فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 386

المقصد السادس

دلالة القواعد الفقهيّة و الأصوليّة على مشروعيّة العمليّات الاستشهاديّة

استقرّت القاعدة الفقهيّة، على أنّ الأعمال بالنيّة، لما رواه البخاري في الصحيح و مسلم في المقدمة و أبو داوود و ابن ماجة في سننهما عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّمَا الاعمالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» قال الحافظ ابن حَجَر في الفتح [8/ 185 و ما بعدها] مُنيطًا الحُكمَ بقَصد صاحبهِ: أما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته، و ظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرِّئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهوّر فممنوع، ولا سيما إن ترتّب على ذلك وهن في المسلمين، واللّه أعلم. اهـ.

قلتُ: و إذا كانت النفس البشريّة مُلكًا لبارئها و خالقها، و العبدَ مؤتَمَنًا عَليها، مسؤولًا عنها، فليس له أن يتعدّى عليها فيؤذيها أو يزهقها بغير حقّ، فإن أداء الأمانة في أسمى صُوَرها، يكون بِبَذلِها لصاحبها و مالكها، فمن جاد بنفسه طواعيةً في سبيل الله فقد أدّى ما عليه و أمره إلى الله.

و من التجنّي و مجاوزة الحق؛ أن نحكم بالانتحار على من يريد الشهادة و يبذل نفسه في سبيل الله، تحكّمًا منّا في نيّته، و حكمًا على سريرته و ما في قلبه بغير علم، مع علمنا أنّه لو أراد الانتحار لسلك إليه طرقًا أخرى و ما أكثرها و أيسرها.

كما يُستدلّ على مشروعيّة العمل الاستشهادي بقاعدة (ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب) المقرّرة عند الأصوليين، ففي زمن الخَوَر و الضعف و الدَعة، بل الصدّ عن الجهاد و التآمر على أهله، و قطع السبل المفضية إليه، مع الإقرار بوجوبه و تعيّنه، لا يجد المجاهدون سبيلًا لمقارعة العدو و كسر شوكته، سوى الاقتحام بأنفسهم في صفوفه، رجاء ردّه على أعقابه، و احتساب الشهادة لمن يقضي في تلك العمليات من المسلمين، إذ لا بديل عن ذلك، و لا سبيل للجهاد سوى هذا السبيل، في ظل الظروف الراهنة، فيُشرع العمل بهذه الصورة استنادًا إلى القاعدة المتقدّمة الذِكر.

جاء في أضواء البيان للشيخ محمد الأمين بن المختار الشنقيطي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) [الحشر: 5] : إنّ الإذن بالقتال إذن بكل ما يتطلبه , بناء على قاعدة: الأمر بالشيء أمر به و بما لا يتم إلا به. اهـ.

و هاهنا شبهة يحسن الردّ عليها، و هي أنّ بعض المعاصرين أفتى بأن المقدم على الاقتحام في عمل استشهادي، منتحر قاتل لنفسه، مستحقّ للوعيد يوم القيامة.

و نذكّر من هذا مذهبه بقول علماء الأصول: (لا قياس مع الفارق) ، فكيف يُقاس من طلب الشهادة بتفجير نفسه إيمانًا و احتسابًا في العملية الاستشهادية، و يٌقبل على الله بنفس مطمئنّة فرحة مستبشرة متطلعة للشهادة والجنة و ما عند الله في الآخرة، و نصرة الدين و النكاية بالعدو و الجهاد في سبيله في الدنيا بمن قتل نفسه جزعًا و قنوطًا أو تسخطا على القدر و اعتراضا على المقدور أو استعجالا للموت أو تخلصا من الآلام و العذاب أو يأسا من الشفاء، بنفس خائفة يائسة ساخطة لا يستوون، فقد قال تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) ، و قال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) .

و أما من قاس العمليّة الاستشهاديّة على الانتحار، و ألحقها به في الحكم؛ بدعوى أنّ من يفجّر نفسه بين عناصر العدو يشبه المنتحر من جهة مباشرته قتل نفسه بيده أو بما يحمله من متفجّرات، لا بيد عدوّه أو سلاحه، فقد أبعَد النجعةَ و أفسدَ القياسَ، لأنّه لم يعِ مراد الأصوليين من تعريف للقياس بقولهم: هو إلحاق فَرعٍ بأصلٍ في الحُكم لعلّةٍ جامعة بينهما، و بالتالي لم يُفرّق بين العلّة و الصفة، فظنّ أنّ كلا الأمرين انتحار، ... =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأنّ فيه مباشرة للقتل، و غاب عليه أنّ العلّة التي دَفَعت المنتحر إلى إزهاق روحه، هي التخلّص من الحياة اعتراضًا على القَدَر، و سخطًا على ما لحقه من قضاء الله و قَدَره، و هذا خلاف ما تقدّم بيانه من دوافع المجاهد لبذل روحه في سبيل الله.

و إذا سلّمنا جَدَلًا أو تنزُّلًا بأنّ العلّة في الانتحار هي مباشرة المنتحر قتل نفسه، فما ظنّكم بمن يعترض سبيل سيارة أو قطار كما هو الشائع عند المنتحرين في الغرب اليوم، ألا يُعدُّ منتحرًا رغم أنّه لم يحمل أداة القتل بيده،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت