وقوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ 4، وقوله تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 5، وقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} 6.
فدلت هذه الآيات على أن الدعاء عبادة، فمن صرف شيئا من هذه العبادة لغير الله، سواء كان ملكا، أو نبيا، أو وليا، أو جنيا، أو إنسيا، أو حجرا، أو شجرا، فهو مشرك كافر.
وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى?وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} 1 الآية؛ فهذه الأشجار والأحجار، كانت تعظمها أهل الجاهلية، وينحرون لها، ويعتقدون أنها تقبل النذر، أي: تقبل العبادة.
ولما"خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، عام الفتح، قاصدا حنينا، مر بشجرة يقال لها"ذات أنواط"، فقالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} . لتركبن سنن من كان قبلكم) 2") أخرجه الترمذي، عن أبي واقد الليثي.
فشبه المقالة بالمقالة، لأن قولهم اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، أي: اجعل لنا إلها، كما لهم آلهة; فهذه الأضرحة، وهذه الأماكن، هي من مواسم الشرك؛ فالنذر لها، وتقبيلها، واستلامها، هو الشرك الأكبر، الذي نزلت الكتب، وأرسلت الرسل بتحريمه، وقتال من دان به، واستحلال دمه وماله.