فهرس الكتاب
وقال الأصمعي: (كان رجل يحدثنا-ونحن جماعة-فلما فرغ من الحديث، قال له أعرابي: ما أحسنَ أحاديثَ جئتنا بها، لو أن لها سلاسل تُقادُ بها-قال أبو الحسن ابن أخت بشر: يعني: الإسنادَ) [1] -.
وقال الحاكم-رحمه الله تعالى-في: (المعرفة) [2] : (فأما طلب العالي من الأسانيد فإنها مسنونة كما ذكرناه، وقد رحل في طلب الإسناد-العالي-غير واحد من الصحابة-رضي الله تعالى عنهم) .
إلى أن قال: وفي طلب الإسناد العالي سنة صحيحة:
فمن ذلك ما:
رواه الحاكم بسنده إلى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنه قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ-صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ-عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ [3] مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ:"صَدَقَ"، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ:"اللَّهُ".
قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ:"اللَّهُ"، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ؟ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ:"اللَّهُ"، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ [4] رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ
(1) -أخرجه أبو سعد السمعاني في: (أدب الإملاء والاستملاء) (7) كذا في هامش: (قيمة الإسناد) (ص:31) .
(2) -انظر: (معرفة أنواع علوم الحديث وكَمِّية أجناسه) (ص:115/رقم:10) ، أو: (ص:118/ 119 - مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض) .
(3) -والرجل السائل هو: ضمام بن ثعلبة، لأنه ورد اسمه صريحًا من طريق شريك بن أبي نمر، عن أنس، وحديثه عند البخاري في كتاب العلم، (6 - باب: ما جاء في العلم-1/ 24/25/رقم:63) ، وابن خزيمة في: (صحيحه) (رقم:2358) ، وابن حبان في: (صحيحه) (رقم:154) ، والنسائي في: (سننه) (رقم:2092) ، وابن ماجه في: (سننه) (رقم:1402) ، والحاكم في: (معرفة علوم الحديث وكية أجناسه) (ص:112) تحت عنوان: (ذكر أول نوع من أنواع علوم الحديث: معرفة عالي للإسناد) .
(4) -ومعنى: (زعم) هنا، أي: قال صادقًا، فالزعم كما يطلق على القول الكذب والمشكوك فيه، يُطلق على القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه، كما ورد في الحديث المذكور) -كما في هامش: (الأجوبة الفاضلة) (ص:25) .
وذكر الحافظ النووي في: (شرح مسلم) عند حديث ضمام بن ثعلبه قال: قال أبو عمرو بن الصلاح: (فيه دلالة لما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزمًا من غير شك وتزلزل خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك لأنه قرر ضمام على ما اعتمد عليه في معرفة رسالته وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه، ولا قال: يجب عليك النظر في معجزتي، والاستدلال بالأدلة القطعية) .
إذِ الأصل في عقائد المسلمين الصحة، ما لم يدل دليل على فسادها، وكذلك عقود المسلمين الأصل فيها الصحة، إلا إذا دل دليل على فسادها، فتأمل.