الثانية: اختلف في المقصود بهذه السّبعة على نحو أربعين قولا، وأنا أذكر منها ما هو أوجه وأشبه فقال خلق منهم: سفيان بن عيينة وابن جرير ونسبه بعضهم لأكثر العلماء:
إن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل، وتعال، وهلمّ، كما تقدم لي بعض ألفاظ أبي بكرة وروي عن أبيّ أنّه كان يقرأ: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا} [ (57) الحديد: 13] للّذين آمنوا أمهلونا للّذين آمنوا أخّرونا للّذين آمنوا ارقبونا وكان يقرأ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [ (2) البقرة: 20] مرّوا فيه سعوا فيه.
قال الطّحاوي: وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ النّاس القرآن على سبع لغات لما كان يتعسّر على كثير منهم التلاوة على لغة قريش وقراءة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ ثم نسخ بزوال العذر وتيسّر الكتابة والحفظ، وكذا قال ابن عبد البر، والقاضي الباقلاني.
وقال آخرون وروي عن ابن عباس: نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن، قال أبو عبيد وهم: بنو سعد بن بكر، وجشم، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهو أفصح العرب، والأخريان: قريش، وخزاعة. وقال الهروي: المراد على سبع لغات، أي أنها متفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل.
وقال بعضهم: المراد بها: معاني الأحكام كالحلال والحرام، والمحكم والمتشابه والوعد والوعيد ونحو ذلك، وكل ذلك ضعيف ما عدا الأول فإنه أقرب، والصواب أن المراد بها اختلاف القراءات.
ثم قال أبو عبيد: ليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف ولكن بعضه على حرف وبعضه على آخر، واختاره ابن عطيّة وكذا قال أبو عمرو الدّاني: المراد على سبعة أوجه وأنحاء من القراءات قال قوم: ليس المراد بالسّبعة الحصر فيها بحيث لا يزيد ولا ينقص بل السّعة والتيسير وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما أذن لهم فيه والعرب يطلقون لفظ السّبعة والسّبعين والسّبعمائة ولا يريدون حقيقة العدد بل التكثير، وردّه ابن الجزري بأن في بعض ألفاظه: «فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة، فدل على أن حقيقة العدد وانحصاره مراد، قال: وقد تتبعت صحيح القراءات وشاذّها وضعيفها ومنكرها فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها وذلك: إما في الحركات بلا تغيّر في المعنى والصّورة نحو: {بِالْبُخْلِ} [ (4) النساء: 37] ، بأربعة ويحسب بوجهين، أو بتغيّر في المعنى فقط نحو: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [ (2) البقرة: 37] ، وإما في الحروف بتغيّر المعنى لا الصورة نحو: (نبلو) (تتلو) أو عكس ذلك نحو: الصّراط السّراط، أو بتغيّرهما نحو: وامضوا واسعوا.
وإمّا في التّقديم والتأخير نحو {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [ (9) التوبة: 111] ، أو في الزيادة والنقصان نحو: (أوصى ووصّى) [ (2) البقرة: 132] ، فهذه سبعة لا يخرج الاختلاف عنها.