فهرس الكتاب
- (ولقائلٍ أن يقول: إن الجمهور يستدل بالأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا وجه لإبطال قولهم) -.
وَعَنْ الثَّانِي: أَنَّ الأَذَانَ عُدِلَ بِهِ عَنْ صِيغَةِ الْخَبَرِ إلَى صِفَةِ الْعَلامَةِ عَلَى الْوَقْتِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْمُؤَذِّنُ لا يَقُولُ: دَخَلَ وَقْتُ الصَّلاةِ، بَلْ يَقُولُ كَلِمَاتٍ أُخَرَ جَعَلَهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلامَةً وَدَلِيلًا عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ، فَأَشْبَهَتْ مَيْلَ الظِّلِّ وَزِيَادَتِهِ مِنْ دَلالَتِهَا عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ فَكَمَا لا يُشْتَرَطُ مَيَلانٌ لِلظِّلِّ، وَلا زِيَادَتَانِ لا يُشْتَرَطُ عَدْلانِ وَلا مُؤَذِّنَانِ، وَكَذَلِكَ آلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ آلاتِ الأَوْقَاتِ تَكْفِي، وَلا يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّهُ يُشْتَرَطُ (أَسْطُرْلابَانِ) وَلا مِيزَانَانِ لِلشَّمْسِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ عَلَامَةٌ مُفِيدَةٌ، وَكَذَلِكَ الأَذَانُ يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ لأَنَّهُ عَلامَةٌ.
قُلْت: هَذَا بَحْثٌ حَسَنٌ، غَيْرَ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ الأَوَّلِ: أَنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ لا بِمَنْطُوقِهِ فَإِنَّ مَنْطُوقَهُ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَجِبُ عِنْدَهُمَا، وَمَفْهُومَهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا لا يَكْفِي مِنْ جِهَةِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَإِذَا كَانَ الاسْتِدْلالُ بِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ، فَنَقُولُ: الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْطُوقِ اللَّفْظِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْمَفْهُومِ قَوْلا وَاحِدًا؛ لأَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ-الباقلاني-وَغَيْرَهُ يَقُولُ الْمَفْهُومُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، فهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا فَلا يَنْدَفِعُ بِهِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ.
-س: ما هو الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ على جهة الإجمال؟ ج: الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ هو: أحدُ أقسام قياس العلة، وهو ما عُلَِمتْ علتُه قطعًا، إما بنصٍّ، أو: فحوى خطاب، أو: إجماع، أو: غير ذلك، ويقابله القياس الواضح، وهو ما ثبت بضرب من الظاهر، أو: العموم.
س: وما هو القياس الخفي: القياس الخفي هو ما ثبتت علتُه بالاستنباط-كما في: (إحكام الفصول) (ص:627) للباجي، و (شرح مختصر الروضة) (3/ 223) للطوفي، و (التقريب والإرشاد) (3/ 332) -.
وَعَنْ الثَّانِي: بِأَنَّهُ يُشْكِلُ بِمَا إذَا قَالَ لَنَا الْمُؤَذِّنُ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ: طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنَّا نُقَلِّدُهُ، وَهُوَ خَبَرٌ صِرْفٌ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الأَذَانِ:"حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ"مَعْنَاهُ: أَقْبِلُوا إلَيْهَا، فَهُوَ يَدُلُّ بِالالْتِزَامِ عَلَى دُخُولِ وَقْتِهَا، وَكَذَلِكَ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ.
وَأَمَّا الْمُخْبِرُ عن الْقِبْلَةِ، فَلَيْسَ مُخْبِرًا عَنْ وُقُوعِ سَبَبٍ، بَلْ: عَنْ حُكْمٍ مُتَأَبَّدٍ، فَإِنَّ نَصْبَ جِهَةِ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ قِيَامًا لِلنَّاسِ أَمْرٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأَعْصَارِ وَالأَمْصَارِ، لا يَخْتَلِفُ بِخِلافِ الْمُؤَذِّنِ، لا يُتَعَدَّى حُكْمُهُ وَإِخْبَارُهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ،