فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 171

وقد توافقت الأقوال التي حكيناها على أن سورة يونس مكّية، وفيها أيضا قولان، فروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من طريق خصيف عن مجاهد عن عبد الله بن الزبير أنها مكية، وروي مثله من طريق عطاء وغيره عن ابن عباس ثم روي من طريق عطاء عنه أنها أنزلت بالمدينة والله تعالى أعلم.

وقد ظهر لي بالنظر في الأدلة النقلية ما يرجّح بعض الأقوال في السور المختلف فيها فمن ذلك: الحديد، فالمختار أنها مكّية، ففي مسند البزار وغيره عن عمر قال: كنت أشدّ الناس على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكر الحديث في إسلام أخته ومجيئه لها مغضبا وجلوسه في بيتها على السرير قال: فإذا عليه صحيفة فقلت: ما هذه الصحيفة؟ فقالت: دع هذا فإنه لا يمسّه إلّا المطهّرون، وأنت لا تطهر من الجنابة، قال: فما زلت بها حتى ناولتني إياها فإذا فيها: بسم الله الرّحمن الرّحيم. {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

حتى بلغ {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} . الحديث.

وإسلام عمر قديما قبل الهجرة بدهر مديد. وروى الحاكم عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامهم وبين نزول هذه الآية يعاتبهم الله بها إلّا أربع سنين {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [ (57) الحديد: 10] .

فظاهره أنه قبل الهجرة بست سنين أو أكثر على الخلاف في مدة إقامته صلّى الله عليه وسلّم بمكة بعد البعثة، ومن ذلك: الكوثر والمختار أنها مدنية لحديث أنس في نزولها الآتي في النومي، وأنس لم يكن بمكة وإنما كان بالمدينة. ومن ذلك الصّف، والمختار أنها مدنية أيضا لحديث عبد الله بن سلام في نزولها الآتي أيضا وهو إنما كان بالمدينة. ومن ذلك:

المعوّذتان والمختار أنهما مدنيتان، وأما الفاتحة فالمختار فيها قول الجمهور، ولكن روى الطبراني في الأوسط قال: حدّثنا عبيد بن غنّام حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن مجاهد عن أبي هريرة أن إبليس رنّ حين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة. هذا إسناد رجاله رجال الصحيح، وقد كان خطر لي في القدح فيه أن الجملة الأخيرة منه مدرجة في الحديث وليست منه، ثم رأيت أبا عبيد أخرجها من قول مجاهد فقال: حدّثنا عبد الرحمن بن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة، وأخرجها عنه أيضا الفريابي في تفسيره، وأخرج مقاتل في تفسيره الجملة الأولى عنه أيضا فصار علة للحديث المرفوع.

ضابط: روى البيهقي في الدلائل والبزّار في مسنده من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: ما كان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أنزل بالمدينة، وما

كان: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} فبمكة، قال ابن عطية: هو في: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} صحيح، وأما: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} فقد يأتي في المدنيّ، وقال ابن الحصّار: قد اعتني المتشاغلون بالنسخ بهذا الحديث واعتمدوه على ضعفه، وقد اتفق الناس على أن النساء مدنيّة وأولها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت