت بيده وأجلسته إلى جنبها وجعلت تكلمه، وترحبه حتى طمع فيها الفتى، فأراد أن يعانقها، فقالت: إنما أحل لك بالعشاء، فقال: اطعميني شيئًا فاتت بقدح من لبن، فقالت: اشرب من هذا، فشرب فقام من عندها، فخرج وهو محزون، فلما خرج من القصر إلتفت، فلم ير من القصر شيئًا فقال: قد خولطت في عقلي، فلم يزل مغتمًا حتى رجع بالدواب إلى اصحابه، فرأوا فيه تغيرًا، فلم يزالوا يسألونه ما لنا نراك متغيرًا حتى أفشى لهم الأمر، فقال بعضهم لبعض: قد خولط في عقله وحزنوا لذلك، فقال: هل تعلمون بحضرتنا لبنًا؟ قالوا: لا قال: فإنها قد سقتني قدحًا من لبن فاستقاء حتى نظروا إلى اللبن، فلما صلوا العتمة وأخذ كل واحد منهم مصلاة وكان الفتى يصلي في المسجد بإزاء البحر، فجاءت سفينة فيها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال في الصحاح الدرب، أصل المضيق من الجبل.
(2) قال في الصحاح، ادرب القوم إذا دخلوا أرض العدو من بلاد الروم.
ـــــــــــــــــــــــ
583 ـ روضة العلماء، للزندوشي، مخطوطه. (ص 710 رقم 3) .
العدو فدخلوا المسجد وهو يصلي فقتلوه، فلما اصبح الناس إذا هو مقتول، فصلوا عليه وواروه، فرجعوا إلى الكوفة فعزوا أباه وذكروا ما كان من أمره، قال: فبينما والده في برية يرعى غنمًا إذا هو بفارس قد اقبل نحوه على أفره دابة تكون، وعليه أحسن الثياب حتى دنا منه وسلم عليه فإذا هو ابنه، قال: يا بني ألست قد قتلت؟ وكان من أمرك كيت وكيت، قال: نعم، يا أبتي، ولكن نودي في الشهداء أن قوموا فصلوا على هذا العبد الصالح، قال: من هو؟ قال: عمر بن عبد العزيز، قال: فنظروا فإذا هو قد مات في ذلك اليوم.
وخرج ابن عساكر حكاية تشبه هذه ذكرناها في الأصل [1] مع غيرها وأعجب من هذه الحكاية
584 ـ ما رواه صاحب كتاب المعصومين، قال: حدثني علي اليزيدي، بطرسوس، قال: حدثني أبي، وكان أول من سكن طرسوس حين بنائها، قال: كان يغازينا من الشام ثلاثة أخوة فرسان شجعان،
(1) 1 ص 708.