ثم زحف إلي دمشق، فحل بأهل دمشق من البلاء ما لا يوصف، وجرى عليهم من العذاب وهتك الأعراض شيء تقشعر منه الجلود، واستمر هذا البلاء تسعة عشر يومًا فهلك في هذه المدة بدمشق بالعقوبة والجوع خلق لا يعلم عددهم إلا الله.
ولما رحل تيمورلنك عن دمشق، وقد أصبحت أطلًالًا، لا مال ولا رجال، ولا مساكن ولا حيوان، صار من بقي فيها من عساكر وسلطان، ومن أهلها، يجتمعون ويترافقون ويخرجون إلي الديار المصرية.
وبسبب هذه الفتنة خرج ابن النحاس إلي المدينة (( المنزلة ) )في مصر فأكرمه أهلها وذلك في سنة 803 هـ، ثم تحول إلي دمياط فاستوطنها إلي أن استشهد.
ومن هنا يتضح لنا أن كتاب ابن النحاس هذا ليس إلا وليد هذا العصر، وثمرة هذا الجو القاتم الذي عاناه زمنًا غير قليل، لأنه رأى الظلم فاشيًا بين بني الإنسان، وارتفعت أمواج الطغيان، وتربى بين حروب ساحقة، ونار شر محرقة، حتى اندفع إلي تأليف هذا الكتاب، يحثّ به المسلمين على الجهاد في سبيل الله لأنه أدرك أن سبب هذه الفتنة التي نزلت بالمسلمين هو تعطيلهم لهذا الركن.