وهما نوعان مهمّان إذ يعرف بذلك تأخير الناسخ عن المنسوخ، واختلف الناس في
الاصطلاح فيهما، فالمشهور أن ما نزل قبل الهجرة مكي وما بعدها مدني، سواء نزل بمكة أو المدينة أو غيرهما من الأسفار، وقيل: المكيّ ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدنيّ:
ما نزل بالمدينة.
قلت: وعلى هذا القول ثبتت الواسطة قال البلقيني: ويؤيد الأول إجماعهم على أن المائدة مدنية مع أن فيها ما نزل بعرفات.
قلت: العجب منه أنه ادّعى هنا الإجماع ثم في آخر النوع استثنى منها النازل بعرفات وقال: إنه على الاصطلاح الثاني فأين الإجماع، ثم قال: وقيل المدني خمس وعشرون سورة: البقرة وثلاث تليها، والأنفال وبراءة، والرّعد، والحج، خمس وعشرون سورة، والقتال، والفتح، والحجرات، والحديد، والتحريم، وما بينهما، والقيامة، والزلزلة، والنصر، ومن عدّها لم يذكر الفتح وهي سفرية، والمشهور أن القدر والمعوذتين مدنيتان وأن الرحمن والإنسان والإخلاص مكيّات، وقيل: الحج، والحديد، والصّفّ، والتغابن، والقيامة، والزلزلة مكيّات.
وذهب قوم إلى أن الفاتحة مدنية، وقال آخرون: نزلت مرتين، وقال بعضهم: نزل نصفها بمكة، ونصفها بالمدينة، وقال أبو الحسن الحصّار في كتابه الناسخ والمنسوخ:
المدني عشرون سورة ونظمها مع السور المختلف فيها في أبيات فقال:
يا سائلي عن كتاب الله مجتهدا ... وعن ترتّب ما يتلى من السّور
وكيف جاء بها المختار من مضر ... صلى الإله على المختار من مضر
وما تقدّم منها قبل هجرته ... وما تأخّر في بدو وفي حضر
ليعلم النسخ والتخصيص مجتهد ... يؤيّد الحكم بالتاريخ والنظر
تعارض النقل في أمّ الكتاب وقد ... تولّت الحجر تنبيها لمعتبر
أمّ القرآن وفي أمّ القرى نزلت ... ما كان للخمس قبل الحمد من أثر
لو كان ذاك لكان النّسخ أولها ... ولم يقل بصريح النّسخ من بشر
وبعد هجرة خير النّاس قد نزلت ... عشرون من سور القرآن في عشر
فأربع من طوال السبع أوّلها ... وخامس الخمس في الأنفال ذي العبر
وتوبة الله إن عددت سادسة ... وسورة النّور والأحزاب ذي الذكر
وسورة لنبيّ الله محكمة ... والفتح والحجرات الغرّ في غرر
ثم الحديد ويتلوها مجادلة ... والحشر ثم امتحان الله للبشر
وسورة فضح الله النفاق بها ... وسورة الجمع تذكارا لمذّكر
وللطّلاق وللتحريم حكمهما ... والنّصر والفتح تنبيها على العمر
هذا الذي اتفقت فيه الرواة له ... وقد تعارضت الأخبار في أخر
فالرّعد مختلف فيها متى نزلت ... وأكثر الناس قالوا الرّعد كالقمر
ومثلها سورة الرحمن شاهدها ... مما تضمّن قول الجنّ في الخبر
وسورة للحواريّين قد علمت ... ثم التغابن والتطفيف ذو النّذر
وليلة القدر قد خصّت بملّتنا ... ولم يكن بعدها الزلزال فاعتبر
وقل هو الله أوصاف خالقنا ... وعوذتان تردّ البأس بالقدر
وذا الذي اختلفت فيه الرواة له ... وربّما استثنيت آي من السّور
وما سوى ذاك مكّيّ تنزّله ... فلا تكن من خلاف الناس في حصر
فليس كلّ خلاف جاء معتبرا ... إلّا خلافا له حظّ من النّظر
وقد روينا من طرق عن الصحابة والتابعين عدّ المكّيّ والمدنيّ فقال البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو محمد بن زياد العدل. حدّثنا محمد ابن إسحاق حدّثنا يعقوب بن إسحاق الدّورقي. حدّثنا أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي.