قال هشام: فانطلقت معه وقلت لا بد أن اشهد أمره وما يكون منه، فلم يزل يلقي نفسه تحت مكايد العدو نهاره كله ولا يصل إليه شيء، وهو يؤثر فيهم الآثار وأنا أرعاه بطرفي من بعيد لا أستطيع الدنو منه، حتى إذا تدلت الشمس للغروب، وهو أنشط ما كان فإذا رجل من فوق حائط الحصن قد تعمده بسهم فوقع في نحره فخر صريعًا وأنا انظر إليه فصحت بالناس فابتدروه فجذبوه وبه رمق، وجاءوا به يحملونه فلما رأيته، قلت له: هنيئًا لك ما تفطر عليه الليلة، يا ليتني كنت معك، قال فعض شفته السفلى وأومأ إليّ بطرفه وهو يضحك يذكّرني ما كان سألني بالكتمان عليه، ثم قال: الحمد لله الذي صدقنا وعده، فوالله ما تكلم بشئ غيرها، ثم قضى رحمة الله عليه.
قال هشام: فقلت بأعلى صوتي يا عباد الله لمثل هذا فليعمل العاملون، اسمعوا ما أخبركم به عن أخيكم هذا، فأقبل الناس إلي فحدثتهم بالحديث على وجهه، فما رأيت قط أكثر من تلك الساعة باكيًا ثم كبروا تكبيرة اضطرب لها العسكر، وجعل الناس يخبر بعضهم بعضًا حتى ذاع الحديث في جميعهم فأقبلوا للصلاة عليه وبلغ مسلمة بن عبد الملك وأقبل وقد وضعناه لنصلي عليه، فلما حضر قلنا إن رأى الأميرـ أصلحه الله ـ أن يصلي عليه، فقال: بل يصلي عليه صاحبه الذي عرف من أمره ما عرف.
قال هشام: فصليت عليه ودفناه في موضعه وعمّينا أثر القبر، وبات الناس يذكرون حديثه ويحرّض بعضهم بعضًا ثم أصبحوا فنهضوا إلى الحصن بنيّات مجددة وقلوب مشتاقة إلى لقاء الله تعالى، فما أضحى النهار حتى فتح الله الحصن ببركته رحمه الله.*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* حدثني قبل خمسة أشهر أحد الشباب العائدين من الحدود مع العراق حيث لم تسمح له ظروفه الخاصة بدخول العراق، وأسأل الله أن يفك أسره.
يقول: بعت سيارتي وأخذت دراهمها لأستعين بها في الوصول إلى"العراق"- التي هي أحد أراضي المسلمين التي تقبع تحت احتلال كفار ظالمين لمقارعتهم واستجابة أمر الله - عز وجل - بقتالهم -، وحينما وصلت إلى فندق بأحد الدول المجاورة للعراق جاءنا بعد يومين من إقامتنا شابان تابعان لـ (تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين) ، وقد عجبت من شدة احتياطاتهم الأمنية وتوكلهم على الله تعالى، وقد تكلموا معنا طويلًا عن الإيمانيات والجنة وفضل الجهاد، ثم قالوا: لقد أصدرت قيادة القاعدة قرارًا بعدم قبول أحد من المهاجرين إلا أن يكون مستعدًا للإستشهاد بأية لحظة، ومن شاء منكم أن يقوم بعمل استشهادي فدائي فليدخل ولنأخذ بيعته للأمير أبي مصعب الزرقاوي وإلا فلا!.
يقول الأخ: قبِل الآخرون الذين كانوا معي العرضَ ودخلوا، ولكني لذنوبي وخوفي الشديد من العمل الإستشهادي قررت الرجوع للعيش مع الأهل في هذه الحياة الفانية، لكن ما أدهشني ما قاله أحد الشابين في كلامهم الإيماني معنا عن فضل الجهاد وما في الجنة من النعيم المقيم وعن حورها الحسان، وعن لقاء الله - ملك الملوك - تبارك وتعالى والتلذذ برؤية وجهه الكريم حيث ليس بين العبد الصادق وبين ذلك سوى سيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ