لقد أعرضوا عن القرآن الكريم إعراضًا . فلا هو الذي يستمدون منه الشريعة التي تحكمهم ، ولا هو الذي يستمدون منه منهج تربيتهم ، ولا هو الذي يستمدون منه أخلاقهم وأفكارهم ومشاعرهم وأنماط سلوكهم .
وإنما وجهتهم في ذلك كله هي أوربا ، شرقها أو غربها سواء .. فكيف يطمعون أن ينصرهم ربهم وهم معرضون عن كتابه ، وأن يمكّن لهم في الأرض وهم مخالفون لشرطه ؟
لقد ابتلى الله إبراهيم عليه السلام ذلك الابتلاء الضخم الذي أبلى فيه بلاء حسنًا فكافأه الله على طاعته فقال له: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) . وعندئذ أدركته رغبته الفطرية في أن يكون هذا العهد لذريته من بعده فيكونون أئمة للناس: ( قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) فماذا قال له الله سبحانه وتعالى في لحظة التقريب والتكريم والإعزاز ؟ ( قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة: 124 ] .
فهذه سنة من سنن الله الجارية التي لا تتبدل ولا تحابي أحدًا . إن الله لا يعطي الناس التمكين في الأرض لأنهم من ذرية قوم مؤمنين بل لأنهم هم أنفسهم مؤمنون . فإذا تخلوا عن شرط الإيمان الصحيح فلا ينفعهم يومئذ أن يكونوا ذرية لقوم مؤمنين !
ولقد عرض القرآن علينا سيرة بني إسرائيل بتفصيل كامل لكي لا نقع فيما وقعوا فيه ، وحذرنا من ذلك تحذيرًا: ( سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ البقرة: 211 ] .