التفسير: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} أي نزَّه اللهَ وقدَّسه ومجَّده جميعٌ ما في السمواتِ والأرض من مَلَك، وإنسان، ونبات، وجماد {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإِسراء: 44] قال الإِمام الفخر: أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السموات والأرض {وَهُوَ العزيز الحكيم} أي وهو الغالب في ملكه، الحكيم في صنعه، الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة {ياأيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} أي يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله لم تقولون بألسنتكم شيئاً ولا تفعلونه؟ ولأي شيءٍ تقولون نفعل ما لا تفعلونه من الخير والمعروف؟ وهو استفهام على جهة الإِنكار والتوبيخ قال ابن كثير: هذا إنكارٌ لعى من يَعِد وعداً، أو يقول قولاً لا يفي به، وفي الصحيحين «آية المنافق ثلاثٌ: إِذا وعد أخلف، وإِذا حدَّث كذب، وإِذا ائتمن خان» ثم أكَّد الإِنكار عليهم بقوله {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله} أي عظُم فعلكم هذا بغضاً عند ربكم {أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} أي أن تقولوا شيئاً ثم لا تفعلونه، وأن تَعشدوا بشيء ثم لا تفون بهن قال ابن عباس: كان ناسٌ من المؤمنين قبل أن يُفرض الجهاد يقولون: لوددنا أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ َّ دلنا على أحبِّ الأعمال إِليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإِيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناسٌ من المؤمنين وشقَّ عليهم أمره فنزلت الآية وقيل: هو أن يأمر الإِنسان أخاه بالمعروف ولا يأتمر به، وينهاه عن المنكر ولا ينتهي عنه كقوله تعالى {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] ؟ ثم أخبرهم تعالى بفضيلة الجهاد في سبيل الله فقال {إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً} أي يحب المجاهدين الذين يصفُّون أنفسهم عند القتال صفاً، ويثبتون في أماكنهم عند لقاء العدو {كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} أي كأنهم في تراصِّهم وثبوتهم في المعركة، بناءٌ قد رُصَّ بعضه