443 ـ روى ابن المبارك عن عبد الرحمن المصري قال: حدثني عبد الكريم ابن الحارت الحضرمي قال: حدثني أبو أدريس قال: قدم علينا رجل من أهل المدينة، يقال له زياد: فغزونا صقلية من أرض الروم، فحاصرنا مدينة وكنا ثلاثة مترافقين، أنا وزياد ورجل آخر من أهل المدينة، قال: فإنّا لمحاصروها يومًا وقد وجهنا أحدنا ـ الثالث ـ ليأتينا بطعام، إذ أقبلت منجنيقة فوقعت قريبًا من زياد فَشَظَيَتْ منها شَظْية فأصابت ركبة زياد فأغمي عليه، فاجتررته وأقبل صاحبي فناديته، فجاءني فبرزنا به حيث لا يناله النبل والمنجنيق، فمكثنا طويلًا من صدر نهارنا لا يتحرك منه شيء ثم افتَّر ضاحكا حتى تبينت نواجذه ثم خمد، ثم بكى حتى سالت دموعه، ثم ضحك مرة أخرى، ثم بكى ثم مكث ساعة فأفاق وأستوى جالسًا، فقال: مالي هاهنا؟ فقلنا: أما علمت ما أمرك قال لا. قال: أما تذكر المنجنيق حين وقع إلى جنبك؟ قال: بلا. فقلنا إنه أصابك منها شيء، فأغمي عليك ورأيناك صنعت كذا وكذا. قال: نعم أخبرك، أنه أفضي بي إلى غرفة من ياقوت أو زبرجد، وأفضي بي إلى فرش موضونة بعضها إلى بعض، بين يدي ذلك سماطان من نمارق فلما أستويت قاعدا على الفرش، سمعت صلصلة عن يميني فخرجت امرأة فلا أدري هي أحسن أم ثيابها أم حليها، فأخذت إلي طرف السماط فلما استقبلتني رحبت وسلمت، وقالت: مرحبا بالجافي الذي لم يكن يسألنا الله عز وجل، ولسنا كفلانة ـ يعني امرأته ـ فلما ذكرتها بما ذكرتها ضحكت وأقبلت حتى جلست عن يميني فقلت: من أنت؟ فقالت: أنا خود زوجتك فلما مددت يدي، قالت: على رسلك إنك ستأتينا عند الظهر، فبكيت فحين فرغت كلامها، سمعت صلصلة عن يساري فإذا أنا بامرأة مثلها، فوصف نحو ذلك فصنعت كما صنعت صاحبتها، فضحكت حين ذكرت المرأة وقعدت عن يساري، فمددت يدي فقالت على رسلك أنك تأتينا عند الظهر، فبكيت قال: وكان قاعدا معنا يحدثنا فلما أذن المؤذن مال فمات.*
الخود: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة هي المرأة الحسناء الناعمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
443 ـ كتاب الجهاد لابن المبارك. (ص 769)
* (الهزبر النّهدي)
حتى أطأ بعُرجتي الجنة""
هو الصّادق الصّدوق، القويّ بالله، المُبتلى المُعافى، أصدَقُ من رأيت سريرةً وأصفى مَنْ وقعَت عليه عيني فيما أظنُّ فؤادًا، كان صادقًا مع مولاه- نحسبه -، فجازاهُ خيرَ الجزاء وبشّره خيْرَ البُشرى في الحياة، وقبْل الممات، ولهُ عنده الحُسْنى ومزيدْ ...
فمن هو؟
شابٌ ثريّ من بلاد الحرمين، نهديُّ الأصْلِ، عاشَ حياة التّرف، وعَرِفَ معنى النّعيم، لكنّه لفَظَ الجميع وسعى ملبّيًا يُنادي (حيّ على الجهاد) ، لمّا قرأ قول مولاه: {انْفِروا خِفافًا وثِقالًا} ، وقرأ وعلِمَ قولَ أبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيّوب الأنصاري، وعلِمَ أقوال العُلماء أنها لم تترك لأحد عُذرًا، فهمَّ بالرحيل، وأخذَ يودّع أهله ويجهّزُ نفسه، لكنّ شيطانه همَسَ في أذنه: كيف تذهب وأنتَ معذور؟ ألستَ مصابًا بشلل الأطفال؟ رِجلُك لا
تحملُك على المشي البطيء، فضْلًا عن الجَرْي، و يدُك اليُسْرى شِبهُ معطّلة، كيفَ تستطيع حمل السلاح؟.