المقصد الثامن
في ما يتعلّق بقتل المدنيين في هذه العمليّات
لا حجّة لمن يُنكر العمليّات الاستشهاديّة بدعوى أنّها تستهدف (أو يقع من ضحاياها بعض) المدنيين، و النساء و الأطفال و الشيوخ غير المحاربين، فقد روى الشيخان و أبو داوود و الترمذي و ابن ماجة و أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ - رضى له عنهم - قال: مَرَّ بي النبي صلى الله عليه وسلم بِالأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - وَ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَ ذَرَارِيِّهِمْ قَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ» . وَسَمِعْتُهُ يَقُومَل لاحمى إِلاَّ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه و سلم».و من هذا الحديث الشريف أخذ العلماء جواز التبييت في الحرب. قال الإمام أحمد: لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات، و قال: لا نعلم أحدًا كره البيات. [انظر: المغني مع الشرح الكبير: 10/ 503]
هذا مع ما في التبييت من مخاطرة بغير المحاربين نساءً و أطفالًا و شيوخًا، فالنص يقطع دابر الخلاف في المسألة، و يجعلهم سواء.
و روى الترمذي عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. و معلوم أن الرمي بالمنجنيق يقع على كلّ من في الحصن، و بثبوته يبطل التفريق بين المحاربين و بين ذويهم، و الله أعلم. بل يزاد على ذلك أن العبرة في التعامل مع العدو ليست بتقسيمهم إلى فسطاطين لا ثالث لهما، بل يُلحق بالمحاربِ المساندُ بالرأي و المال، لِفعل النبيّ صلى الله عليه و سلّم مع بني قريظة، حيث قَتَل مقاتِلَتهم (و هم القادرون على حمل السلاح من الرجال) و لم يكن يسأل القُرَظيّ: أحاربتَ أم لا؟
ثمّ إن دماء الكافرين لا يحصنها إلا عقد الذمّة أو الأمان، فهل لدى اليهود في فلسطين شيء من ذلك؟
المقصد التاسع والأخير
في تلخيص ما تقدّم
خلاصة البحث في هذا الموضوع يمكن إيجازها في النقاط التالية:
· إن الجهاد ماض إلى قيام الساعة دَفعًا و طلبًا مع كلّ برٍّ و فاجر، و ليس لأحد أن يسقطه أو يوقفه إلا من عُذر شرعي.
· عامّة ما عرفه المسلمون في العصر الحديث من صور الجهاد (في أفغانستان و البوسنة و الشيشان و فلسطين و الفلبين(والعراق) و غيرها) هو من قبيل جهاد الدَفع لا الطَلَب، و لا يشترط على من تعيّن عليه للخروج إليه وجود الأمير و لا إذن ولي الأمر الخاص و لا العام.
· ما يُعرف اليوم باسم العمليّات الاستشهاديّة مسألة معاصرةٌ مُحدثة تراعى في الحكم عليها المصالح و المفاسد، التي تختلف زمانًا و مكانًا، كما يسوغ الاختلاف في تقريرها بين أهل العلم و الخبرة، فتتباين آراؤهم تَبعًا لذلك، و يعذر الجميع لاجتهادهم، و يُدعى لعمومهم بالخير، و لا يُتّخذون عرضًا.
· في أحداث السيرة النبويّة و السنن الفعليّة و القوليّة و فعل السلف الصالح و أقوال الأئمّة ما يدل عن طريق القياس (لتوافق العلّة) على مشروعيّة العمليّات الاستشهاديّة بصوَرها المعاصرة، و خاصّة تلك الواقعة في دِيار الجهاد المتعيّن كفلسطين. ... =
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· إذا كان القياس إلحاقَ فَرعٍ بأصلٍ في الحُكم لعلّة جامعةٍ بينهما، و اتّحدت العلّة بين العمليّات الاستشهاديّة و الحمل على العدوّ و الاقتحام عليه و الغرر بالنفس في ذلك طلبًا للشهادة، فإنّ الحكم واحدٌ في ذلك كلّه، و إن اختلفت المسمّيات.
· لا وجه لتشبيه العمليّات الاستشهاديّة بالانتحار أو تسميتها بذلك؛ لاختلاف النيّة و الباعث و الأثر، و لا ينزّل حكم الانتحار على القائمين بهذه العمليّات، و لا يجوز لغيرهم الحكم على نيّاتهم، بل تُحمَل على أحسن المحامل