فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 1176

ثم قال الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القَرافي المالكي في: (الفُروق) (1/ 79) : (وَهُوَ حُجَّةٌ حَسَنَةٌ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الاكْتِفَاءِ فِي هِلاَلِ رَمَضَانَ بِالْوَاحِدِ، فَإِنَّهَا إخْبَارٌ عَنْ سَبَبٍ جُزْئِيٍّ فِي وَقْتٍ جُزْئِيٍّ يَعُمَّانِ أَهْلَ الْبَلَدِ، وَالأَذَانُ لا يَعُمُّ أَهْلَ الأَقْطَارِ، بَلْ: لِكُلِّ قَوْمٍ زَوَالُهُمْ وَفَجْرُهُمْ وَغُرُوبُهُمْ وَهُوَ أَوْلَى بِاعْتِبَارِ شَائِبَةِ الشَّهَادَةِ، بِخِلافِ هِلالِ رَمَضَانَ عَمَّمَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ-أو: الحنابلة- فِي جَمِيعِ أَهْلِ الأَرْضِ وَلَمْ يَجْعَلُوا لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتَهُمْ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ فَالْمُخْبِرُ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلالِ عَلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ أَشْبَهُ بِالرِّوَايَةِ مِنْ الْمُؤَذِّنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ الْوَاحِدُ قِيَاسًا عَلَى الْمُؤَذِّنِ بِطَرِيقِ الأَوْلَى لِتَوَفُّرِ الْعُمُومِ فِي الْهِلالِ، وَهُنَا سُؤَالانِ مُشْكِلاَنِ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ أَحَدُهُمَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ يُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ وَبَيْنَ الْمُخْبِرِ عَنْ هِلالِ رَمَضَانَ لا يُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

وَثَانِيهِمَا: حُصُولُ الإِجْمَاعِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ عَلَى أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِأَقْطَارِهَا، بِخِلافِ الأَهِلَّةِ، مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَقْطَارِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَقَدْ يَطْلُعُ الْهِلالُ فِي بَلَدٍ دُونَ غَيْرِهِ بِسَبَبِ الْبُعْدِ عَنْ الْمَشْرِقِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، فَإِنَّ الْبَلَدَ الأَقْرَبَ إلَى الْمَشْرِقِ هُوَ بِصَدَدِ أَنْ لا يُرَى فِيهِ الْهِلالُ، وَيُرَى فِي الْبَلَدِ الْغَرْبِيِّ بِسَبَبِ مَزِيدِ السَّيْرِ الْمُوجِبِ لِتَخَلُّصِ الْهِلالِ مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فَقَدْ لا يَتَخَلَّصُ فِي الْبَلَدِ الشَّرْقِيِّ، فَإِذَا كَثُرَ سَيْرُهُ، وَوَصَلَ إلَى الآفَاقِ الْغَرْبِيَّةِ تَخَلَّصَ فِيهِ، فَيُرَى الْهِلالُ فِي الْمَغْرِبِ دُونَ الْمَشْرِقِ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ هَذَا الْعِلْمِ، وَلِهَذَا مَا مِنْ زَوَالٍ لِقَوْمٍ إلاَّ وَهُوَ غُرُوبٌ لِقَوْمٍ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَنِصْفُ اللَّيْلِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَكُلُّ دَرَجَةٍ تَكُونُ الشَّمْسُ فِيهَا فَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأَقْطَارٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَإِذَا قَاسَتْ الشَّافِعِيَّةُ الْهِلالَ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ اُتُّجِهَ الْقِيَاسُ، وَعَسُِرَ الْفَرْقُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتُهُمْ وَهِلاَلُهُمْ، كَمَا يُعْتَبَرُ لِكُلِّ قَوْمٍ فَجْرُهُمْ وَزَوَالُهُمْ.

فَإِنْ قُلْتَ: الْجَوَابُ عَنْ الأَوَّلِ: أَنَّ الْمَعَانِيَ الْكُلِّيَّةَ قَدْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا بَعْضُ أَفْرَادِهَا بِالسَّمْعِ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِقَوْلِهِ- عَلَيْهِ السَّلامُ- (إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا) - (هذا جزء من حديث أخرجه أحمد(31/ 120) بإسناد صحيح) -.

فَاشْتَرَطَ عَدْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ وَمَعَ تَصْرِيحِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِاشْتِرَاطِ عَدْلَيْنِ، لا يَلْزَمُنَا بِالْعَدْلِ الْوَاحِدِ شَيْءٌ، وَلا يُسْمَعُ الاسْتِدْلال بِالْمُنَاسَبَاتِ فِي إبْطَالِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت