فهرس الكتاب
وَمَسْأَلَةُ الْقَصَّابِ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَة، بَلْ: هِيَ مِنْ جِنْسِ الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ تَرْكَهُ وَمَا يَدَّعِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مِلْكِ مَا تَحْتَ يَدِهِ، بَلْ: الْمَقْصُودُ مِنْهَا هَلْ يُسْتَبَاحُ أَكْلُهَا بِنَاءً عَلَى خَبَرِهِ أَمْ لا؟ فَلا أَعْلَمُ لِتَجْوِيزِ الاسْتِبَاحَةِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ إلا إلْجَاءَ الضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ لِلُزُومِ الْمَشَقَّةِ عَنْ عَدَمِ التَّجْوِيزِ مَعَ نُدُورِ الْخُلُوِّ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُحَصِّلَةِ لِلظَّنِّ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ).
ثم قال الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القَرافي المالكي في: (الفُروق) (1/ 88/89/ 90) : (فَإِنْ قُلْتَ: مَا قَرَّرْتَهُ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ حَقِيقَتُهَا التَّعَلُّقُ بِجُزْئِيٍّ، وَالرِّوَايَةَ حَقِيقَتُهَا التَّعَلُّقُ بِكُلِّيٍّ، لا يَطَّرِدُ وَلا يَنْعَكِسُ.
أَمَّا الشَّهَادَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اجْتِمَاعِ شَبَهِ الرِّوَايَةِ مَعَهَا، فَقَدْ تَقَعُ فِي الأَمْرِ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ الَّذِي لا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ كَالشَّهَادَةِ بِالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالنَّسَبِ الْمُتَفَرِّعِ بَيْنَ الأَنْسَابِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَوْنُ الأَرْضِ عَنْوَةً أَوْ: صُلْحًا يَنْبَنِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الصُّلْحِ، أَوْ: أَحْكَامُ الْعَنْوَةِ مِنْ كَوْنِهَا طَلْقًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَوْ: وَقْفًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّظَائِرِ، كَمَا اخْتَصَّتْ الشَّهَادَةُ بِجُزْئِيٍّ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا فِي الأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ فِي الإِخْبَارِ عَنْ النَّجَاسَةِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَإِذَا وَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْجُزْئِيِّ وَالْكُلِّيِّ لَمْ تَكُنْ نِسْبَةُ أَحَدِهِمَا إلَى الْجُزْئِيِّ أَوْ الْكُلِّيِّ أَوْلَى مِنْالْعَكْسِ فَتَفْسُدُ الضَّوَابِطُ، وَيَعُودُ اللَّبْسُ وَالسُّؤَالُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قُلْت: أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ فُرُوعِ الشَّهَادَةِ فَالْعُمُومُ فِيهَا إنَّمَا جَاءَ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ وَالتَّبَعِ، وَمَقْصُودُهَا الأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ جُزْئِيٌّ.
أَمَّا الْوَقْفُ، فَالْمَقْصُودُ بِالشَّهَادَةِ فِيهِ الْوَاقِفُ، وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ يُنْتَزَعُ مِنْهُ مَالٌ مُعَيَّنٌ، فَكَانَ ذَلِكَ شَهَادَةً، ثُمَّ اُتُّفِقَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ فِيهِ عُمُومٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الْوَقْفِ، فَإِنَّ الْوَقْفَ قَدْ يَكُونُ عَلَى مُعَيَّنٍ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ: زَيْدٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِغَيْرِهِ، فَالْعُمُومُ أَمْرٌ عَارِضٌ لَيْسَ مُتَقَرِّرًا شَرْعًا فِي أَصْلِ هَذَا الْحُكْمِ.
وَأَمَّا النَّسَبُ، فَالْمَقْصُودُ بِهِ إنَّمَا هُوَ الإِلْحَاقُ بِالشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ: اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ لِلشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ، ثُمَّ تَفَرُّعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ، إنَّمَا هُوَ مِنْ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ التَّابِعَةِ لِلْمَقْصُودِ بِالشَّهَادَةِ، كَمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا وَقَعَتْ بِأَنَّ هَذَا رَقِيقٌ لِزَيْدٍ قُبِلَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَإِنْ تَبِعَ ذَلِكَ لُزُومَ الْقِيمَةِ لِمَنْ قَتَلَهُ دُونَ الدِّيَةِ، وَسُقُوطِ الْعِبَادَاتِ عَنْهُ،