أن يفعل ذلك). [المبسوط، للسرخسي: 10/ 76]
و ذَكَر الجصّاص في تفسيره أن محمد بن الحسن الشيباني صاحبَ أبي حنيفة ذكر في السير الكبير أن رجلا لو حمل على ألف رجل و هو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، فإن كان لا يطمع في نجاة و لا نكاية فإني أكره له ذلك، لأنه عرض نفسه للتلف بلا منفعة للمسلمين، و إنما ينبغي للرجل أن يفعل هذا إذا كان يطمع في نجاة أو منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة و لا نكاية و لكنه يجرِّيء المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل، فيقتلون و ينكون في العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو و لا يطمع في النجاة لم أر بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن يُُُنْكِِِِيَ غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك، و أرجو أن يكون فيه مأجورا، و إنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، و إن كان لا يطمع في نجاة و لا نكاية و لكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك لأن هذا أفضل النكاية و فيه منفعة للمسلمين [أحكام القرآن للجصاص: 1/ 327]
و وافقه الجصاص فقال [في أحكام القرآن، له: 1/ 328 و ما بعدها] :
والذي قال محمد من هذه الوجوه صحيح لا يجوز غيره، و على هذه المعاني يحمل تأويل من تأوّل في حديث أبي أيوب أنه ألقى بيده إلى التهلكة، بحمله على العدو إذ لم يكن عندهم في ذلك منفعة، و إذا كان كذلك فلا ينبغي أن يتلف نفسه، بدون منفعة عائدة على الدين و لا على المسلمين، فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إنَّ اللَّهِ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) [التوبة: 111] ، و قال: (و لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169] ، و قال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) [البقرة: 207] ، في نظائر ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بذل نفسه لله. اهـ.
و ممّن انتصر لذلك الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال [في كتاب الأم: 4/ 169] : (لا أرى ضيقًا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل و إن كان الأغلب أنه مقتول , لأنه قد بودر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، و حَمَل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بما في ذلك من الخير فقُتِل (
و في كلام الشافعي إشارة إلى ما رواه مسلم في صحيحه و أحمد في مسنده من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ المتقدّم.
و قال الإمام النووي رحمه الله [في باب ثبوت الجنة للشهيد من شرح مسلم: 13/ 46] بعد ذِكر قصّة صاحب التَمرات: فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء. اهـ.
و قال في شرح حديث إياس بن سلمة الثابت في صحيح مسلم: و فيه إِلْقَاء النَّفْس فِي غَمَرَات الْقِتَال , و َقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز التَّغْرِير بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَاد فِي الْمُبَارَزَة وَنَحْوهَا.
و في كتاب الفروع لابن مفلح الحنبلي [6/ 189] : (قال و لو حمل على العدو و هو يعلم أنه لا ينجو لم يُعِن على قتل نفسه و قيل: له - أي للإمام أحمد - يحمل الرجل على مائة؟ قال: إذا كان مع فرسان، و ذكر شيخنا أنّه يستحب انغماسه لمنفعة للمسلمين و إلا نهى عنه و هو من التهلكة (
قال أبو عبداللّه القرطبي [في تفسيره: 2/ 363 و ما بعدها] : اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة، وكان للّه بنيّة خالصة، فإن لم تكن له قوة فذلك من التهلكة، و قيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصوده واحد منهم. اهـ. = ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثمّ نقل [في تفسيره أيضًا: 2/ 364] قول بعض المالكيّة: إن حمل على المائة أو جملة العسكر و نحوه و علم أو غلب على ظنه أنه يقتل، و لكن سينكي نكاية أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز، و نقل أيضا عن محمد بن الحسن الشيباني قوله: لو حمل رجل واحد على الألف من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه؛ لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه؛ لأن فيه نفعًا للمسلمين على بعض الوجوه، فإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم العدو صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه إذا كان فيه نفع للمسلمين، فَتَلَفُ النفس لإعزاز دين اللّه وتوهين الكفر؛ هو المقام الشريف الذي مدح اللّه به المؤمنين في قوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) [المائدة: 111] ، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح اللّه