فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 386

[و في إسناد هذا الحديث مقال رغم تصحيح ابن حزم له في المحلى: 7/ 294، و روي بأسانيد أُخر في تاريخ الطبري: 2/ 33، و سيرة ابن هشام: 3/ 175] .

و في سير السلف الصالح من لدُن الصحابة الكرام فمن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين صورٌ رائعة، و نماذج فريدة، و أدلةٌ ساطعة على العمل الاستشهاديّ و مشروعيّته، و من ذلك:

ما جاء في قصّة تحصن بني حنيفة يوم اليمامة في بستان لمسيلمة كان يُعرف بحديقة الموت , فلمّا استعصى على المسلمين فتحه، قال البراء بن مالك رضي الله عنه (و هو ممّن إذا أقسم على الله أبَرّه، كما في سنن الترمذي بإسناد صحيح) لأصحابه: ضعوني في الجَحَفَة - أو قال: في ترسٍ، و هما بمعنىً - و ألقوني إليهم فألقوه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب للمسلمين [رواه البيهقي في سننه الكبرى: 9/ 44، و القرطبي في تفسيره: 2/ 364، و انظره في أسد الغابة و تاريخ الطبري مفصّلًا]

و روى الطبري [في تفسيره: 2/ 363] أنّ خيل المسلمين نفرت من فيلة الفرس لما لقيهم المسلمون في وقعة الجسر , فعمد رجل من المسلمين فصنع فيلا من طين و آنس به فرسه حتى ألفه , فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل , فحمل على الفيل الذي كان يقدم فيلة العدو فقيل له: إنه قاتلك. فقال: لا ضير أن أُقتل ويفتح للمسلمين.

و هذا الفعل ليس له في لغة الإعلام المعاصر تسمية يعرف بها إلا أن يكون عمليّة استشهادية يسميها العلمانيون فدائيّة أو انتحاريّة.

قلتُ: وجهُ الاستدلال بما رُوي و الاستئناس بما قيل في مسألة حمل المجاهد المقتحم على العدو العظيم لوحده أو الانغماس في الصف و تغرير النفس و تعريضها للهلاك بغلبة الظن أو التيقّن عدم الفارق بينها و بين العمليّات الاستشهاديّة في العصر الحاضر، حيث ينغمس المجاهد بين الكفار، أو يقبل عليهم مقتحمًا مغررًا بنفسه لينكي بهم و يوقع فيهم القتل والإصابة و يشرّد بهم من خلفهم.

و لا أزعم في هذه العجالة إجماعًا على مشروعية الاقتحام و التغرير بالنفس للإنكاء بالعدو و ما يقاس عليها من عمليات الاستشهاديين، بل المسألة خلافيّة، و سيأتي عرض الإمام القرطبي لقول المخالف فيها، و ذهابه مذهب الجمهور في القول بمشروعيتها و جواز الإقدام عليها، إن شاء الله.

المقصد الثالث

حكاية الإجماع على مشروعيّة تقحّم المهالك في الجهاد

نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله [في الفتح: 12/ 316] عن المهلب قوله: (و قد أجمعوا على جواز تقحّم المهالك في الجهاد (و روى ابن النحاس [في مشارع الأشواق: 1/ 588] مثل ذلك عن المهلب.

و حكى الإمام النووي رحمه الله [في شرح مسلم: 12/ 187] الاتفاق على التغرير بالنفس في الجهاد.

قلت: و في الإجماع المحكي إن ثبت إحقاق الحقّ إن شاء الله.

المقصد الرابع

في ذكر طائفة من أقوال السلف و الأئمة المتقدمين في هذا الباب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم يَرَ جمهور أهل العلم المتقدمين بأسًا في جواز الاقتحام و لو أدى إلى مهلكة، بل حكي استحباب ذلك عن أئمة المذاهب الأربعة، كما في كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة المتقدّم عند ذكر قصّة الغلام.

و لبيان ذلك أقتطف ما تيسّر من كتب المذاهب المعتمدة فأقول:

جاء في كتاب المبسوط للإمام السرخسي (و هو من الحنفية) : (لو حمل الواحد على جمع عظيم من المشركين فإن كان يعلم أنه يصيب بعضهم أو يُنكي فيهم نكاية فلا بأس بذلك، و إن كان يعلم أنه لا ينكى فيهم فلا ينبغي له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت