وتتفاقم الأمور سوءًا ويزداد الأمر صعوبة حيث بدأت نيران العدو تنهال نحو رجال الإسلام فبقي المجاهدون في جهةٍ واحدة وهم في ذهول وحيرة من امرهم، فليس عندهم من العدة والعدد ما يكفي للمواجهة. وهنا تبرز اهمية الإيمان وما يورثه في النفس من ثبات وإثار، وضرورة القائد الشجاع الذي لا تهده عزيمته البلايا ولا توهن قوته الأهوال.
فكر قائدنا من غير تردد وقرر من غير خوف، واطلق مسرعًا في تنفيذ ما قرره على عجل، فركض نحو السيارة وكان يريد بعمله هذا لفت انتباه العدو إليه علّهم ان ينشغلوا به عن إخوانه المجاهدين، فضحى بنفسه ليخلص إخوانه المجاهدين من تلك المصيده. وتم له ذلك على الرغم من المخاطرة المباشرة على حياته، ولكن الأمر تم كما يريد الله ويحب، لا كما يريده أعداؤه ويحبون.
امتطى صاحبنا المحنك صهوة مركبته وانطلق سراعًا كأنه البرق الخاطف، وراح الصليبييون يطاردونه تاركين بقية المجاهدون في حفظ وامان.
فعاد المجاهدون وهم يحملون اسلحتهم على اكتافهم ويدعون لصاحبهم بالسداد والرشاد والسلامة من كيد الصليبيين الذين مكر بهم وانطلت عليهم خديعة قائدنا المحنك.
فتوجهوا خلف سيارته بسرعة عاليه جدا وهم يطلقون عليه انواع العتاد وألوان القذائف، حتى غدت سيارته لا تعرف من كثرة ما تعرضت له وحين قاربوا على اللحاق به اعترضته سيارة احد المزارعين في طريق ضيق لا يسمح بمرور سيارة أخرى، واوشكوا على تحقيق مأربهم والقبض على القائد ولكنه تدارك الموقف وانسل بخفيه نحو طريق آخر اكثر وعورة وضيقًا وتمكن من الأبتعاد عن ساحة الخطر وظن انه صار في مأمن منهم، لكنه يفاجأ بأن الطريق الذي سلكه مسدود والأشد من ذلك ان الصليبيين لم ييأسوا من الظفر به، فتابعوا اللحاق به والبحث عنه، واصبح صاحبنا تحت أنظارهم وتحت مرمى نارهم، ولكن اين يذهب؟ هل يفر منهم؟ ام يستسلم لهم؟ وهنا تتجلى هداية الله للمجاهدين وعنايته به، فنزل من السيارة وتلفت يمينا وشمالًا فلم يرى أمامه سوى مبزل صغير لم يبق فيه إلا اليسير من الماء وبعضًا من نباتات البردي والقصب المتناثر هنا وهناك فلا الماء يكفي للغطس ولا النبات يحول دون نفاذ البصر ولكن ماالحل وليس امامه سوى هذا المفر وقرر النزول في الماء وجلس فيه على هيئة القرفصاء كي لا يرى منه شيء سوى انفه الذي ابى ان يهان على ايدي أخوة القردة والخنازير. وصل الأمريكان واخذوا يستكشفون جوانب المبزل وتوصل احدهم إلى مكان اختباء فارسنا ونادى اصحابه الذين تقاطروا تباعًا حتى طوقوا المكان واخذوا يصبون إطلاقهم نحو المخبأ المكشوف للعيان إلا من حفظ الله وكفايته.
وهنا نترك الكلام لصاحب القصة فهو أحق بوصف ملحمته، يقول صاحبنا: ولقد هممت عندها ان اخرج إذ لا مجال للاختباء ولا فرصة للنجاة، ولكنني قلت لنفسي: ااخرج إليهم بنفسي بعد كل ما مر؟ وإذا بالسكينة تحفني وترخي سدولها على نفسي، واصبح ذكر الله لا يفارق لساني الذي يردديذ1 324324 اتجاه ممكن حتى إذا وصلوا إلي عميت ابصارهم عني فإذا جاوزوني اخذوا يرمون مرة أخرى. ولما يأسوا مني عمدوا إلى الأتصال بطائرتهم التي قامت بإلقاء القنابل الصوتيه بالقرب من مكان اختبائي محاولة إجباري على الخروج من المبزل الذي احسبه قد صار بحرًا ضخمًا بالنسبة لعين الصليبيين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولكن الله سلم وستر، فقد نتج عن القنابل الصوتيه تجمع نباتات البردي والقصب والتفافها حولي كأنها الظفيرة ولم تُجدِ نفعًا تلك المحاولات فغادروا المكان ولكنهم تركوا اثنين من جنودهم بالقرب من مكاني يرقبان خروجي،
وبقيت اكثر من ثلاث ساعات دون جدوى فتركاني وحيدًا، وصدق الله إذ يقول {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ... } [الأحزابـ ـ 25] ، ولما خرجت من المبزل تفاجأ الناس بنجاتي وحل الفرح والسرور على تلك الوجوه المسلمه بعد ان احزنها منظر الكفار وهو قتل رجل مسلم ليس له ذنب سوى رفضه الذل وطلبه العز لدينه. وقد سارع صاحب المنزل الذي جرت المعركة بالقرب من داره فأدخلني إلى بيته واحظر لي ملابس جديده وتناولت معه الطعام ولم يتركني حتى أطمأن على سلامتي.
وعدت لأهلي معافىً سالمًا من كيد الأمريكان ومعافى من مرض القولون، اتدرون يا اخوتي كيف ذاك؟
لقد كنت مصابًا بمرض القولون المزمن، والله يشهد اني ما شفيت منه إلا بعد ذاك الحدث. وكان من تمام سروري ان اخوتي الذين فديتهم بروحي وآثرتهم على نفسي لم يتركونني وحيدًا، إذ تبين لي انهم كانوا يبحثون عني وقد قابلتهم فعلًا اثناء خروجي من القرية، وعدنا سوية مهللين ومكبرين ولسان حالنا يقول {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ (36) } [الزمرـ 36]