فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 1176

فَالْمُخْبِرُ عَنْ الْقِبْلَةِ، أَشْبَهُ بِالرِّوَايَةِ مِنْ الْمُؤَذِّنِ، فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْفُرُوقَ، وَهَذِهِ التَّرْجِيحَاتِ، فَهِيَ حَسَنَةٌ، وَكُلُّهَا إنَّمَا ظَهَرَتْ بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ، فَلَوْ خَفِيَتَا ذَهَبَتْ هَذِهِ الْمَبَاحِثُ بجُمْلَتُهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقَرِيبِ مِنْهَا لِلْقَوَاعِدِ وَالْبَعِيدِ.

وعلق الإمام قاسم بن عبد الله بن محمد بن الشاط الأنصاري في حاشية: (إدرار الشُّروق على أنوار الفروق) (1/ 83/84) -على كلام القرافي عند قوله: (فَإِنْ قُلْتَ: الْجَوَابُ عَنْ الأَوَّلِ ... إلى البعيد) بقوله: (من مُضَمَّنِ هذا الفصل موافقتُه لموردِ السؤال على استواء الأذان، وميلِ الظلِّ وزيادتِه في الدلالة على دخول الوقت، والفرق بينهما ظاهرٌ، لأن ميل الظل دلالتُه قطعيةٌ، والأذانُ دلالته غير قطعية، ولا خفاء بأن ما دلالتُه قطعيةٌ لا حاجةَ فيه إلى الاستظهار بخلاف ما دلالته غير قطعية، ومن مضمَّنِه جوابه عن الجواب الأول بأنه يدل بمفهومه لا بمنطوقه، وما قاله في هذا الجواب صحيح، ومن مضمَّنِه جوابه عن الجواب الثاني بأنه يُشكِل بما إذا قال لنا المؤذن من غير أذان: طلَع الفجرُ، فإنا نقلده وهو خير صِرف.

قلت: قوله:"فإنا نقلده"، إن أراد أنا نقلده باتفاق فذلك ليس بصحيح، فإن الخلاف في التقليد في الأوقات معروف وإن أراد فإنا نقلده على ظاهر المذهب، وهو الأصح، فذلك صحيح.

ولقائل أن يقول: إنما ثبت في ظاهر المذهب وصحيحِ النظر تقليدُ المؤذن في دخول الوقت إذا أذن لا إذا أخبر بدخوله من غير أذان، والأصح عندي ههنا: أنْ لا تقليدَ، لأن الشرع نصبَ دليلًا معيَّنًا فلا يُتعدى ما نَصَب والله أعلم.

ومن مضمَّنِه قوله: إن قول المؤذن:"حي على الصلاة"يدل بالالتزام على دخول الوقت، قلت: ذلك صحيح، لكنه أغفل دلالةَ الأذانِ بجملته على دخول الوقت، وهي دلالة عرفية للشرع بالمطابقة، لأنه لذلك وضعه الشارعُ، مع أنَّ كل جزء من أجزائه دالٌّ على مقتضاه دلالة لغويةً بالمطابقة أيضًا.

ومن مضمَّنِه قوله: إن المخبرَ عن القبلة مخبرٌ عن حكم متأبد، وإنه أشبه بالرواية من المؤذن.

قلت: لقائل أن يقول: الفرق بينهما: أن كل واحد منهما لا يخلو إما أن يخبر عن مشاهدة، أو: اجتهاد، فإن أخبر عن مشاهدة، فلا فرق، وما ذكره من الفرق بأن المخبرَ عن القبلة مخبر بحكم متأبد بخلاف المؤذن فإنه مخبر بحكم غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت