اصطلاح العمليّات الاستشهاديّة اصطلاح مركب من:
العمليّات؛ و هي جمع عمليّة: لفظ مشتق من العمل , يصدق على كل ما يُفعل، و هو من الألفاظ المحدثة , و يُطلَق على جملة أعمال تُحدث أثرًا خاصًا , فيقال: عمليةٌ جراحية، أو عمليّة حربية [انظر: المعجم الوسيط مادة: عم] .
و العمليّة بهذه الصيغة مصدر صناعي دال على معنى خاص لم يكن ليدل عليه لولا زيادة الياء و التاء المربوطة في آخره، و الفرق بين العمل و العملية كالفَرق بين الإنسان و الإنسانية، و الحزب و الحزبية، و الحجة و الحجية , و الحكم و الحاكمية، و الإله و الإلهيّة، و ما إلى ذلك.
و الاستشهاد: طلب الشهادة، و هي القتل في سبيل الله.
روى مسلمٌ و أحمد عَنْ أَبِى مُوسَى الأشعري رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَىُّ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ» و عليه فإنّ العمليات الاستشهادية: أعمالٌ مخصوصة يقوم بها المجاهد في سبيل الله، مع التيقّن أو غلبة الظن أنّها تُثْخِن في العدو و يَبلُغ القائم بها مراتب الشهداء بالقتل في سبيل الله.
وهي بصورها العصريّة نمط من أنماط المقاومة الحديثة، عُرفت بعد اكتشاف المتفجّرات في العصر الحديث، و اشتهرت بعد أن أصبحت من وسائل ما يُعرف بحروب العصابات، و سُبِق المسلمون إلى استعمالها، حيث عُرِفت في الحرب الأهليّة الأمريكيّة و حَرب أمريكا في فيتنام و اليابان، و أنحاء أخرى من العالم قبل أن يستعملها المسلمون الذين لجؤوا إليها لقلّة البدائل و الوسائل المتاحة في أيديهم، و عدَم تمكنّهم من الصمود و الوقوف في وجوه الأعداء بإمكانيّاتهم المحدودة، مؤثرين بالإقدام عليها ميتة العزة و الكرامة في سبيل الله، على العيش في ذل و هوان، و كأنّهم يتمثّلون قول الأوّل:
لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ و لتَسقني بالعز كأس الحنظلِ
و في المقاصد التالية إن شاء الله تقريرٌ لمشروعيّة هذه العمليّات و فضل القيام بها، و ما يُحتسب عند الله تعالى من ثواب الشهداء و منازلهم للقائمين بها ابتغاء ما عنده، قياسًا على ما جاء في مسألة المقتحم المغرر بنفسه في صف العدو في كتاب الله تعالى و سنّة نبيّه صلّى الله عليه و سلّم.
المقصد الثاني
الأدلّة على مشروعيّة و فضل الاقتحام على العدو و التغرير بالنفس في ذلك من الكتاب و السنّة و نماذج من سيَر السلف الصالح في إقراره.
يدلّ على ما ذهبنا إليه من مشروعيّة و فضل خوض العمليّات الاستشهاديّة ما جاء في قصّة أصحاب الأخدود التي رواها مسلم و الترمذي و أحمد عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه، و فيها قَول الغلام للملك: «إِنَّكَ لَسْتَ بقاتلي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قال: وَما هُوَ قال: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِى عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِى ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِى كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ. ثُمَّ ارْمِنِى فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتنى. فَجَمَعَ النَّاسَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِى كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قال: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ. ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِى صُدْغِهِ فَوَضَعَ يدَه فِى صُدْغِهِ فَمَاتَ فَقَالَ: النَّاسُ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ» . قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله [في مجموع الفتاوى: 28/ 540] بعد ذكر قصّّّة الغلام هذه: (و فيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين و لهذا أحب الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين (.
قال الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله [في شرح رياض الصالحين: 1/ 165] : (إن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامَّة للمسلمين، فإن هذا الغلام دلَّ الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يأخذ سهمًا من كنانته ... الخ (. فانظر - رحمك الله - كيف أقدَم الغلام المؤمن على ما من شأنه أن يقتله يقينًا رجاء مصلحةٍ راجحةٍ و هي إسلام قومه، الذين دخلوا بسببه في دين الله أفواجًا، و هذا من شرع من قَبلَنا الذي لا ناسخ و لا معارض له في نصوص الكتاب و السنّة، و الله أعلم.
و قد حَمَل عددٌ من الصحابة الكرام فمن بَعدَهم قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ