فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 1176

إثْبَاتِ شَهْرِ رَمَضَانَ، هَلْ يُكْتَفَى فِيهِ بِشَاهِدٍ أَمْ لا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ؟، وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِي تَصَانِيفِهِمْ: مَنْشَأُ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ، أَوْ: مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ؟.

وَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِعَدَدِ مَا صَلَّى، قَالُوا ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، وَأَجْرَوْا الْخِلافَ فِيهِمَا لَمْ تُتَصَوَّرْ حَقِيقَةُالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَتَمَيُّزُ [1] كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَنْ الأُخْرَى، لا يُعْلَمُ اجْتِمَاعُ الشَّائِبَتَيْنِ مِنْهُمَا فِي هَذِهِ الْفُرُوعِ، وَلا يُعْلَمُ أَيُّ الشَّائِبَتَيْنِ أَقْوَى حَتَّى يُرَجَّحَ مَذْهَبُ الْقَائِلِ بِتَرْجِيحِهَا؟، وَلَعَلَّ أَحَدَ الْقَائِلَيْنِ لَيْسَ مُصِيبًا، وَلَيْسَ فِي الْفُرُوعِ إلاَّ إحْدَى الشَّائِبَتَيْنِ أَوْ: أَحَد الشَّبَهَيْنِ وَالآخَرُ مَنْفِيٌّ، أَوْ: الشَّبَهَانِ مَعًا مَنْفِيَّانِ.

وَالْقَوْلُ بِتَرَدُّدِ هَذِهِ الْفُرُوعِ بَيْنَهُمَا لَيْسَ صَوَابًا، بَلْ: يَكُونُ الْفَرْعُ مُخْرَجًا عَلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى غَيْرِ هَاتَيْنِ، وَهَذَا جَمِيعُهُ إنَّمَا يَتَلَخَّصُ إذَا عَلِمْتَ حَقِيقَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ فَحِينَئِذٍ يُتَصَوَّرُ هُنَا اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ، وَلا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ الْعَدْلُ الْوَاحِدُ وَيُعْتَقَدُ أَنَّهُ مُخَرَّجٌ عَلَى الشَّبَهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَرْجَحُ إمَّا مَعَ الْجَهْلِ بِحَقِيقَتِهِمَا فَلا يَتَأَتَّى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْفُرُوعُ مُظْلِمَةً مُلْتَبِسَةً عَلَيْنَا، وَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ كَثِيرَ الْقَلَقِ وَالتَّشَوُّفِ-أو: التشوق-إلَى مَعْرِفَتِهِ ذَلِكَ، حَتَّى طَالَعْتُ شَرْحَ الْبُرْهَانِ لِلْمَازِرِيِّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-فَوَجَدْتُهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَحَقَّقَهَا وَمَيَّزَ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُمَا، وَاتَّجَهَ تَخْرِيجُ تِلْكَ الْفُرُوعِ اتِّجَاهًا حَسَنًا.

وَظَهَرَ أَيُّ الشَّبَهَيْنِ أَقْوَى، وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَرْجَحُ، وَأَمْكَنَنَا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِنَا إذَا وَجَدْنَا خِلافًا مَحْكِيًّا وَلَمْ يُذْكَرْ سَبَبُ الْخِلاَفِ فِيهِ أَنْ نُخَرِّجَهُ عَلَى وُجُودِ الشَّبَهَيْنِ فِيهِ إنْ وَجَدْنَاهُمَا وَنَشْتَرِطَ مَا نَشْتَرِطُهُ وَنُسْقِطَ مَا نُسْقِطُهُ، وَنَحْنُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَقَالَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى- قَالَ حَاكِيًا عَنْ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيِّ: الشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ خَبَرَانِ غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ أَمْرًا عَامًّا لا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ فَهُوَ الرِّوَايَةُ كَقَوْلِهِ-عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: (إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (متفق عليه) .

(1) -وفي نسخة من (الفروق) (1/ 67) : (ويُمَيَّزُ كلُّ واحدةٍ منهما عن الآخر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت